الثلاثاء، 1 مايو 2018

حنان البلاطات السيراميكية




     يبقي الحمام هو الملاذ الآمن في كل مكان في العالم! .. ربما بحكم كونه المكان 
الوحيد الذي لايطلب تبريرًا أو تنويهًا لكونك تريد أن تكون وحيد، وتغلق الباب فلاتلصص.
    
لو لم أكن قد هربت إلي الحمام، لكنت الآن أعاني أنهيارًا حقيقًا. الكثير من المعلومات .. الكثير من المجادلات، الكثير من الأصوات والشرائح المضيئة علي الشاشة البيضاء ولوحات شرح  ومداخلات .. والكثير من التقلصات في رحمي، ودفقات الدم الساخن بين فخذي، ودبابيس ساخنة تصعد من رحمي لصدري لذراعي ورأسي فتصلبني علي 
صليب وهمي.
   
  أهرع في وقت "البريك" للحمام .. مع ابتسامة صفراء لكل من يريد أن يستوقفني، ليحدثني جانبيًا ليربحني لوجهة نظره .. "التويلت بليز" ..

   أجلس بكامل ملابسي الرسمية علي المرحاض .. أهدئ من روعي .. أسند رأسي علي الحائط المجاور. يلامس خدي وصدغي الجانبي البلاطات السيراميكية الباردة فيرتعش جسدي بقشعريرة وتسيل دموعي. جرعة حنان غريبة تدفقت إليّ من الحائط إلي جسدي!
   
رحمي يُشعل جسدي بحريق الهرمونات، فيصعد الدخان الأسود إلي رأسي فيعمي عينيّ، ويصم أذناي .. أنظر للزملاء واللوحات والرسومات فلا أري أو أسمع شيئًا .. تأتي كلمة "بريك" فتصتادني كسمكة من البحر الأسود الذي أنا غارقة فيه.
  
  الحائط البارد يحنو علي روحي وجسدي .. يرسل أمطارًا باردة ترطب حرارتي. أنزع حذائي ذو الكعب الدبوسي وأترك قدمي بالجورب الخفيف تنام في استرخاء علي البلاطات الباردة هي الأخري. أضغط علي زر جهاز التعطير فتخرج منه رائحة تُرخي جسدي أكثر فاكثر.
  
   لم أكن احتاج إلا إلي ذلك الحضن البارد. لماذا يصفون في الروايات العاطفية الأحضان وقبلات الحب بالــ"قبلات الساخنة الملتهبة" ؟؟ هل كل الروايات تُكتَبُ في الشتاء؟ حتي لو ..، أجساد النساء ساخنة معظم الوقت تحت تأثير اضطرابتهن الهرمونية، وتثقل دهونهن الكثيرة التي يحرقنها طوال الوقت علي خلاف الثقل العضلي الغالب للرجال.
  
   كثيرًا ماتنيت حضنًا باردًا من زوجي! .. بل إني عندما يفيض بي الكيل واُحبط تمامًا من ضغط العمل -كتلك اللحظة- أغلق عليّ باب حمام المنزل .. أملأ حوض الاستحمام بالماء البارد وأنام فيه .. أحلم أحلامًا بهيجة أكون فيها طفلة تلهو بجانب نهر وتضحك بصوت عال وتجري وترش المياه علي حيوانات سعيدة تلعب حولها. استقيظ وأنا مستعدة لمواجهة الحياة مرة أخري حتي يحترق جسدي وروحي فاُعِيد الكرّة ..
   
جسد زوجي دائمًا بارد .. كم تمنيت أن أسند رأسي عليه وأنا أجلس بجانبه ونشاهد فلمًا رومنسيًا، لكنه دائمًا مايقول أن الأفلام الرومانسية تليق بالمراهقات لامديرة عبقرية مثلي، فأخجل بأن أخبره أني أحبها جدًا، واُشاهدها وحدي علي جهاز حاسوبي المحمول اثناء سفري .. في حمامات الفنادق الفاخرة.
   
