السبت، 4 نوفمبر، 2017

الوسادة الملونة




عزيزي وليد،

تحية طيبة وبعد ..

أرجو أن يجدك هذا البريد الألكتروني وأنت في خير حال
أكتب لك من دبي من داخل مكتبي الجديد في ساعة الراحة، فهنا ليس مسموحًا لنا أن نستخدم الأنتر نت في أمر لايخص العمل وقت ساعات العمل. هل مازلت تفتح الفيس بوك طول الوقت في المكتب، وتجعل قائمة أغانيك الشعبية الخلفية الموسيقية للمكان كله؟
أفتقدك بشدة، وأفتقد كل الزملاء و ... كل شيء.

أعرف أنك متشوق لأخباري، وأنك -وكل الشباب بالشركة- تحسدونني علي وظيفتي الجديدة التي تراهننا إني سوف لاأدركها. أنا أيضًا أحسدكم! .. بكل أمانة أفعل. لو عاد بي الزمن سأترك "شركة تحت السلم" كما تعودنا أن نسميها وسأسافر .. لكن لو عاد بي الزمن لن أتذمر وأشتكي أبدًا من شركتنا الحبيبة ولا من طبيعة عملي .. ولامن مدام هناء.
أعرف أنك لاتصدقني، خاصة فيما يخص مدام هناء .. لكن هذه هي الحقيقة التي أشعر بمرارة كبيرة لتأخر أدراكي لها بعد فوات الأوان.

أُقسم بالله إني في أول مرة أعود لمصر، سأذهب لمدام هناء واُقبل يدها!. هل ستصدقني إني كلما راودتني مشاعر حنين لحياتي في مصر، تتجسد "مصر" و "حياتي" في صورة مدام هناء؟! .. هذه السيدة مسئولة خدمة تعذيب العملاء بالبنك التي طالما استفزتنا .. وعطلتنا .. وأوقفت المراكب السايرة .. وزفرت في وجوهنا بقرف .. والتي طالما سخرنا منها، هي مصر التي هربت منها.

وهذه السيدة ذات التكوين الجسدي الذي لأمي وأمك وأغلب أمهات مصر .. والطابع الحميمي الذي لجدتك التي تعلق علي لونك المخطوف، ووزنك الناقص، وشغبك الذي جعلك تخطيء الأوراق المطلوبة، وضيق الخلق الذي لزوجتك، والشكوي بصوت عال كالذي لجارة عند كل منا .. والوسادة الملونة .. هي مصر التي أحن لها !

هل تصدق أني أفتقد وسادتها التي كانت طول الوقت ملاحظتي الضاحكة عليها؟! .. تلك الوسادة المطرزة بالخيوط والترتر الملون، والتي لاتليق بأي حال بجو البنك الصارم الرمادي. الوسادة التي تضعها خلف ظهرها بسبب ألام أسفل العامود الفقري، التي تعاني منها عمتي أيضًا. الوسادة التي كانت تمنحني بهجة غير مبررة. كل أيامي الشتوية الباهتة كانت تلونها وسادتها، وكذلك أيامي الصيفية المتربة.

هنا لاوسائد ملونة، ولا مدام هناء .. الكل هنا يمشي بانضباط وجدية مرعبتين! لاموظف بوسادة في أي مكان .. ولا أحد يعلق علي وزني الذي نقص كثيرًا لأنه لا أحد يأكل معي، وأستصعب الطبخ لنفسي فقط. إذا أخطأت يُخصم لي فورًا، ولامدام هناء لترفع صوتها وتحسبن علي الشركات التي تأتي بأطفال ليعملوا في الحسابات فأُحرج واضحك واطلب منها الصبر حتي أتعلم، فتضحك في النهاية وتضربني علي كتفي. لا أحد يتلامس معي بأي شكل هنا! .. ولامؤنب ولاموبخ ولاحتي ناظر بلوم في عيني .. لا أحد ينظر في عيني حتي عندما أذهب لشراء طعام أو قهوة.

وليد .. أبلغ مدام هناء عميق اعتذاري، ولهيب أشواقي .. قل لها أني أفكر فيها كل يوم، وأني افتقدها بشدة، وأطلب منها أن تدعو لي.

وأنت .. أذهب إلي البنك بلازفير أو أدعية بأن "يتوب عليك الله" من هذه الزيارات، لأن مرارة افتقاد ماكنت تتذمر عليه والآن لاتدركه لايمكن وصفها!. لو سالتك مدام هناء إن كنت أريد منها شيئًا غير الدعاء فلاتردد أن تطلب منها وسادة ملونة وسأخبرك برقم أحد الزملاء القادمين في أجازة قريبًا لترسلها معه.

