الأحد، 23 أبريل، 2017

فضفضة أخوية


     لو كان أخبرني أحدهم يومًا أني سأصبح متدينًا لشتمته بأمه، كما أفعل دائمًا للتوبيخ أو الملاطفة. والآن لم أصبح متدينًا بالمعني الشائع للكلمة - مازلت لاأؤمن بأي دين بالمناسبة – لكن مايدفعني للفضفضة إليك رغم أنك غريب ومجرد "زبون" سأوصله وجهته وينتهي كل مابيننا هو تلك الأجراءات المشددة التي فرضوها علي الكنائس مؤخرًا .. تذكرت لعبورنا أمام واحدة.

     أبي وأمي كانا متدينان .. جدًا. لكن رغم أنتماءهما لنفس الدين، ورغم أولوية الدين وممارساته في حياتهما كانا عدوان! .. أبي كان يضرب أمي، وأمي كانت تكره أبي، لسطوته عليها وخضوعها له باسم الطاعة. كانت لي شلة اصدقاء لهم معايير للرجولة لاتتفق مع معايير أبي. كلنا كنا علي غير وفاق في بيتنا .. حتي أختي. النموذج الكلاسيكي للأسرة غير المتحابة في الأفلام والمسلسلات العربية الذي ينتج شابًا منحرفًا. لكني لم أنحرف، فقط لم أرد ان أكمل تعليمي .. اقترضت واشتريت سيارة لأعمل عليها واستقللت عن منزل أبي. القيادة مهنة لابأس بها، لكن الوسط يفرض عليك سلوكيات معينة وإلا ستأكلك الحيتان إذا استضعفتك. سبب أخر جعلني أستقل، وهو أني كنت أريد الزواج جدًا، وبدون تدخل أبواي. كانت لدي احياجات جسدية وعاطفية .. جزء في داخلي كان يئن بشدة. وددت لو تزوجت فتاة أعتذر فيها لأمي عن عنف أبي، وتعتذر نيابة عن أمي لجزء مني -في أولاي- عن قساوة كبيرة أوجعت كل كياني. كنت أُذكّر نفسي كل يوم أن أخبر زوجتي أن تحتضن أولادنا بشدة حتي لو كانوا ذكورًا، بينما سأخجل أن أطلب منها المثل، سأنتظر بشوق أن تفعله من تلقاء نفسها فانتهرها، ثم أتمني أن تكرر فعلتها مجددًا.
     لمّا تزوجت من أخت صديق فوجئت بنفسي وأنا أكرر مافعله أبي مع أمي، ومعي وأنا وأختي! كنت مذهولًا من تصرفاتي كأني دمية تحركها أصابع خفية وتسخر منها! .. زوجتي لم تكن كأمي، اشتكت لأخيها فجمع اصحابه وضربوني، أخذوا منقولاتها .. ووقّعت تحت التهديد علي إيصالات أمانة تم المساومة بهم علي الطلاق.
     عندما أصبح أبني بعيد عني، وصرت أراه مرة كل أسبوع -بعد مفاوضات كثيرة- لمدة ساعة أو نصف يوم علي الأكثر- صرت أكثر وعيًا بتصرفاتي معه. ورغم طول المسافات بين لقاءاتنا، ورغم محاولات أمه وعائلتها لزرع الكراهية في قلبه الصغير تجاهي، إلا أنه أحبني بشدة وأنا عشقته.
     كان ينظرني كل يوم جمعة في الشرفة .. ينظر من بين فتحات السور .. حتي من قبل أن يتعلم المشي .. كان يعرف بروحه النقية إني في الطريق إليه كالكلاب التي تشعر باصحابها بحاسة خاصة، وكنت أحضر له الحلوي والألعاب. لم استطع أن أكون أبّ، لم أعرف كيف افعلها لمدة نصف يوم في الأسبوع! لكني كنت رجلًا يحب كيان صغير ضغيف -يشبهه تمامًا- يشفق عليه بشدة، ويحاول علي قدر معرفته أن يسعده.
     حركة كانت تذيب قلبي طوال الوقت  .. أن أصل أمام أبني فيرفع يديه لأحمله، هل جربت أن يحبك طفل -من أي سن- ويرفع يديه إليك لتحمله؟ لو جربت ستفهم تمامًا مااعنيه. النظرة المتوسلة المبتسمة الحنون المتدللة الواثقة، الخصر المائل ناحيتك بقوة جذب لاتستطيع معها إلا أن ترفعه وتضمه بشدة كأنك تود أن تُسكنه داخلك، رفعة اليد والفراغ الصغير الذي يفسحونه لكفيك تحت أذرعهم الضئيلة .. صدورهم الدافئة التي يرتاح عليها كفك الكبير فتستقر أصابعك علي الفراغات بين الضلوع كأن الضلوع خلقت بفراغات لتتشابك بانسجام مع اصابع الكبار وتنقل لها دقّ الحب الخالص المتحمس. جرب أن تحاول حمل طفل لايحبك ولايرتاح إليك، ستجده يضم ذراعيه إلي صدره ويدفعك .. الأطفال لايقدمون حب مبتذل، بينما الكبار كلهم "بائعي هوي". لايمكنك أمام رفعة ذراعين لطفل إلا أن تحمله وتشعر بنبع حب دافيء ينفجر في صدرك .. مهما كنت قاسيًا.
     لعلك تسأل ماعلاقة كل هذا بالكنيسة؟ .. في يوم توفي والد زميل لنا علي القهوة، كنت في سفَر مع زبون للأسكندرية فلم احضر جنازته، لذا قررت أن لاأفوّت الأربعين حتي لا "يأكل وشي" إذا تقابلنا علي القهوة في القريب. دخلت في نهاية معاد الصلاة الذي اخبرني به الاصدقاء .. انتظرت أخر صف .. وجدتهم يكررون الصلاة التي تظهر دائمًا في الأفلام العربية والأجنبية يكررها المسيحيون جماعة .. "أبانا الذي في السموات .." لم تكن أول مرة اسمعها. مازلزل كياني هو رفعة أيديهم في الصلاة مع كلمة "أبانا" رجال ونساء، بالغون ومسنون وأطفال .. بنفس الطريقة التي يرفع بيها أبني ذراعيه كلما رآني!! .. لايبدو هذا طقسًا عالميًا للصلاة .. حسبتهم يفردون كفوفهم يضعونها بوضع راسي متلاصقة تحت ذقونهم ويغمضون عيونهم.