  يري أني سيدة ناجحة وعملية ويتغزل في عقلي، كل هداياه لي حقائب جلدية أنيقة باهظة الثمن، ساعات يد، حافظات أوراق. هل كان يجب أن أحب وأتزوج شخصًا لايعمل في نفس الشركة التي أعمل بها، حتي يراني "فتاة" و "حبيبة" لامديرة ناجحة حتي في المنزل.
   
  قلت له مرة إني أُحب فلم "مراتي مدير عام" لأُلمح له إني بداخلي شخصية تشبه شادية الرومانسية "الدلوعة" خارج العمل، فقال لي أنه كذلك لأنه كصلاح ذو الفقار لايخجل أن تكون زوجته مديرته، ويتمني لي المزيد من الترقي والنجاح!
   
  أمد يدي للصنبور وأفتحه أترك صوت المياه يربت علي روحي .. صوت المياة المتدفقة أروع موسيقي مهدئة في العالم، ربما هذا كانت الشلالات والبحار مصدر سكينة. رزاز الماء يبرد وجهي. أمد يدي وأملأ كفي من الماء البارد، ثم امسح علي صدغي واهبط إلي شفتيّ ورقبتي. سيكلفني هذا وقتًا إضافيًا لتعديل مساحيق تجميلي، لكن لايهم .. دموعي الساخنة ازاحتها قبلًا.
  
  كم أننا قويات! .. أفكر كل يوم كم سيدة تسير في الشارع وهي تنزف وتعاني من التقلصات! .. السُدس علي أقل تقدير. وهل يقدر أحد ذلك؟ لاأحد .. ولاحتي باقي السيدات والفتيات أنفسهن. كم واحدة تعاني مع الاحتباس الحراري احتباسها الحراري الخاص؟ كم واحدة لاتحظي بوقت خاص في عملها أو منزلها، تبكي أو ترفه عن نفسها؟ في لحظات مثل هذه أمتن لعدم وجود أطفال في حياتي، فكم أم تقضي ساعة أو ساعتين كل اسبوع نائمة في حوض استحمام بارد معطر بلا ازعاج؟
   
  طُرِقَ الباب ودار المقبض أكثر من مرة أثناء جلوسي هكذا لوقت لاأعرف كم هو .. لاأكترث .. حطموا الباب إذا أردتم أنا أحظي بجرعة الشفقة التي استحقها.
    
أنظر في الساعة فادرك أن وقت "البريك" أوشك علي الانتهاء .. أُقبّل الحائط بشفتي فتقبلني برودته. أشكر الله علي هذا الحنان والاحتواء الذي أودعه في هذا الحيز الضيق والبلاطات الباردة .. كنت أتمني لو أنها قد أُودعت في إنسان، إنسان لايراني إدارية مميزة فقط، بل سيدة تمر بكل ماتمر به السيدات من ضعف وانهزام وانكسار .. حتي لو لأسباب كميائية تتعلق بطبيعتها البيلوجية، وحتي لو كانت ناجحة وقوية.

    أرتدي حذائي .. أنهض من علي المرحاض .. أقوم بغيير فوطتي الصحية الممتصة لكثير من دمائي النازفة، أغسل يدي وأشرب من الصنبور المفتوح بكفي، أرش المياة علي وجهي المنحني تحت الصنبور وابتسم .. اعدل مساحيق وجهي. اضع قطعة نعناع في فمي قبل أن أفتح الباب وأغادر. ألقي نظرة أخيرة علي بيت الوِحدة .. وأمتن أن الحنان يصل إليّ، حتي لو من خلال حوائط باردة بلا نوافذ.