وليد .. أعرف أنك تنتظر فرصة مماثلة لتسافر، أعرف أنك تعاني في العمل، وفي توفير نفقات أسرتك، وفي المواصلات وفي كل شيء .. ، لكن أرجوك أرجوك .. وسط كل معاناتك .. أبحث عن الوسائد الملونة وامتن لها، قبل أن تفقدها وتعيش في جزيرة من ريش النعام .. بلاألوان.

أخوك
شريفيضأبببأ


الاثنين، 9 أكتوبر، 2017

موسيقي الجاز التي أكرهها






     لم يكن طبيعيًا ولا منطقيًا، ومفاجئًا جدًا أن أبدأ بالبكاء .. فالنحيب .. فالصراخ المكتوم! .. أنا نفسي كنت اتعجب مما يحدث! .. فقت السيطرة علي نفسي تمامًا، وأرتعش كل جسدي بشدة، حتي سقط من يدي الطبق الذي كنت أجمع فيه قطع المخبوزات والجبن من علي بوفيه الإفطار المفتوح .. وأنكسر. الذعر كان في عيون كل المتسمرين حولي، وأنا في ذعر أكبر .. مالذي يحدث في ولي .. فليوقف أحدكم موسيقي الجاز تلك فورًا ... أنا أنهار!


***


     قبل زواجي كنت فتاة مدللة ومثالية .. ذلك النوع الذي يظهر علي أغلفة المجلات، وفي أعلانات الملابس الرياضية .. استقظ مبكرًا .. اتناول فطورًا خفيفًا صحيًا، أرتدي ملابس مريحة واخرج للتريض لساعة علي الأقل. لمّا كنت طالبة كنت أذهب بعدها للجامعة، أو أذهب لأحد الكافيهات الفندقية لاحتسي قهوتي الصباحية وأذاكر، وبعدما تخرجت وألتحقت بعمل حافظت علي روتيني يوم الأجازة، وكنت أجلس لأقرأ.
     هناك رآني لأول مرة، ولمّا قابلت محاولة التعارف بانسحاب متحفظ، ثار فضوله أن يعرفني أكثر، كل العاملون في المكان أصدقائي، فلم يعسر عليه معرفة أشياء كثيرة عني. تعجبت أنه طلب الارتباط بسرعة دون أن يكون بيننا سابق معرفة! طلبت مني والدتي أن أعطي له ولنفسي فرصة للتقارب، فوافقت علي مضض .. كنا نتقابل في نفس الكافيه. أخبرني أنه كان لديه مقابلة عمل في مبني مقابل ولما تأخر دوره خشي أن يجلس بهندامه الرسمي في قهوة بلدي، فاختار هذا الكافيه مضحيًا بثمن باهظ لفنجان قهوة وزجاجة مياه. تم قبوله في الوظيفة وشعر إني "وشي حلو عليه" وبانجذاب نحوي .. أنا أيضًا شعرت بشاعرية في قصة تقاطعنا في الحياة .. معاناته ومستواه الاجتماعي المنخفض كانا يمثلان تحديًا خاصًا لي .. كأميرة تضحي لتجعل حياة حبيبها جنة وافقت أن ألتبس الدور .. وجعلته حبيبي. كنا كأبطال فلمًا ملحميًا. موسيقي الجاز رافقت أول مشهد في قصتنا، وكل المشاهد اللاحقة في خلفية قصتنا.