     كان عدد الحضور يوم الجمعة هذا في الكنيسة كبير جدًا .. رفعة أيديهم ونظرتهم للسماء باعين مفتوحة بنظرة تشبه نظرة أبني جعلتني أتخيل يدان عملاقتان ستشق القبة الكبيرة وترفعهم .. لاأحد -حتي لو كان إله قاسي لايكترث لخليقته- يمكن أن يتجاهل تلك النظرات .. تلك الأذرع المرفوعة .. والصدور المبسوطة التي تأتمن من ترفع له يدها علي قلوبها. قوة الحشد وقوة المشاعر صعقتني .. تسمرت مكاني ثم انخرطت في البكاء. لم استطع أن اعزي صديقي ومشيت. كان ذلك اليوم أروع يوم قضيته مع أبني في حياتي .. ولم استطع أن أجيب علي سؤاله "بابا أنت عيط ليه؟".

     في مساء ذلك اليوم ذهبت لبيت صديقي بحجة أداء واجب العزاء المنسي .. طلبت الاختلاء به، سالته عن سر تلك الصلاة، وعن رفعة الأيدي تلك، والعيون الشاخصة ماذا تري ولمن تنظر؟ أسئلة كثيرة تلاحقت في ذهني، لكنه لم يجب علي أي منها. أندهش في أول الأمر وحاول أن يتأكد إني لااسخر منه ولاأسيء لمقدساته، ثم سخر هو مني ومن المصليين، قال أنه "شغل دروشة" وأن أبيه وأمه كانا يفعلان هكذا بحكم العادة- لأنها لم يقنعاه بسبب - أما هو فيحب أن يصلي مطرق الراس مغمض العينين لأنه "خاطي" وهذا الوضع مدحه السيد المسيح ويغفر خطايا من يصلون به.