الثلاثاء، 27 مارس 2018

خيانة يهوذا العظمي



"لأَنَّهُ لَيْسَ عَدُوٌّ يُعَيِّرُنِي فَأَحْتَمِلَ. لَيْسَ مُبْغِضِي تَعَظَّمَ عَلَيَّ فَأَخْتَبِئَ مِنْهُ. بَلْ أَنْتَ إِنْسَانٌ عَدِيلِي، إِلْفِي وَصَدِيقِي، الَّذِي مَعَهُ كَانَتْ تَحْلُو لَنَا الْعِشْرَةُ" (مزمور12:55) 
أشهر خائنين في التاريخ: .. يهوذا، فبروتس.
يهوذا لمْ يخن المسيح ، ولابروتس خان قيصر،
بل كليهما خانا علة الوجود .. جوهر الله وأصل صفاته .. والقوة المُسببة والمحركة للحياة ..
"الحب" !
خان المسيح كل أهله وتلاميذه، ماعدا أمه والتلميذ الشاب النبيل المندفع بالحب والمطمئن بالسلطة،
وخان قيصر أغلب رجاله المقربين النبلاء الذين عفا عنهم وأكرمهم بعد خيانته.
لكنّ المسيح -في كل آلالامه العظيمة- لم يتألم أشد مما تألم من خيانة يهوذا،
وقيصر لم يتوقف عن المقاومة وأخفي وجه بثيابه، إلا عندما رأي بروتس بين الطاعنين.


***



"فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟" – (متي 50:26)

"وأنت أيضاً يا ولدي؟ حتي أنت يابروتس؟" – يوليوس قيصر 

لمّا جاء الاعداء لخطفه عاتبهم .. ولمّا ضرب تلميذ أذن أحدهم،
نهرَ تلميذه وشفا المعتدي.
الخيانة والشر والألم والرفض وسوء الفهم والكبر والذات والغيرة والحماقة تسكن الأرض منذ حادثة القتل الأولي ..
أما ماينجينا منهم .. فهو الحب.
نُجرح، فنهرع للاصحاب ..
نُرفض، فنلوذ بأحضان الأهل ..
فإذا جرح الاصحاب ورفض الأهل .. فأين تسكن الأرواح؟
تطوف تبحث عن الحب في مواطنه، فتجد كل ماينفيه .. فتجزع جزع لاشفاء منه.


***

"فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟" (لوقا 48:22)

لم يكن السؤال "لماذا تسلم ابن الإنسان؟"، ولكن "أبقبلة!!!"
الكل حوله الآن خونة، أو خونة مع إيقاف التنفيذ .. فلا فضل لأحد علي يهوذا بالإخلاص.
أما الطاعن فبالسيف ..
واللاعن بالسباب ..
والمتخلي فبالهرب ..
والحاقد بسواد الوجه واحمرار العنين ..
أفتكون خائن بقبلة ؟؟!!
أتدنس الحب وأدواته ؟!!
ضرب ولطم الجنود طوال الليل .. بل حتي الصلب لم يؤلمه ولا استتنكره كما استنكر القبلة!
أضعف وأهرب وأبكي بحرقة .. ولكن لاتدنس الحب، لأنه هو الذي يُطهّر.


***


"فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: «السَّلاَمُ يَا سَيِّدِي!» وَقَبَّلَهُ" 
(متي 49:26)

أما أنت يايهوذا فعليك كل لعنة التاريخ الإنساني ..
أنت وكل أتباعك الخانين باسم الحب ..
ترسل السلام وتخون!
تقبل فتسكب بدل الحب سُمًا؟!
تدخل بستان الزيتون - وفي الزيتون عهد سلام - تقود قافلة الكراهية والحقد ؟؟ ؟؟
أنت ..
وكل شهوانيّ باسم الحب ينتهك الأجساد، فيدنس أعظم علاقة اتحاد أبدية ..
وكل ماديّ باسم الحب يعقد صفات بيع وشراء البشر والعلاقات في بورصة مُسعرة ..
وكل سلطوي باسم الحب الأبوي والأموميّ يستعبد ويذل وينمط ويكسر أجنحة ..
كلكم بؤساء هالكون بلا عودة ..
لأن ذنبكم أعظم من أن يغتفر ..
ولأنكم أحرقتكم مراكب العودة وهدمتم الجسور ..
فكل خذلان وخيانة يمحون في بحر الحب العظيم الذي يغمر الكون بمداد لايتنهي من قِبل غير المحدود وغير المحوي ..
بذاته! ..
أما وقد كفرتم بالبحر والسماء والهواء والدفء والجمال والروابط،
بل بالوجود والحق والحياة ..
فعلي أي أرض ستقفون؟ وإلي أي سماء سترفعون أياديكم وأعينكم؟
ماالذي سيُبقي أنفاسكم والترابط بين خلاياكم؟
أنتم أموات بلا رجاء، وإن لم تنحروا أنفسكم ..
أنكم بؤساء معذبون في جحيم لايطاق، حتي وأنتم في بذخ وتنعم ..
أنتم أكره الكائنات -حتي لأنفسكم- لأنكم تحرقون الحياة وتسممون المنابع ..
تشوهون الحب الذي يقبلكم .. ولكنكم ماعدتم لتؤمنوا بوجوده أصلًا ..
وأنتم خائنوه.