***


    أدركت في فترة خطبتنا بخله الشديد، لكني أوعزت ذلك لحرصه وادّخاره لتجهيز شقتنا، وتأمين مستقبلنا. كان يقول لي إني فتاة مدللة جدًا -وكنت كذلك- وأن كوب الشاي الذي يكلف فعليًا نصف جنيه لايجب أن نحتسيه بأربعون ضعف لثمنه لمجرد أن نجلس في مكان مكيف يُشغل موسيقي الجاز. كان منطقيًا ومقنعًا .. ولكني كنت أحب الجلوس في الفنادق في الكافيهات من آن لأخر، خاصة في جلساتنا الرومانسية ومناسباتنا الخاصة. كنت أقول له أنها الفرصة الوحيدة لنتحدث ونحن ننظر لبعض -وهو مالايحدث ونحن نسير ونسير متشابكي الأيدي في الزحام- وفي مكان هادئ. كنت أعرض أن أدفع أغلب الوقت حتي لايمتعض، ومع ذلك كانت أغلب جلساتنا علي مناضد  المطاعم والفنادق والكافيهات مشاجرات نحاول فيها أن نبدو هادئين .. أن نظهر كعاشقين، يمسك يدي بأفتعال وتشنج .. ويطلب أشياء لانحبها لأنها الأرخص سعرًا .. نتناولها علي خلفية موسيقي الجاز. في تلك الفترة تسألت لأول مرة: لماذا موسيقي الجاز -خاصتًا التي يظهر فيها صوت الساكسفون- هي النشيد الرسمي والدائم لكل الأماكن السياحية الراقية؟؟ هل من أغنية عاطفية لتذيب الثلوج أو لأتأمل فيها فأشعر بشيء؟ أي شيء ..



***


     لسنة كاملة لم أتناول ولاشربة مياه خارج منزلنا! .. أدركت بشكل رسمي وعملي وقاطع أنه بخيل جدًا جدًا، حتي أنه يأخد معه برطمانات من الشاي والسكر والبن يوميًا وهو ذاهب إلي عمله، لكي يصنع منهم عامل الشركة مشروباته ولا يأخذ منه حساب للمشروبات أخر الشهر كباقي الموظفين، يذهب ويعود بهم يوميًا لأنه يشك في ذمة العامل الذي يكرهه! .. حاولت أفهامه أنه يجب أن يعطيه حتي ولو بقشيشًا صغيرًا تقديرًا لمجهوده في عمل المشروبات .. فرفض لأن الشركة تدفع له مرتبًا لذلك! .. أدركت أنه لافائدة من الحوار معه، ليس في هذا الموضوع فقط.

    لما عرفت بحملي كنت أعاني من حالة نفسية سيئة جدًا، أخرج الطبيب زوجي من الغرفة ليناقش سبب بكائي بحرية وأدرك بخبرته أنها ليست دموع فرح. سألني إن كنت أعاني من مشكلة ما .. أو لو أن هذا ليس زوجي! .. فصدمت من تخمينه وقولت له أن كل شيء علي مايرام، فأكد لي أنه ليس كذلك، وطلب مني أن أفعل الأشياء التي أحبها لأن هذا مهم لجسد ونفس صغيري القادم للحياة، وأنه يتأثر بشدة بكل كمياء جسمي إن كنت فرحة أو حزينة.

     كسرت كرامتي وذهبت لأبي أطلب مال! .. قولت له إني سأفعل هذا شهريًا لأسباب خاصة، ورغم الحزن والقلق الذي سوّد وجهه، إلا أنه بكل رُقيّه وأدبه المعهود لم يسألني عن السبب وطلب مني الاهتمام بنفسي وأن أطلب أي شيء في أي وقت بلا تردد.
    كنت أخذ جنيني لفندق جميل علي النيل، أطعمه الكرواسون بالجبن الذي أحبه، والذي أحَبَه من حركته المزامنة لألتهامي له. أحب موسيقي الجاز ورقص عليها وهو جنين. قولت له إني كنت أحبها أيضًا .. ماما ذاكرت وقرأت وأحبت علي هذه النوت الموسيقية ياحبيبي .. صوت السكسفون هذا كان أبي الروحي .. كان. ليكن لك حظًا أفضل معها، لاأُحبز أن أورثك انطباعاتي.


***


    عامين آخرين كنت فيهم بطلة .. بطلة لاستمر في الحياة ولاأقتل نفسي. لم لأفعل لأن طقلًا بهذا الجمال والذكاء والحنان لايستحق أن يعيش يتيمًا. لم يفهم أبي رغبتي في الطلاق، وقاطعتني أمي. أبي كان ظهري الوحيد في مواجهة المجتمع والناس وزوجي الذي اختار أن يذلني، لأني أخترت أن أعيش خارج مقبرته. الأجراءات لم تنجح في أن تتم بشكل ودي فلجأنا للقضاء. أخترت فندق قريب ليكون المكان الذي يحصل فيه والد أبني علي "حق الرؤية". وافق، وكان يأتي لينظر لي بتشفي ويقول للولد أني أضيّع عليه فرص للذهاب والملاهي والحصول علي كثير من الحلوي .. وأني لن استطع أن أوفر له كل مايريد لأني فقيرة بينما هو غني. يترك أبني ممزق من البكاء ويصرخ في وجههي أنه يكرهني ويحب أبيه .. ويمشي بدون أن يدفع حساب ماشربه وأكله مع أبنه. كل هذا كان يحدث علي خلفية موسيقي الجاز.