     بحثت في الأنترنت عن هذه الصلاة وحفطتها. لست مؤمنا بكلامها، لكن لكي أرددها مع الجمع .. كل جمعة أدخل أي كنيسة في موعد انتهاء القداس، لاأكترث بالصلوات أو أي شيء .. أنتظر أن يعطي الكاهن الواقف بظهره أمام الناس الأمر ببدء الصلاة التي تبدا بــ"أبانا الذي في السموات" فأرفع يديّ بأقصي امتداد .. أبدو غريبًا باصابعي المتباعدة والكل يضم أصابعه، لكن أبني يفعلها هكذا، وانا أراها تلقائية أكثر، أردد الصلاة ودموعي تنهمر ثم اغادر لأذهب لأبني. هل ستصدقني أني كثيرًا ماشعرت بزراعيتن عملاقتين تحملاني وتضماني؟ حتي لأني أحيانًا أبكي بنحيب من ولع الحب الذي يغمرني، فاُحرج ولاأعود لتلك الكنيسة مرة أخري، بل أبحث عن غيرها. ماأخشاه إني لثلاثة أسابيع لم أستطع أن أدخل أي كنيسة لأنهم صاروا يطالبون إظهار البطاقة، وقد يرتابوا في أمري إذا وجدوا إني لست مسيحيًا ومسجل في قضايا طلاق ونفقة. لاأريد أن أُحرم من تلك الحالة .. فهل عندك حل؟

السبت، 18 مارس، 2017

اصحاح الاكتئاب


"أما أنت فمتي أكتأبت ..فأدخل خلف ابتسامتك ..وأغلق فمك ..وأصرخ بكل قوة الصمت في داخلك لأبيك الذي في السموات،ولكن صدي صرختك سيتردد في الخواء بداخلك."


***


اليوم شكوتك إلي طبيبتي النفسية ياالله،
قولت لها أنك تركتني.
وأنك اسلمتني لمليمترات مكعبة من المواد الكميائية المُفرزة من مخي لتلهو بي.
قالت لي أنك أهديتني البصيرة لأعرف إني مريضة واحتاج المساعدة!
وأنك ستحاسبني إذا لم أخضع للعلاج!
أهذه هديتك؟ وماذا عن هداياك التي اعتدتها منك ومنعتها عني؟
هل لي أن احاسبك عليها؟
أين سلامك في نومي؟
أين جمالك في الطبيعة؟
أين فرحك في كل أشيائي البسيطة؟
أين احساسي بمحبتك في كل مَنْ حولي؟
لماذا ابقيت لي صورة الأشياء وسحبت منها روحك؟
لو كنت سحبتها كلها لكنت أستطيع أن أبكي وأنوح ويفهم الجميع فداحة خسارتي
أما الخواء والمرارة التي حلّت ، من غيرنا يدركها؟
اِعتَرِف لطبيبتي أو أي أحد بما فعلته يالله لأنه "لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا"


***


كنت اسمع مراثي أرميا النبي فلاافهمها!
كيف يصرخ -أي أحد وليس نبي الله!- لك يالله النهار كله ولاتستجيب!
كيف تُثقّل سلسته بدل من أن تحلها؟؟
كيف تمرره وكلامك حلو واسمك دهن مهراق؟؟
ولكني الآن فهمت تمامًا ..
لقد كنت "مُكتئب" ياأرميا والله بعيد ..
لقد كنت وحدك.


***


"أما أنت فمتي صُمتَ عن الحياة ..فأدهن رأسك واغسل وجهك ..اغسله جيدًا .. اغسله كثيرًا ..فالدموع والوجوم سيطفران بلاتوقف.ولايجب أن تزعج باقي المخلوقات."