السبت، 4 نوفمبر 2017

الوسادة الملونة




عزيزي وليد،

تحية طيبة وبعد ..

أرجو أن يجدك هذا البريد الألكتروني وأنت في خير حال
أكتب لك من دبي من داخل مكتبي الجديد في ساعة الراحة، فهنا ليس مسموحًا لنا أن نستخدم الأنتر نت في أمر لايخص العمل وقت ساعات العمل. هل مازلت تفتح الفيس بوك طول الوقت في المكتب، وتجعل قائمة أغانيك الشعبية الخلفية الموسيقية للمكان كله؟
أفتقدك بشدة، وأفتقد كل الزملاء و ... كل شيء.

أعرف أنك متشوق لأخباري، وأنك -وكل الشباب بالشركة- تحسدونني علي وظيفتي الجديدة التي تراهننا إني سوف لاأدركها. أنا أيضًا أحسدكم! .. بكل أمانة أفعل. لو عاد بي الزمن سأترك "شركة تحت السلم" كما تعودنا أن نسميها وسأسافر .. لكن لو عاد بي الزمن لن أتذمر وأشتكي أبدًا من شركتنا الحبيبة ولا من طبيعة عملي .. ولامن مدام هناء.
أعرف أنك لاتصدقني، خاصة فيما يخص مدام هناء .. لكن هذه هي الحقيقة التي أشعر بمرارة كبيرة لتأخر أدراكي لها بعد فوات الأوان.

أُقسم بالله إني في أول مرة أعود لمصر، سأذهب لمدام هناء واُقبل يدها!. هل ستصدقني إني كلما راودتني مشاعر حنين لحياتي في مصر، تتجسد "مصر" و "حياتي" في صورة مدام هناء؟! .. هذه السيدة مسئولة خدمة تعذيب العملاء بالبنك التي طالما استفزتنا .. وعطلتنا .. وأوقفت المراكب السايرة .. وزفرت في وجوهنا بقرف .. والتي طالما سخرنا منها، هي مصر التي هربت منها.

وهذه السيدة ذات التكوين الجسدي الذي لأمي وأمك وأغلب أمهات مصر .. والطابع الحميمي الذي لجدتك التي تعلق علي لونك المخطوف، ووزنك الناقص، وشغبك الذي جعلك تخطيء الأوراق المطلوبة، وضيق الخلق الذي لزوجتك، والشكوي بصوت عال كالذي لجارة عند كل منا .. والوسادة الملونة .. هي مصر التي أحن لها !

هل تصدق أني أفتقد وسادتها التي كانت طول الوقت ملاحظتي الضاحكة عليها؟! .. تلك الوسادة المطرزة بالخيوط والترتر الملون، والتي لاتليق بأي حال بجو البنك الصارم الرمادي. الوسادة التي تضعها خلف ظهرها بسبب ألام أسفل العامود الفقري، التي تعاني منها عمتي أيضًا. الوسادة التي كانت تمنحني بهجة غير مبررة. كل أيامي الشتوية الباهتة كانت تلونها وسادتها، وكذلك أيامي الصيفية المتربة.