***


     بعد وفاة أبي أنكسر ظهري كان يجب أن أعمل لأصرف علي ابني لأن أبوه لم ولن يفعل، ومعاشنا قليل. حصلت علي وظيفة جيدة جدًا بسبب تعليمي ومظهري وطبقتي الاجتماعية. اليوم كله في الشركة يشغلون موسيقي الجاز في كل السماعات! .. كان هذا الجحيم بعينه! هل أترك وظيفة جيدة وفي مكان قريب من سكني وبمرتب كبير بسبب موسيقي الجاز! هل ستفهم أمي قدر معاناتي أو أي أحد؟؟ هي يحتمل إنسان أن يُتلي علي مسامعه تاريخ معاناته وقصة آلامه كل يوم وطول الوقت .. وأن يبتسم ويعمل باسترخاء ودأب علي خلفية هذه التلاوة؟

    لهذا السبب كان مزاجي متعكرًا طول الوقت، وانعكس هذا علي أدائي وعلاقاتي مع الزملاء .. حاجز من خيبة السنين يأبي أن يذوب بسبب موسيقي الجاز التي تجمع كل مواقفنا.

     يخبرني مديري أن أدائي غير مُرضي .. وأنه سيرسلني تدريبًا سيساعد في رفع كفائتي، ويمكن اعتباره كأجازة "تغيير جو" وارتداء ماأحب علي شاطئ جميل غير اللون الأسود الذي لم أبدله بعد وفاة أبي.

     تنفست الصعداء وامتننت للحياة التي تحاول أن تراضيني .. أسبوع بدون أبني وعلي شاطئ يمكن أن أغسل فيه كل ماضيّ، ومع اُناس لاسابق معرفة بيننا حيث يمكنني أن أكتشف من أكون غير تلك السيدة المنفصلة، والأم الكئيبة، والأبنة اليتيمة. ربما استعدت تلك الفتاة الظريفة التي كانت تحب الحياة والروايات وتعيش حياة مثالية.



***


     هل كل هذا لايكفي أن يقنع أمن الفندق؟ طبيب الفندق؟ مدير الشركة كي لايفصلني؟ كل النزلاء -مصريين وأجانب- علي مائدة إفطار الفندق ذو النجوم الخمس في تلك القرية السياحية الراقية؟. لايكفي بأن يقنعهم أن موسيقي الجاز التي تهدرها سماعات غير مرئية كفيلة بسحقي تمامًا لأني لم أعد احتمل ولو نغمة واحدة؟ وأن صوت الساكسفون لم يعد أبًا روحيًا، بل شيطان شامت يصرخ بفشل عمري وحبي وبيتي فيعذب اعصابي كتيار كهربي حارق يسري في جسدي؟ هي يمكن بأن يساعدوني بأن يخرسوها للأبد؟ أم اني سأضغط وأضغط وأضغط علي أذني لأمنع ثعبان الجاز من خنقي فأموت بعصر رأسي؟



السبت، 17 يونيو، 2017

شكوك في نوايا جسدي




أشعر أن جسدي يضمر لي خيانة!
قرارته الأخيرة تجعلني أشك في أنه مخلص لي تمامًا!
أقف كثيرًا لأفكر .. هل جسدي يعمل لصالحي؟؟

***

في قلب أجواء احتفالية،
وفي منتهي الانهماك،
يتحجج بالارهاق فيموت!
يجعلني اسقط كجماد ..
ويأخذ روحي كطفلة موبَخة، ويحبسها في عالم مظلم،
فإذا اضطربت أو أرادت العودة يذيع لها بعض الهلاوس!
أهكذا تحل مشاكلك؟ بالهروب المفاجيء!

***

أنتظر موعدًا بشوق وترقب طوال أسبوع
فأستيقظ صباحه بألم في الحلق والأذنين ودوار!
أهكذا تدعمني!
لااستطيع النهوض من الفراش فأعو إليه وألغي المعاد.
أتخيل ماقد يفعله معي جسدي في مواقف أكبر!

***

قد أفوز بجائزة فأشتري فستانًا أنيقًا
والكثير من مساحيق التجميل
أنهض مبكرًا في ذلك اليوم وأتحضّر علي مهل
فتتعثر قدمي وتلتوي في أولي خطواتي بالحذاء العال،
ولا استطيع السير!