***


تقول يارب أنك تجمع الدموع في زق عندك ..
وماذا عن البحار التي تأبي أن تسقط شلالات من العيون الجامدة؟
يقولون أنك تُقدّر الجهاد، والتعب عندك ليس بلامنفعة،
وماذا عن العجز الكامل الذي يقتل الحياة وأي رغبة فيها، ويشلّ الاعضاء تمامًا؟
كيف تحسب الاكتئاب عندك؟ أو أنك لاتحسبه؟
وكيف احسبه من عمري وهو ينهشه؟
كيف اُنهض نفسي وأنا عاجزة؟
وكيف اطلب مساعدة والأبواب مُغلّقة؟
وكيف ستساعدني وأنت بعيد؟


***


اليوم شكوتك يالله لمن كنت أشكرك عليه دومًا
شكوتك لمن اصبح فيّ وحواليّ عبئًا،
شكوتك للوجود.


***


"وإذا بفيضان اكتئاب يعبر، ولاتبدو له نهاية ..ولم يكن الرب في الاكتئاب."









السبت، 18 فبراير، 2017

إلهي وإله ديزني لاند

إله الحب ..
والقصص السعيدة،
والتفاصيل المدهشة،
والجمال.
هو إلهي -المحبة- وليس إله ديزني لاند.
***
إلهي ليس عنده نهاية واحدة ثابتة لكل الحكايات
نهاية مبتورة! لانعرف بعدها كيف استمرت الحياة
كأن مشهد الزفاف الأخير كفيل بأن يورثنا كلنا
-أبطال الحكاية ومتابعيها- السعادة الأبدية بلاشك!
***
إله ديزني لاند يظهر في مشهد أو مشهدين
لحظة اللقاء ..
ولحظة النهاية السعيدة.
بينما في النصف يختفي ويترك الأميرة للمعاناة.
معاناة سندريلا وسنو وايت مع زوجتيّ أبيهما،
ومعاناة عروس البحر مع بيئتها التي تتوق لتغييرها،
معاناة الجميلة مع الوحش،
وغيرها من المآسي
بينما إلهي كائن في قلب المعاناة لحيلها نعيمًا!
إلهي يساعد سنو وايت في تنظيف الأرضية ويرسل لها العصافير لتغني معها
إلهي يعرف أن يآلف بالحب الأخوة غير الأشقاء،
إلهي لايلتفت فقط للفتيات الجميلات، بينما يترك متوسطي الجمال للشقاء الأبدي.
وليس عنده كل أمرأة كثيفة الحواجب، أو معكوفة الأنف، أو ممتلئة الجسم هي امرأة شريرة!
***
إلهي يسكن كل التفاصيل في القصور والأكواخ،
والليالي الباردة المطيرة لاتصاحبها في صحبته موسيقي مرعبة.
إلهي يحب الأميرة والأمير والساحرة، وفتيات كلهن في عينيه جميلات.
إلهي ليس عنده نهايات كلاسيكية
ليس عنده نهايات من الأساس!
فهو يكتب قصة تمتد للأبدية
ويسرد بحبر الفرح والمحبة كل السطور.

الثلاثاء، 24 يناير، 2017

لأنها تضع عطرًا غاليًا




هل تتوقع أن نعاملها بحفاوة زائدة،
وأن تُستثني من طابور تقديم الطلبات،
وتجلس علي الكرسي الوحيد أمام مكتبي
المتروك لذوي الوسطة ..
فقط! لأنها تضع عطرًا غاليًا؟!


***


عطرها أسعد كل الموظفين في المكتب.
العاطفي منهم ابتسم بنصف فم،
والمتزمت عبس.
ولكن كليهما  استلذت حواسه.
حتي الموظف الأعزب فكر في الزواج
بزوجة حضنها بنفس الرائحة.
لكنّ هذا لم يزدنا إلا تعنتًا ضدها ..
لأننا نرفض أن يكون من أسباب اسثناءنا لأحد ..
عطر!


***

جاء دورها فتجاهلناها ..
وطلبنا من السيدة العجوز برائحة أهل الريف أن تتجاوزها.
نظرنا لبعضنا نظرة انتصار متحدية.
قولنا لها أن الأخري بتدو مريضة،
ولايجب أن تنتظر، مع أنها انتظرت!
حاولنا أن نبدو كرحماء لامتعنتون،
وتركناها تتململ وتتحرك ..
فيفيح عطرها أكثر.