هنا لاوسائد ملونة، ولا مدام هناء .. الكل هنا يمشي بانضباط وجدية مرعبتين! لاموظف بوسادة في أي مكان .. ولا أحد يعلق علي وزني الذي نقص كثيرًا لأنه لا أحد يأكل معي، وأستصعب الطبخ لنفسي فقط. إذا أخطأت يُخصم لي فورًا، ولامدام هناء لترفع صوتها وتحسبن علي الشركات التي تأتي بأطفال ليعملوا في الحسابات فأُحرج واضحك واطلب منها الصبر حتي أتعلم، فتضحك في النهاية وتضربني علي كتفي. لا أحد يتلامس معي بأي شكل هنا! .. ولامؤنب ولاموبخ ولاحتي ناظر بلوم في عيني .. لا أحد ينظر في عيني حتي عندما أذهب لشراء طعام أو قهوة.

وليد .. أبلغ مدام هناء عميق اعتذاري، ولهيب أشواقي .. قل لها أني أفكر فيها كل يوم، وأني افتقدها بشدة، وأطلب منها أن تدعو لي.

وأنت .. أذهب إلي البنك بلازفير أو أدعية بأن "يتوب عليك الله" من هذه الزيارات، لأن مرارة افتقاد ماكنت تتذمر عليه والآن لاتدركه لايمكن وصفها!. لو سالتك مدام هناء إن كنت أريد منها شيئًا غير الدعاء فلاتردد أن تطلب منها وسادة ملونة وسأخبرك برقم أحد الزملاء القادمين في أجازة قريبًا لترسلها معه.

وليد .. أعرف أنك تنتظر فرصة مماثلة لتسافر، أعرف أنك تعاني في العمل، وفي توفير نفقات أسرتك، وفي المواصلات وفي كل شيء .. ، لكن أرجوك أرجوك .. وسط كل معاناتك .. أبحث عن الوسائد الملونة وامتن لها، قبل أن تفقدها وتعيش في جزيرة من ريش النعام .. بلاألوان.

أخوك
شريفيضأبببأ


الاثنين، 9 أكتوبر 2017

موسيقي الجاز التي أكرهها






     لم يكن طبيعيًا ولا منطقيًا، ومفاجئًا جدًا أن أبدأ بالبكاء .. فالنحيب .. فالصراخ المكتوم! .. أنا نفسي كنت اتعجب مما يحدث! .. فقت السيطرة علي نفسي تمامًا، وأرتعش كل جسدي بشدة، حتي سقط من يدي الطبق الذي كنت أجمع فيه قطع المخبوزات والجبن من علي بوفيه الإفطار المفتوح .. وأنكسر. الذعر كان في عيون كل المتسمرين حولي، وأنا في ذعر أكبر .. مالذي يحدث في ولي .. فليوقف أحدكم موسيقي الجاز تلك فورًا ... أنا أنهار!