***

قد أسافر لرحلة طالما حلمت بها ..
أسنقل سيارة
تنعطف ..
ثم نصل أخيرًا ويتفح الباب،
فأتقيأ!
ولا تتوقف معدتي عن الانقباضات،
حتي بعدما تقذف كل أحماضها
غضب معدتي بركان أعمي.

***

جسدي ..
أنا لااُسقط حقك
أدللك كثيرًا
وأغدق عليك بما فيه خيرك،
لكن لاتجلعني أشك فيك
وليس عندي مكانًا أخر لارتاح فيه.
لاتجعلني لاأراك إلا طفلًا أنانيًا،
إذا لم نلتفت لرغباته حالًا أفسد كل شيء
لحساب من تعمل؟
وبأي حق تُسيّر حياتي وتعيد تشكل برنامج أيامي؟
لاأملك تهديدًا محددًا أردعك به
لكنّ نهايتك معروفة،
وفيها نهاية لانهائيتي،
فثق بي وأجلعني أثق بك،

لأن الرحلة لاتحتمل ضعفًا وطفولة.

الأحد، 23 أبريل، 2017

فضفضة أخوية


     لو كان أخبرني أحدهم يومًا أني سأصبح متدينًا لشتمته بأمه، كما أفعل دائمًا للتوبيخ أو الملاطفة. والآن لم أصبح متدينًا بالمعني الشائع للكلمة - مازلت لاأؤمن بأي دين بالمناسبة – لكن مايدفعني للفضفضة إليك رغم أنك غريب ومجرد "زبون" سأوصله وجهته وينتهي كل مابيننا هو تلك الأجراءات المشددة التي فرضوها علي الكنائس مؤخرًا .. تذكرت لعبورنا أمام واحدة.