***

لمّا اعتادت أنوفنا عطرها،
ولم يعد يثير نشوتنا ..
أنجزنا لها بضجر طلبها،
وودعناها بنظرات سخرية، وابتسامات تهكم، وزفرات سخط ..

فقط لأنها تضع عطرًا غاليًا.

الاثنين، 19 ديسمبر، 2016

سبع ثوان كمريم نجيب



تلك المصلحة الحكومية البغيضة مرة أخري! .. بيت الرعب، السجن العطن ذو المكاتب المعدنية، والموظفون ذوي القلوب الحجرية. أكره أن آتي مرة أخري للحصول علي نقشة "سايحة علي بعضها" من محبرة مزودة بالماء. لكن ما باليد حيلة ..

أصل لمكتب النموذج الأزلي لموظفة الحكومة المصرية .. مدام اعتماد .. أقف في طابور طويل ممل، يوازيه طابور أخر أمام مكتب الأستاذ راشد. هذه الحجرة صارت مألوفة لحد خانق! .. أريد أن أتحرر منها للأبد. أتيت بكل الأوراق الناقصة، وجمعت أختام كفيلة بأدخالي موسوعة جينيس لمحترفي السحر الأسود.

أدور بعيني في الحجرة ورواد الطوابير .. أشرد .. أفيق علي تحديق رجل ستيني في وجهي! .. أغضب .. ثم أدرك إني مَنْ حدقت فيه أولًا ولفترة -تبدو- ليست بقصيرة .. أرتبك واشيح بنظري. أشعر بعينه مازالت مثبته علي وجهي، ولكني لاأتفلت. أحافظ علي جمودي حتي أصل لمواجهة مدام اعتماد  "حضرتك أنا جبت كل حاجة .. كل حاجة .. وطلعت شهادة ميلاد إلكترونية .. وعملت فيش من تاني، باقي بس ختم حضرتك وملفي يبقي جاهز أقدم بيه في الشغلانة الجديدة .. علشان خاطر ربنا ماتعطلنيش أكتر من كدة لأن بجد النهاردة أخر فرصة" .. تنظر لي بوجه جامد .. لا ذرة تعاطف ولا حتي ابتسامة عمل .. هنا صحراء جرداء .. هنا في عينيها تحديدًا.

حكت لي صديقة عن موظفة تاثرت وهي تنجز لها أوراقها لما حكت لها صديقتي قصة مُختَلقة عن ظروفها الصعبة، قامت علي أثرها الموظفة من علي مكتبها تاركة جموع المنتظرين لختم وامضاء، ودارت علي مكاتب زملاءها لتنهي أوراق صديقتي بنفسها .. كانت تردد بين دموعها المكتومة والمطلوقة طول الوقت "عندي اللي زيك". لماذا لاأقابل أي شخص "عنده زيّ" أو يحمل أي عاطفة (أمومية/ أبوية/ أخوية) ناحيتي .. ولايكون متحرشًا؟ لماذا لاأقابل موظف منجز بلامشاعر لاتهمني علي الإطلاق!! .. أنا في مصلحة حكومية هدفها خدمة المواطنين، وليس فتح جراح الوحدة والجوع العاطفي ورثاء الذات.

