الأربعاء، 4 يوليو، 2012

فـى غـيـاب الأم


أكتب الآن على مدونتى لأصرخ فى وجه فراغ لايعرفنى أنى أفتقد أمى التى سافرت منذ بضع ساعات ، افتقاد يعوقنى عن فعل أى شىء .. رغم المهام التى تلاحقنى ..
أكتب على مدونتى ولا استطيع عن أفعل على مواقع التواصل الاجتماعى التى أسكب فيها نفسى بشكل مباشر أو فى أغنية أو صورة أو قصة ، لأنها مسرح لأناس يعرفوننى ويعرفونها ويعرفون ملبسات سفرها هذة المرة ، مما قد يجرحهم أو يحملهم بالذنب لأن السبب عائلى ، ومما قد يستجلب لى نوع من الشفقة لا أقبله أبدا إذ يجرحنى بشدة من اصحابى و زملائى فى العمل الموكل إلى .. أو قد يصل إليها ما أود أن أفضى به فيحملها هما فوق هم.
لحقت بأبى بعد أن كنت مسمارها الذى يثبتها فى هذة المدينة بسبب عدم أنتهاء مشروع تخرجى ، وبعد أن أصبح لزاماً أن تكون بقرب ذلك الأب الروحى للعائلة فى ظروف مرضه .. تتركنى وهى تحاول طمأنة نفسها وأبى فى التليفون بأن "العيال مش صغيرين علشان أخاف أسيبهم دول بقوا شباب فى الجامعة" وهى تعلم يقينا إننى مازلت احتاجها بنفس درجة حاجتى لها فى طور الجنين.

ذلك الوجود المعنوى الذى لايُشترط أن تتلامس معه بشكل مادى لتحصل على حاجتك منه ، يكفى أن تكون فى مجاله لتكون كل الأمور على مايرام .. يكفى أن أعرف أنها عادت المنزل –من العمل- وأنا فى الجامعة أتشاجر وأجادل وأسُتهلَك لأشعر بحالة من الراحة تؤازرنى ، أصيغ المواقف المستفزة التى تصادفنى فى جُمل حتى اسكبها عليها بمجرد دخولى مباشراً مع السؤال السرمدى عن الطعام.
تلك الفتاة –أقول الفتاة- التى يحسبها الجميع أختى الكبرى -لأننا نشبه بعضنا تماماً حتى نفس اللدغة- التى أدعوها أو تدعونى ليلا للتسكع لشراء أى شىء من منطقتنا التجارية حتى نفرج عن أنفسنا بالشوبيج –ذلك العلاج الذى يخص أغلب النساء ونتطايق فى اسلوبنا فيه- ، والتى بسبب غيابها سيصبح هذا التوقيت الآن –الذى يتقارب منتصف الليل- موعد لظهور الأشباح فى منزلنا –الذى اتسع فجأة بمجرد خروجها منه وارتفعت اسقفه وسكنته برودة غير محببة- وبداية عرضاً غير مسلى لخيالاتى المفزعة ، ومشاعرى الموحشة.

ذلك الغياب الذى يزرع فيّ عينا ثالثة ، وحاسة سادسة وسابعة وعاشرة ، وقلقاً جديداً .. يجعلنى انتفض لأطمن كل بضع دقائق على إنغلاق كل مفاتيح الغاز فى الموقد .. وتوقف كل الأجهزة الكهربائية ..
الذى يجعلنى أقوم بارجاع الطعام الثلاجة بعد الانتهاء من الأكل تلقائياً ، رغم أنى لم أكن أتناسى عمداً قبل ذلك ، ولكنى لم أكن أفعل أبداً رغم مناشدتها مع كل وجبة وبكاءياتها بعد كل نسيان ..
كأن أحد مكونات الهواء الخاملة قد جرى فصله فجأة عن الهواء ! .. لم يكن له لون أو رائحة أو تأثير ملموس ، لذا لا استطيع وصفه أو رسمه أو التعبير عن وجوده أو غيابه .. ولكن كان يحيط بى بشكل كامل .. يملأ كل الفراغات حولى ويخترقنى بلطف مع أنفاسى ليسكننى ... أشعر بغيابه بشكل لن يفهمه أحد مثلى .. لأنه مظبوط بشفرة بنوية غامضة لاتقطه أنا وحدى ...

والآن اتصنع اللامبالاة ، وأخبر الجميع بمرح أنى استطيع ان اتدبر طعامى وغسيل ملابسى وشغل مشروعى وكل شىء بطريقتى الخاصة ... حقاً يبدو كل هذا ليس صعباً تماما إذا ما أديته بطرقى البدائية ... ولكن الصعوبة الحقيقة تكمن فى احساس لن يفهمه أحد لأن صيغة شخصيتى الاستقلالية و طبيعة علاقتنا الــ"توم-جيريّا" لاتدل عليه أبداً ، ولن أدلل عليه أبداً ... لكنّ هذا لاينفى وجوده بقوة ووضوح لم أكن أظن أنهما موجودتين بهذا الشكل فى سعة كائن صغير مثلى على سطح كوكب بهذا التواضع.
http://www.youtube.com/watch?v=xNIk68HDJ2s