***


     قبل زواجي كنت فتاة مدللة ومثالية .. ذلك النوع الذي يظهر علي أغلفة المجلات، وفي أعلانات الملابس الرياضية .. استقظ مبكرًا .. اتناول فطورًا خفيفًا صحيًا، أرتدي ملابس مريحة واخرج للتريض لساعة علي الأقل. لمّا كنت طالبة كنت أذهب بعدها للجامعة، أو أذهب لأحد الكافيهات الفندقية لاحتسي قهوتي الصباحية وأذاكر، وبعدما تخرجت وألتحقت بعمل حافظت علي روتيني يوم الأجازة، وكنت أجلس لأقرأ.
     هناك رآني لأول مرة، ولمّا قابلت محاولة التعارف بانسحاب متحفظ، ثار فضوله أن يعرفني أكثر، كل العاملون في المكان أصدقائي، فلم يعسر عليه معرفة أشياء كثيرة عني. تعجبت أنه طلب الارتباط بسرعة دون أن يكون بيننا سابق معرفة! طلبت مني والدتي أن أعطي له ولنفسي فرصة للتقارب، فوافقت علي مضض .. كنا نتقابل في نفس الكافيه. أخبرني أنه كان لديه مقابلة عمل في مبني مقابل ولما تأخر دوره خشي أن يجلس بهندامه الرسمي في قهوة بلدي، فاختار هذا الكافيه مضحيًا بثمن باهظ لفنجان قهوة وزجاجة مياه. تم قبوله في الوظيفة وشعر إني "وشي حلو عليه" وبانجذاب نحوي .. أنا أيضًا شعرت بشاعرية في قصة تقاطعنا في الحياة .. معاناته ومستواه الاجتماعي المنخفض كانا يمثلان تحديًا خاصًا لي .. كأميرة تضحي لتجعل حياة حبيبها جنة وافقت أن ألتبس الدور .. وجعلته حبيبي. كنا كأبطال فلمًا ملحميًا. موسيقي الجاز رافقت أول مشهد في قصتنا، وكل المشاهد اللاحقة في خلفية قصتنا.


***


    أدركت في فترة خطبتنا بخله الشديد، لكني أوعزت ذلك لحرصه وادّخاره لتجهيز شقتنا، وتأمين مستقبلنا. كان يقول لي إني فتاة مدللة جدًا -وكنت كذلك- وأن كوب الشاي الذي يكلف فعليًا نصف جنيه لايجب أن نحتسيه بأربعون ضعف لثمنه لمجرد أن نجلس في مكان مكيف يُشغل موسيقي الجاز. كان منطقيًا ومقنعًا .. ولكني كنت أحب الجلوس في الفنادق في الكافيهات من آن لأخر، خاصة في جلساتنا الرومانسية ومناسباتنا الخاصة. كنت أقول له أنها الفرصة الوحيدة لنتحدث ونحن ننظر لبعض -وهو مالايحدث ونحن نسير ونسير متشابكي الأيدي في الزحام- وفي مكان هادئ. كنت أعرض أن أدفع أغلب الوقت حتي لايمتعض، ومع ذلك كانت أغلب جلساتنا علي مناضد  المطاعم والفنادق والكافيهات مشاجرات نحاول فيها أن نبدو هادئين .. أن نظهر كعاشقين، يمسك يدي بأفتعال وتشنج .. ويطلب أشياء لانحبها لأنها الأرخص سعرًا .. نتناولها علي خلفية موسيقي الجاز. في تلك الفترة تسألت لأول مرة: لماذا موسيقي الجاز -خاصتًا التي يظهر فيها صوت الساكسفون- هي النشيد الرسمي والدائم لكل الأماكن السياحية الراقية؟؟ هل من أغنية عاطفية لتذيب الثلوج أو لأتأمل فيها فأشعر بشيء؟ أي شيء ..



***


     لسنة كاملة لم أتناول ولاشربة مياه خارج منزلنا! .. أدركت بشكل رسمي وعملي وقاطع أنه بخيل جدًا جدًا، حتي أنه يأخد معه برطمانات من الشاي والسكر والبن يوميًا وهو ذاهب إلي عمله، لكي يصنع منهم عامل الشركة مشروباته ولا يأخذ منه حساب للمشروبات أخر الشهر كباقي الموظفين، يذهب ويعود بهم يوميًا لأنه يشك في ذمة العامل الذي يكرهه! .. حاولت أفهامه أنه يجب أن يعطيه حتي ولو بقشيشًا صغيرًا تقديرًا لمجهوده في عمل المشروبات .. فرفض لأن الشركة تدفع له مرتبًا لذلك! .. أدركت أنه لافائدة من الحوار معه، ليس في هذا الموضوع فقط.