تكتب الورقة الأخيرة "مريم .. نجيب حنين" يصعقني تيار كهربي "لأ لأ لأ !! .. نبيل .. أرجوكي نبيل مش نجيب .. مش عايزة أجي مرة كمان علشان أصلح اسم!" .. أسمع صوت أستاذ راشد في المكتب المجاور يصيح "أتفضل ياأستاذ نجيب محمود .. أدفع في الخزنة وتعال" .. تضحك مدام اعتماد في سادية "يعني أخر كلام أنتِ مش مريم نجيب؟". أستند بزراعي علي مكتبها .. أدور برأسي .. يتوقف "أستاذ نجيب" هو الأخر .. هو الرجل الذي شردت في وجهه .. يبستم ويحدق في عيني مباشرتًا .. بقوة! .. بحب عميق! .. يلمس كياني، أريد بشدة أن أكون مريم نجيب لو كان هذا النجيب أبي! .. لما لا؟ فلتذهب الوظيفة والأوراق الرسمية للجحيم، ولأحصل علي أب بدلًا من الذي لم أره أبدًا! ولا أعرف عنه غير صورة أبيض في أسود بشريطة سوداء في صالة منزلنا واسم ملتصق طول الوقت باسمي .. لأحصل علي هذا الرجل الآن .. ابتسم له، تعال الآن واحضني بقوة .. وأنهر هذا السيدة وتحزب لي كما يفعل الآباء مع بناتهم .. أزجر هذا الشاب اللزج الذي يمسحني بنظراته غير المريحة، وأشتري لي مشروبًا من البوفيه حالما ينتهي استراج أوراقي، لاتدعني أمد يدي في حقيبتي لأبحث عن نقود لأي شيء .. تكفل بي .. قُدّ بي لمنزلنا وأنزلني أمام الباب بالضبط حتي لاأسير بحذائي العالي الذي لاألبسه إلا حينما أخرج معك .. والذي في الحقيقة أقف أمامه احترامًا واشتياقًا في فتارين المحالات ولم أشتره أبدًا .. ستأتي به أنت لي كهدية في عيد ميلادي الخامس والعشرين مع ذلك الفستان المنقوش بورود علي طريقة الثمنينات .. أليس كذلك؟ تعال و .. "ياأنسة! .. يلا ياأنسة ورانا مصالح!".

"آه .. أسفة .. خلاص يامدام أخد الورق؟" .. "آه صلحته خليته نبيل وشلت نجيب خالص أهو علشان ماتزعليش" .. أرفع يدي بسرعة بمنديلي الورقي ليتستقبل دمعة حارة قفزت من جفوني .. أدعك عيني كأنها مطروفة أو ماشبه .. أسحب الملف وأدور ناحية الباب .. أسير خطوتين وألتفت قبل المغادرة .. أنظر إليه فأراه واقفًا في طابور الخزنة ينظر إلي .. الطوابير بيننا تمنع الرؤية المتصلة لكنه ينظر إلي وأنا أشعر بذلك. يجب أن اُفسح طريق الباب .. أغادر .. أخرج من المصلحة للشارع .. أقف علي الرصيف .. حلمت أمس بالهذه اللحظة وتخيلتني أرفع الملف في الهواء وأرقص .. أرفع الملف أمام عيني .. أقرأ اسمي عليه .. وأبكي بشدة -لأول مرة- أبي.

الأحد، 20 نوفمبر، 2016

شكرًا ياالله لأنك لم تعطي وحدتي وجود





أجل لم تفعل ..
كما لم تعطي "للعدم" وجود بجودي،
فأصبحت أنا الآن، وللأبد، ومن قبل في خطة مستقبلية.
كذلك وحدتي ليس لها وجود،
فحين اعتزل الناس ..
أُسكت كل الأصوات ..
أخلع ملابسي ..
وجلدي ..
والدهون التي تحته ..
وشبكة أوعيتي الدموية النابضة ..
أفكك عظامي وأرتبها كعصبة عصي قصيرة، وأحزمها ..
يبقي قلبي هناك -في وسط أحشائي- ليس وحيدًا!
أنا لاأعرف الوحدة ..
ولايعرفها أحد كما يزعمون!
نتحدث عنها كما نتحدث عن الثقوب السوداء ..
والمجرات الأخري،
كالعلوم البحتة نعرف أن نشرحها نظريًا،
أما في الواقع، فلم يعيشها أحد قط!
أنت ملء الكل يالله
أنت هنا في الحروف، وفي الفراغات حولها ..
أنت في عمق أحشائي وعرشك في قلبي
أنت في أنفاسي، في كياني حتي إذا تمزق.
كيف هي الوحدة؟
أن أكون أنا وفقط غير معجونة بشيء؟
كيف استخلص نفسي من الوجود؟
كيف استخلص من أنفاسي اجتهاد النبات؟
ومن خلايا جسدي الحبوب والحيوانات الوديعة؟
كيف أصفّي من دمي العناصر التي من الأرض والبحر والسماء؟
وعقلي من الذاكرة؟
وكيف أشعر بروحي دونك؟
أنا لم ولن أكنْ وحيدة أبدًا يالله
حتي إذا مارست كل تمرينات التأمل والإخلاء،
فأنت ملء كل ملء وفراغ.
***
شكرًا يارب لأني إن ضممت وجهي،
وصرخت فأقصي قوتي أن "اتركوني وحدي"
فأنا أقصد العكس تمامًا، وأنت تفهم.
لحظتها بالظبط أريد أن أشعر أي شيء إلا نفسي
لحظتها وكل اللحظات الأخري أنت تضمني
أنت طول الوقت تضمني وتغذيني وتحميني كالرحم
لكني لاأدرك أغلب الوقت
وأشكي الوحدة .. !
التي لم ولن أعرفها أبدًا ..