     أبي وأمي كانا متدينان .. جدًا. لكن رغم أنتماءهما لنفس الدين، ورغم أولوية الدين وممارساته في حياتهما كانا عدوان! .. أبي كان يضرب أمي، وأمي كانت تكره أبي، لسطوته عليها وخضوعها له باسم الطاعة. كانت لي شلة اصدقاء لهم معايير للرجولة لاتتفق مع معايير أبي. كلنا كنا علي غير وفاق في بيتنا .. حتي أختي. النموذج الكلاسيكي للأسرة غير المتحابة في الأفلام والمسلسلات العربية الذي ينتج شابًا منحرفًا. لكني لم أنحرف، فقط لم أرد ان أكمل تعليمي .. اقترضت واشتريت سيارة لأعمل عليها واستقللت عن منزل أبي. القيادة مهنة لابأس بها، لكن الوسط يفرض عليك سلوكيات معينة وإلا ستأكلك الحيتان إذا استضعفتك. سبب أخر جعلني أستقل، وهو أني كنت أريد الزواج جدًا، وبدون تدخل أبواي. كانت لدي احياجات جسدية وعاطفية .. جزء في داخلي كان يئن بشدة. وددت لو تزوجت فتاة أعتذر فيها لأمي عن عنف أبي، وتعتذر نيابة عن أمي لجزء مني -في أولاي- عن قساوة كبيرة أوجعت كل كياني. كنت أُذكّر نفسي كل يوم أن أخبر زوجتي أن تحتضن أولادنا بشدة حتي لو كانوا ذكورًا، بينما سأخجل أن أطلب منها المثل، سأنتظر بشوق أن تفعله من تلقاء نفسها فانتهرها، ثم أتمني أن تكرر فعلتها مجددًا.
     لمّا تزوجت من أخت صديق فوجئت بنفسي وأنا أكرر مافعله أبي مع أمي، ومعي وأنا وأختي! كنت مذهولًا من تصرفاتي كأني دمية تحركها أصابع خفية وتسخر منها! .. زوجتي لم تكن كأمي، اشتكت لأخيها فجمع اصحابه وضربوني، أخذوا منقولاتها .. ووقّعت تحت التهديد علي إيصالات أمانة تم المساومة بهم علي الطلاق.
     عندما أصبح أبني بعيد عني، وصرت أراه مرة كل أسبوع -بعد مفاوضات كثيرة- لمدة ساعة أو نصف يوم علي الأكثر- صرت أكثر وعيًا بتصرفاتي معه. ورغم طول المسافات بين لقاءاتنا، ورغم محاولات أمه وعائلتها لزرع الكراهية في قلبه الصغير تجاهي، إلا أنه أحبني بشدة وأنا عشقته.
     كان ينظرني كل يوم جمعة في الشرفة .. ينظر من بين فتحات السور .. حتي من قبل أن يتعلم المشي .. كان يعرف بروحه النقية إني في الطريق إليه كالكلاب التي تشعر باصحابها بحاسة خاصة، وكنت أحضر له الحلوي والألعاب. لم استطع أن أكون أبّ، لم أعرف كيف افعلها لمدة نصف يوم في الأسبوع! لكني كنت رجلًا يحب كيان صغير ضغيف -يشبهه تمامًا- يشفق عليه بشدة، ويحاول علي قدر معرفته أن يسعده.
     حركة كانت تذيب قلبي طوال الوقت  .. أن أصل أمام أبني فيرفع يديه لأحمله، هل جربت أن يحبك طفل -من أي سن- ويرفع يديه إليك لتحمله؟ لو جربت ستفهم تمامًا مااعنيه. النظرة المتوسلة المبتسمة الحنون المتدللة الواثقة، الخصر المائل ناحيتك بقوة جذب لاتستطيع معها إلا أن ترفعه وتضمه بشدة كأنك تود أن تُسكنه داخلك، رفعة اليد والفراغ الصغير الذي يفسحونه لكفيك تحت أذرعهم الضئيلة .. صدورهم الدافئة التي يرتاح عليها كفك الكبير فتستقر أصابعك علي الفراغات بين الضلوع كأن الضلوع خلقت بفراغات لتتشابك بانسجام مع اصابع الكبار وتنقل لها دقّ الحب الخالص المتحمس. جرب أن تحاول حمل طفل لايحبك ولايرتاح إليك، ستجده يضم ذراعيه إلي صدره ويدفعك .. الأطفال لايقدمون حب مبتذل، بينما الكبار كلهم "بائعي هوي". لايمكنك أمام رفعة ذراعين لطفل إلا أن تحمله وتشعر بنبع حب دافيء ينفجر في صدرك .. مهما كنت قاسيًا.
     لعلك تسأل ماعلاقة كل هذا بالكنيسة؟ .. في يوم توفي والد زميل لنا علي القهوة، كنت في سفَر مع زبون للأسكندرية فلم احضر جنازته، لذا قررت أن لاأفوّت الأربعين حتي لا "يأكل وشي" إذا تقابلنا علي القهوة في القريب. دخلت في نهاية معاد الصلاة الذي اخبرني به الاصدقاء .. انتظرت أخر صف .. وجدتهم يكررون الصلاة التي تظهر دائمًا في الأفلام العربية والأجنبية يكررها المسيحيون جماعة .. "أبانا الذي في السموات .." لم تكن أول مرة اسمعها. مازلزل كياني هو رفعة أيديهم في الصلاة مع كلمة "أبانا" رجال ونساء، بالغون ومسنون وأطفال .. بنفس الطريقة التي يرفع بيها أبني ذراعيه كلما رآني!! .. لايبدو هذا طقسًا عالميًا للصلاة .. حسبتهم يفردون كفوفهم يضعونها بوضع راسي متلاصقة تحت ذقونهم ويغمضون عيونهم.

     كان عدد الحضور يوم الجمعة هذا في الكنيسة كبير جدًا .. رفعة أيديهم ونظرتهم للسماء باعين مفتوحة بنظرة تشبه نظرة أبني جعلتني أتخيل يدان عملاقتان ستشق القبة الكبيرة وترفعهم .. لاأحد -حتي لو كان إله قاسي لايكترث لخليقته- يمكن أن يتجاهل تلك النظرات .. تلك الأذرع المرفوعة .. والصدور المبسوطة التي تأتمن من ترفع له يدها علي قلوبها. قوة الحشد وقوة المشاعر صعقتني .. تسمرت مكاني ثم انخرطت في البكاء. لم استطع أن اعزي صديقي ومشيت. كان ذلك اليوم أروع يوم قضيته مع أبني في حياتي .. ولم استطع أن أجيب علي سؤاله "بابا أنت عيط ليه؟".