    لما عرفت بحملي كنت أعاني من حالة نفسية سيئة جدًا، أخرج الطبيب زوجي من الغرفة ليناقش سبب بكائي بحرية وأدرك بخبرته أنها ليست دموع فرح. سألني إن كنت أعاني من مشكلة ما .. أو لو أن هذا ليس زوجي! .. فصدمت من تخمينه وقولت له أن كل شيء علي مايرام، فأكد لي أنه ليس كذلك، وطلب مني أن أفعل الأشياء التي أحبها لأن هذا مهم لجسد ونفس صغيري القادم للحياة، وأنه يتأثر بشدة بكل كمياء جسمي إن كنت فرحة أو حزينة.

     كسرت كرامتي وذهبت لأبي أطلب مال! .. قولت له إني سأفعل هذا شهريًا لأسباب خاصة، ورغم الحزن والقلق الذي سوّد وجهه، إلا أنه بكل رُقيّه وأدبه المعهود لم يسألني عن السبب وطلب مني الاهتمام بنفسي وأن أطلب أي شيء في أي وقت بلا تردد.
    كنت أخذ جنيني لفندق جميل علي النيل، أطعمه الكرواسون بالجبن الذي أحبه، والذي أحَبَه من حركته المزامنة لألتهامي له. أحب موسيقي الجاز ورقص عليها وهو جنين. قولت له إني كنت أحبها أيضًا .. ماما ذاكرت وقرأت وأحبت علي هذه النوت الموسيقية ياحبيبي .. صوت السكسفون هذا كان أبي الروحي .. كان. ليكن لك حظًا أفضل معها، لاأُحبز أن أورثك انطباعاتي.


***


    عامين آخرين كنت فيهم بطلة .. بطلة لاستمر في الحياة ولاأقتل نفسي. لم لأفعل لأن طقلًا بهذا الجمال والذكاء والحنان لايستحق أن يعيش يتيمًا. لم يفهم أبي رغبتي في الطلاق، وقاطعتني أمي. أبي كان ظهري الوحيد في مواجهة المجتمع والناس وزوجي الذي اختار أن يذلني، لأني أخترت أن أعيش خارج مقبرته. الأجراءات لم تنجح في أن تتم بشكل ودي فلجأنا للقضاء. أخترت فندق قريب ليكون المكان الذي يحصل فيه والد أبني علي "حق الرؤية". وافق، وكان يأتي لينظر لي بتشفي ويقول للولد أني أضيّع عليه فرص للذهاب والملاهي والحصول علي كثير من الحلوي .. وأني لن استطع أن أوفر له كل مايريد لأني فقيرة بينما هو غني. يترك أبني ممزق من البكاء ويصرخ في وجههي أنه يكرهني ويحب أبيه .. ويمشي بدون أن يدفع حساب ماشربه وأكله مع أبنه. كل هذا كان يحدث علي خلفية موسيقي الجاز.


***


     بعد وفاة أبي أنكسر ظهري كان يجب أن أعمل لأصرف علي ابني لأن أبوه لم ولن يفعل، ومعاشنا قليل. حصلت علي وظيفة جيدة جدًا بسبب تعليمي ومظهري وطبقتي الاجتماعية. اليوم كله في الشركة يشغلون موسيقي الجاز في كل السماعات! .. كان هذا الجحيم بعينه! هل أترك وظيفة جيدة وفي مكان قريب من سكني وبمرتب كبير بسبب موسيقي الجاز! هل ستفهم أمي قدر معاناتي أو أي أحد؟؟ هي يحتمل إنسان أن يُتلي علي مسامعه تاريخ معاناته وقصة آلامه كل يوم وطول الوقت .. وأن يبتسم ويعمل باسترخاء ودأب علي خلفية هذه التلاوة؟

    لهذا السبب كان مزاجي متعكرًا طول الوقت، وانعكس هذا علي أدائي وعلاقاتي مع الزملاء .. حاجز من خيبة السنين يأبي أن يذوب بسبب موسيقي الجاز التي تجمع كل مواقفنا.

     يخبرني مديري أن أدائي غير مُرضي .. وأنه سيرسلني تدريبًا سيساعد في رفع كفائتي، ويمكن اعتباره كأجازة "تغيير جو" وارتداء ماأحب علي شاطئ جميل غير اللون الأسود الذي لم أبدله بعد وفاة أبي.