ولاأي أحد.

السبت، 18 يونيو، 2016

انجاز!




أُدير المفتاح بالباب ..
ينفتح ..
قبل أن أدلف إلي الشقة أخرج هاتفي وأضغط ثلاث ضغطات ..
send .. send .. send
أدخل وأغلق الباب واستند عليه بظهري ..
أغمض عيني وأتنفس كما لم أتنفس من قبل.
***
الرسائل الثلاث كتبتهم في طريق العودة من العمل.
الرسالة الأولي كانت بريد ألكتروني رسمي بالاستقالة،
مرفق مع مكان كل الملفات التي بحوزتي وأخر ماجري فيها.
سوف لأّذهب إلي هذا المكان مرة أخري!
المدهش ليس إني أخذت القرار ونفذته في نص ساعة،
بل كيف اسمريت في هذا المكان لأكثر من عام!
كيف تركت نفسي لكل هذة المهانة والاستهلاك!
ومقابل ماذا؟ حفنة من الجنيهات، وسراب ال"كارير باث" وباقي الألفاظ التافهة المستحدثة؟
حبيبي كان عنده حكمة حين كنت أشكو له حالتي وأنا منطفئة تماما،
قلت له أنا أخسر نفسي "وماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟"(1)
فرد بسخرية .. "لكنك لاتربحين العالم كله ..
أنتِ تحاولين عبثًا مقايضة وظيفة متواضعة بعقد مؤقت مقابل نفسك!"
كان علي حق .. لو إني ربحت العالم كله لبدا هذا منطقيًا! لكني لم أربح شيء!
الرسالة الأولي كانت الاستقالة وسوف لاأرد علي أي "ميلات" أو اتصالات ..
سوف لايصلون إلي مرة أخري أبدًا، وليس في حيلتهم مايفعلون.
العقد المؤقت بلاشرط جزائي.
كنت مسحوبة الرقبة بحبل وهمي.
وهاقد نزعته.
***
الرسالة الثانية كانت له ..
حبيبي ..
"سوف لااستمر في علاقتنا.
أرجو ألايبدْ هذا صادمًا لك، لكنه حقيقي جدًا علي أي حال
لاتحاول الاتصال بي.
هذا قرار نهائي وليس محاولة استعطاف.
شكرًا علي الوقت والمشاعر وكل شيء انفقناه سويًا.
أكرر .. لاتحاول التواصل معي بأي شكل مباشر أو غير مباشر مرة أخري.
هذه الرسالة أخر شيء يربط اسمينا معًا.
دمت بخير."
هكذا .. بلامقدمات .. بلاخناقات .. و"بلا ولا شي .."
علاقتنا قياسية، وهو "عريس لُقطة" .. تمامًا كوظيفتي ..
لكنه علي نفس الدرجة من الاحباط أيضًا.
هو يدرك أنه "عريس لُقطة" لذلك لم يحاول أن يكون أبدًا "حبيب جيد" ..
بحق كل المكالمات التي لم يرد عليها ..
الأفلام التي يختارها وحده كي ندخلها دون أي يعرف رأي ..
الهدايا التي لايشتريها ..
والهدايا التي يقبلها دون أن يتذكر أن يقول لي رأيه فيها بعد يفتحها وهو وحده.
السخرية من كل مايخصني .. ملابسي .. شعري المجعد .. وألوان طلاء أظافري.
ولايعرف أن هذه الأشياء تبهجني أكثر منه، بل تعوض التحطيم الذي يفعله فيّ!