     في مساء ذلك اليوم ذهبت لبيت صديقي بحجة أداء واجب العزاء المنسي .. طلبت الاختلاء به، سالته عن سر تلك الصلاة، وعن رفعة الأيدي تلك، والعيون الشاخصة ماذا تري ولمن تنظر؟ أسئلة كثيرة تلاحقت في ذهني، لكنه لم يجب علي أي منها. أندهش في أول الأمر وحاول أن يتأكد إني لااسخر منه ولاأسيء لمقدساته، ثم سخر هو مني ومن المصليين، قال أنه "شغل دروشة" وأن أبيه وأمه كانا يفعلان هكذا بحكم العادة- لأنها لم يقنعاه بسبب - أما هو فيحب أن يصلي مطرق الراس مغمض العينين لأنه "خاطي" وهذا الوضع مدحه السيد المسيح ويغفر خطايا من يصلون به.

     بحثت في الأنترنت عن هذه الصلاة وحفطتها. لست مؤمنا بكلامها، لكن لكي أرددها مع الجمع .. كل جمعة أدخل أي كنيسة في موعد انتهاء القداس، لاأكترث بالصلوات أو أي شيء .. أنتظر أن يعطي الكاهن الواقف بظهره أمام الناس الأمر ببدء الصلاة التي تبدا بــ"أبانا الذي في السموات" فأرفع يديّ بأقصي امتداد .. أبدو غريبًا باصابعي المتباعدة والكل يضم أصابعه، لكن أبني يفعلها هكذا، وانا أراها تلقائية أكثر، أردد الصلاة ودموعي تنهمر ثم اغادر لأذهب لأبني. هل ستصدقني أني كثيرًا ماشعرت بزراعيتن عملاقتين تحملاني وتضماني؟ حتي لأني أحيانًا أبكي بنحيب من ولع الحب الذي يغمرني، فاُحرج ولاأعود لتلك الكنيسة مرة أخري، بل أبحث عن غيرها. ماأخشاه إني لثلاثة أسابيع لم أستطع أن أدخل أي كنيسة لأنهم صاروا يطالبون إظهار البطاقة، وقد يرتابوا في أمري إذا وجدوا إني لست مسيحيًا ومسجل في قضايا طلاق ونفقة. لاأريد أن أُحرم من تلك الحالة .. فهل عندك حل؟

السبت، 18 مارس، 2017

اصحاح الاكتئاب


"أما أنت فمتي أكتأبت ..فأدخل خلف ابتسامتك ..وأغلق فمك ..وأصرخ بكل قوة الصمت في داخلك لأبيك الذي في السموات،ولكن صدي صرختك سيتردد في الخواء بداخلك."


***


اليوم شكوتك إلي طبيبتي النفسية ياالله،
قولت لها أنك تركتني.
وأنك اسلمتني لمليمترات مكعبة من المواد الكميائية المُفرزة من مخي لتلهو بي.
قالت لي أنك أهديتني البصيرة لأعرف إني مريضة واحتاج المساعدة!
وأنك ستحاسبني إذا لم أخضع للعلاج!
أهذه هديتك؟ وماذا عن هداياك التي اعتدتها منك ومنعتها عني؟
هل لي أن احاسبك عليها؟
أين سلامك في نومي؟
أين جمالك في الطبيعة؟
أين فرحك في كل أشيائي البسيطة؟
أين احساسي بمحبتك في كل مَنْ حولي؟
لماذا ابقيت لي صورة الأشياء وسحبت منها روحك؟
لو كنت سحبتها كلها لكنت أستطيع أن أبكي وأنوح ويفهم الجميع فداحة خسارتي
أما الخواء والمرارة التي حلّت ، من غيرنا يدركها؟
اِعتَرِف لطبيبتي أو أي أحد بما فعلته يالله لأنه "لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا"


***


كنت اسمع مراثي أرميا النبي فلاافهمها!
كيف يصرخ -أي أحد وليس نبي الله!- لك يالله النهار كله ولاتستجيب!
كيف تُثقّل سلسته بدل من أن تحلها؟؟
كيف تمرره وكلامك حلو واسمك دهن مهراق؟؟
ولكني الآن فهمت تمامًا ..
لقد كنت "مُكتئب" ياأرميا والله بعيد ..
لقد كنت وحدك.


***


"أما أنت فمتي صُمتَ عن الحياة ..فأدهن رأسك واغسل وجهك ..اغسله جيدًا .. اغسله كثيرًا ..فالدموع والوجوم سيطفران بلاتوقف.ولايجب أن تزعج باقي المخلوقات."