     تنفست الصعداء وامتننت للحياة التي تحاول أن تراضيني .. أسبوع بدون أبني وعلي شاطئ يمكن أن أغسل فيه كل ماضيّ، ومع اُناس لاسابق معرفة بيننا حيث يمكنني أن أكتشف من أكون غير تلك السيدة المنفصلة، والأم الكئيبة، والأبنة اليتيمة. ربما استعدت تلك الفتاة الظريفة التي كانت تحب الحياة والروايات وتعيش حياة مثالية.



***


     هل كل هذا لايكفي أن يقنع أمن الفندق؟ طبيب الفندق؟ مدير الشركة كي لايفصلني؟ كل النزلاء -مصريين وأجانب- علي مائدة إفطار الفندق ذو النجوم الخمس في تلك القرية السياحية الراقية؟. لايكفي بأن يقنعهم أن موسيقي الجاز التي تهدرها سماعات غير مرئية كفيلة بسحقي تمامًا لأني لم أعد احتمل ولو نغمة واحدة؟ وأن صوت الساكسفون لم يعد أبًا روحيًا، بل شيطان شامت يصرخ بفشل عمري وحبي وبيتي فيعذب اعصابي كتيار كهربي حارق يسري في جسدي؟ هي يمكن بأن يساعدوني بأن يخرسوها للأبد؟ أم اني سأضغط وأضغط وأضغط علي أذني لأمنع ثعبان الجاز من خنقي فأموت بعصر رأسي؟



السبت، 17 يونيو 2017

شكوك في نوايا جسدي




أشعر أن جسدي يضمر لي خيانة!
قرارته الأخيرة تجعلني أشك في أنه مخلص لي تمامًا!
أقف كثيرًا لأفكر .. هل جسدي يعمل لصالحي؟؟

***

في قلب أجواء احتفالية،
وفي منتهي الانهماك،
يتحجج بالارهاق فيموت!
يجعلني اسقط كجماد ..
ويأخذ روحي كطفلة موبَخة، ويحبسها في عالم مظلم،
فإذا اضطربت أو أرادت العودة يذيع لها بعض الهلاوس!
أهكذا تحل مشاكلك؟ بالهروب المفاجيء!

***

أنتظر موعدًا بشوق وترقب طوال أسبوع
فأستيقظ صباحه بألم في الحلق والأذنين ودوار!
أهكذا تدعمني!
لااستطيع النهوض من الفراش فأعو إليه وألغي المعاد.
أتخيل ماقد يفعله معي جسدي في مواقف أكبر!

***

قد أفوز بجائزة فأشتري فستانًا أنيقًا
والكثير من مساحيق التجميل
أنهض مبكرًا في ذلك اليوم وأتحضّر علي مهل
فتتعثر قدمي وتلتوي في أولي خطواتي بالحذاء العال،
ولا استطيع السير!

***

قد أسافر لرحلة طالما حلمت بها ..
أسنقل سيارة
تنعطف ..
ثم نصل أخيرًا ويتفح الباب،
فأتقيأ!
ولا تتوقف معدتي عن الانقباضات،
حتي بعدما تقذف كل أحماضها
غضب معدتي بركان أعمي.

***

جسدي ..
أنا لااُسقط حقك
أدللك كثيرًا
وأغدق عليك بما فيه خيرك،
لكن لاتجلعني أشك فيك
وليس عندي مكانًا أخر لارتاح فيه.
لاتجعلني لاأراك إلا طفلًا أنانيًا،
إذا لم نلتفت لرغباته حالًا أفسد كل شيء
لحساب من تعمل؟
وبأي حق تُسيّر حياتي وتعيد تشكل برنامج أيامي؟
لاأملك تهديدًا محددًا أردعك به
لكنّ نهايتك معروفة،
وفيها نهاية لانهائيتي،
فثق بي وأجلعني أثق بك،

لأن الرحلة لاتحتمل ضعفًا وطفولة.