 بحقهم كلهم أبتداء من اليوم أنت غير موجود في حياتي ..
وشكرًا لأنك بغيابك تشعرني كم ستكون حياتي جميلة من بعدك.
***
الرسالة الثالثة لصديقتي الوحيدة
أخبرها كم هي رائعة وجميلة ومهمة بالنسبة لي.
أخبرها أني تركت الشغل وانفصلت عن حبيبي وأني بخير جدًا .. جدًا!
أكثر من أي وقت عرفتني فيه طوال العامين الماضيين.
أخبرها أنه لولا وجودها لصدقت إني سيئة،
وغير قابلة أو مستحقة لأي نوع من المحبة ..
وإنها لولا الأوقات الطويلة التي استمعت فيها إلي -حتي ولو بنصف أو ربع تركيز-،
لربما كنت الآن جثة غارقة في النيل، أو متحللة بأثر سُمّ في دمها الناشف.
أخبرها أنها مهمة عندي جدًا .. وإني أحبها.
لليس فقط لأني احتاجها ..
بل لأني رأيت روحها وقلبها وأحببتهم من روحي وقلبي.
أطلب منها ألاتحاول أن تصل إلي خلال هذا الأسبوع.
ولاتحاول أن تكلم حبيبي -سابقًا- لتعرف منه أي شيء -لأنه لايعرف-
ولالتحاول إعادة التوفيق بيننا.
فقط أسألها أن تدعو لأجلي لأن الله يسمع ويجيب للمحبة.
***
أفرغت أكياسي في الحمام ..
صابون برائحة الفانليا لصنع فقاعات في "البانيو" الممتلئ بالماء الدافيء،
وزيوت عطرية،
وبخور،
وزجاجاتان من العطور الفاخرة.
أجلب الغلاية من المطبخ مع "ماج" كبير
أضعها علي طرف "البانيو" مع أكياس المشروبات الساخنة سريعة الذوبان
والأعشاب التي تساعد علي الاسترخاء وتطرد السموم من الجسم
بعض المواد الطبيعية الأخري ساستخدمها كــ"مسكات" لوجهي وجسدي،
وسأكلها وأشربها أيضًا!
كبرطمان العسل الأبيض هذا، والبُن الفاتح ..
كم كلفني كل هذا ؟؟
بعض مئات.
من إين جئت بهم؟؟
ثمن قسط السيارة الشهري.
وكيف سأدفع القسط؟!
سوف لاأدفعه .. سأبيع السيارة.
ناضلت عام كامل في تقشف رهيب لكي أوفر ثمن مقدمها،
والآن كنت أستعبد نفسي عام أخر لأدفع أقساطها ..
فلتذهب هي وأقساطها للجحيم .. وتعطني مقابل ذهابها النقود اللازمة لأحيا.
إيجار الشقة؟
لاأعرف .. لأُجل التفكير أسبوع ..
ربما أذاب بخار الحمام مع الزيوت والعطور الدهون التي علي قلبي مع جسدي،
فألين وأصالح أمي الأرملة حادة الطباع،
وأعود لأسكن معها في "بيتنا" الذي أوحشني جدًا!
سأقضي هذا الأسبوع عارية ..
عارية من كل شيء ..
فقط أحاول أن استعيد الشعور بنفسي ..
بجسدي ..
باحساسي ..
بحواسي ..
لأني ولأول مرة منذ أعوام،
أشعر بالكنز الغامض الذي كنت أجري وراءه لاهثة حتي انقطعت أنفاسي بلاجدوي يفج في كياني ..
أشعر بالانجاز.