***


تقول يارب أنك تجمع الدموع في زق عندك ..
وماذا عن البحار التي تأبي أن تسقط شلالات من العيون الجامدة؟
يقولون أنك تُقدّر الجهاد، والتعب عندك ليس بلامنفعة،
وماذا عن العجز الكامل الذي يقتل الحياة وأي رغبة فيها، ويشلّ الاعضاء تمامًا؟
كيف تحسب الاكتئاب عندك؟ أو أنك لاتحسبه؟
وكيف احسبه من عمري وهو ينهشه؟
كيف اُنهض نفسي وأنا عاجزة؟
وكيف اطلب مساعدة والأبواب مُغلّقة؟
وكيف ستساعدني وأنت بعيد؟


***


اليوم شكوتك يالله لمن كنت أشكرك عليه دومًا
شكوتك لمن اصبح فيّ وحواليّ عبئًا،
شكوتك للوجود.


***


"وإذا بفيضان اكتئاب يعبر، ولاتبدو له نهاية ..ولم يكن الرب في الاكتئاب."









السبت، 18 فبراير، 2017

إلهي وإله ديزني لاند

إله الحب ..
والقصص السعيدة،
والتفاصيل المدهشة،
والجمال.
هو إلهي -المحبة- وليس إله ديزني لاند.
***
إلهي ليس عنده نهاية واحدة ثابتة لكل الحكايات
نهاية مبتورة! لانعرف بعدها كيف استمرت الحياة
كأن مشهد الزفاف الأخير كفيل بأن يورثنا كلنا
-أبطال الحكاية ومتابعيها- السعادة الأبدية بلاشك!
***
إله ديزني لاند يظهر في مشهد أو مشهدين
لحظة اللقاء ..
ولحظة النهاية السعيدة.
بينما في النصف يختفي ويترك الأميرة للمعاناة.
معاناة سندريلا وسنو وايت مع زوجتيّ أبيهما،
ومعاناة عروس البحر مع بيئتها التي تتوق لتغييرها،
معاناة الجميلة مع الوحش،
وغيرها من المآسي
بينما إلهي كائن في قلب المعاناة لحيلها نعيمًا!
إلهي يساعد سنو وايت في تنظيف الأرضية ويرسل لها العصافير لتغني معها
إلهي يعرف أن يآلف بالحب الأخوة غير الأشقاء،
إلهي لايلتفت فقط للفتيات الجميلات، بينما يترك متوسطي الجمال للشقاء الأبدي.
وليس عنده كل أمرأة كثيفة الحواجب، أو معكوفة الأنف، أو ممتلئة الجسم هي امرأة شريرة!
***
إلهي يسكن كل التفاصيل في القصور والأكواخ،
والليالي الباردة المطيرة لاتصاحبها في صحبته موسيقي مرعبة.
إلهي يحب الأميرة والأمير والساحرة، وفتيات كلهن في عينيه جميلات.
إلهي ليس عنده نهايات كلاسيكية
ليس عنده نهايات من الأساس!
فهو يكتب قصة تمتد للأبدية
ويسرد بحبر الفرح والمحبة كل السطور.

الثلاثاء، 24 يناير، 2017

لأنها تضع عطرًا غاليًا




هل تتوقع أن نعاملها بحفاوة زائدة،
وأن تُستثني من طابور تقديم الطلبات،
وتجلس علي الكرسي الوحيد أمام مكتبي
المتروك لذوي الوسطة ..
فقط! لأنها تضع عطرًا غاليًا؟!


***


عطرها أسعد كل الموظفين في المكتب.
العاطفي منهم ابتسم بنصف فم،
والمتزمت عبس.
ولكن كليهما  استلذت حواسه.
حتي الموظف الأعزب فكر في الزواج
بزوجة حضنها بنفس الرائحة.
لكنّ هذا لم يزدنا إلا تعنتًا ضدها ..
لأننا نرفض أن يكون من أسباب اسثناءنا لأحد ..
عطر!


***

جاء دورها فتجاهلناها ..
وطلبنا من السيدة العجوز برائحة أهل الريف أن تتجاوزها.
نظرنا لبعضنا نظرة انتصار متحدية.
قولنا لها أن الأخري بتدو مريضة،
ولايجب أن تنتظر، مع أنها انتظرت!
حاولنا أن نبدو كرحماء لامتعنتون،
وتركناها تتململ وتتحرك ..
فيفيح عطرها أكثر.


***

لمّا اعتادت أنوفنا عطرها،
ولم يعد يثير نشوتنا ..
أنجزنا لها بضجر طلبها،
وودعناها بنظرات سخرية، وابتسامات تهكم، وزفرات سخط ..

فقط لأنها تضع عطرًا غاليًا.