الأربعاء، 22 أبريل، 2009

العيــون المـنـدهـشــة


منذ أن ألتقته عيناى حتى ودعتاه لم أرى فى عيونه إلا الدهشة. كان –أو كانت لا أعلم- طفل رضيع على كتف أمه ،كان حجمه صغيرا جدا ، أصغر من حقيبة اليد المعلقة فى كتف أمه الأخر. ربما لم يتعد عمره النصف عام ، ولكن انصاتى إلى عينيه الصغيرتين كان مثيرا.
اخترقت أمه الزحام واستقرت أمامي ، كان يفصلني عنها فردان أو ثلاثة. كان الزحام شديد والطفل قد أنزلق من على كتف أمه فأصبح يطل من فوق منكبيها بعينين مندهشتين. جذبتني عيناه بشدة حتى إني لم اعد استمع للضوضاء المحيطة بى ، ولم ألتفت إلى الأجساد التى تصدمنى من كل جانب واستسلمت لأسر عينيه......
كان يتصفح وجوه البشر حوله بسرعة وقلق كمن يبحث عن تائه وسط الزحام .... كلما صدر صوت من خلفه أو أمامه كان يلتفت بسرعة يبحث عن مصدره ،ورغم أن أعداد المركبات الصارخة كان كبيرا إلا أنه كان يفحص بعينيه واحدة واحدة. راقبته فوجدته منجذبا لكل أشكال الحركة من حوله ورغم أنه أحيانا كان يتقلقل فوق كتف أمه من جراء الزحام ، إلا أنها سريعا ما كانت تعدّل من وضعه ، وسريعا ماكان يستكمل بحثه المهتم من جديد.
كنت أنظر لكل ما ينظر إليه فلا يثير فىّ أى اهتمام ، أتعجب إذ أن عيناه تبرزان اهتماما واضحا كعالم أمام تجربة معقدة ، أو دارس ينظر فى حل مشكلة . أردت لو أعبر من عينيه إلى عقله لأعلم فيما يفكر ، وبماذا يعلق على مايراه.... ما الذى يجذبه إلى هذا الحدّ.
تمنيت لو حدثنى وحدثته ، لو سألنى وأجبته، فقد كنت أريد أن أخلصه من حيرته التى تشغله كل هذا الانشغال . لو كانت أذناه تستوعبا كلامى لكنت أسرعت إليه وهمست :"ياصغير أنت مازلت حديث العهد بالحياة ، أقدّر شغفك بها وحب استطلاعك ولكن تمهل ، فموقعك –على كتف أمك- لايعرض لك الكثير .
هذا الجمع الغفير الذى أنت غارق فى وسطه ليس إلا حفنة صغيرة من البشر . أتنظر حتى تشتد قدماك وتحملانك فى طريق الحياة ، وقتها سترى الكثير..........والآن اسند رأسك ونم على صدر أمك ، وأنهل من حنانها قدر ماتستطيع ، فالأمان الذى تحياه الآن لايعرف طعمه البالغون فى عالم أصبح آنية للكوارث والحروب ، والشبع الذى تملأ به فمك الآن تتمناه أفواه صارخة لله ، حتى نومتك الدافئة فى حضن يكتنفك يخجل فى التفكير بها رجال سكن الشيب رؤوسهم ، يتذكرون اللحظة التى كان سكنهم فيها أحضان امهاتهم ويقارنوها بقصورهم الفارهة التى يسكنوها الآن ، فيتمنون يوما واحدا على وسائد الطفولة ولا يجدوه . إهدأ أيها الصغير فما تسعى إليه الآن حائرا ، ستعرفه حتما وفوقه الكثير سيلقنك إياه الزمان . أما الأن..... فعش لحظاتك من سلام لحنان لأطمئنان لشبع ،فما تسبح فيه الآن بلا حساب سضن به الزمان على الأحياء فيه..... انعم بحياة لاهم فيها وبدفء ستفتقده كل الأيام الباردة الآتية".
أنهيت حديثى له فى نفسى فوجدت عيناه المندهشتان تتفحصان عينى ........ هل سمعت عيناه حديثى؟ هل كان باديا له فى عينى؟؟. ابتسمت فى وجهه فحدق برهة وابتسم ، كانت جاذبية ابتسامته البريئة غريبة....كمن يصدّق على حديث.
وجدت أمه مسلكا وسط الزحام ، وودع –أنا والطفل- كل منا الأخر بابتسامة عينيه ، حتى غرقا فى أمواج البشر.
وبعد أن قضيت مشترياتي استقللت الحافلة عائدة إلى منزلى . وما إن جلست حتى اكتشفت أن التى تجاورني تماما هى نفس السيدة ذات الطفل الذى استرعانى وسط الزحام ، ولكن هذة المرة كان الطفل يغط فى نوم عميق متوسدا صدرها........ .
24-1-2005

هناك 4 تعليقات:

  1. عزيزتى
    كلنا هذا الطفل
    فكلما وجدنا ملاذا آمنا سارعنا بالبحث عن غيره
    طمعا او طموحا
    فالكثير منا لايستشعر قيمة ما يتمتع به الا بعد فقده

    ردحذف
  2. فعلا سولى
    بس للأسف كل خطوة لقدام
    ما ينفعش بعدها ناخد خطوة لورا
    اقصى حاجة مسموح بيها مجرد نظرة طويلة
    والتحسر لو الأنسان سلبى
    والخبرة لو انسان ايجابى
    ياريت كل واحد يدرك إن اللحظة اللى هو عايشها هى اثمن لحظة فى حياته حتى لو فيها شوك
    وما يبصش لا لورا ولا قدام

    تحياتى.......

    ردحذف
  3. بجد اكثر من رائعه و تفوق الوصف
    و بجد الطفل ده جوانا و كلنا مجتاجين نحسه
    مجتاجين نرجع بالزمان و نعيش دلوقتى و نفكر فى بكرة
    معادله صعبه بس ممكن لو صفينا زى الطفل ده من جوانا و بقينا زيه و نتعلم من برائته دى
    ياريت الطفل ده يفضل قدام عنينا و نتعلم منه

    ردحذف
  4. ميرسى يا انج على كومنتك
    وعلى تعليقاتك المميزة دايما

    ردحذف