الاثنين، 19 ديسمبر، 2016

سبع ثوان كمريم نجيب



تلك المصلحة الحكومية البغيضة مرة أخري! .. بيت الرعب، السجن العطن ذو المكاتب المعدنية، والموظفون ذوي القلوب الحجرية. أكره أن آتي مرة أخري للحصول علي نقشة "سايحة علي بعضها" من محبرة مزودة بالماء. لكن ما باليد حيلة ..

أصل لمكتب النموذج الأزلي لموظفة الحكومة المصرية .. مدام اعتماد .. أقف في طابور طويل ممل، يوازيه طابور أخر أمام مكتب الأستاذ راشد. هذه الحجرة صارت مألوفة لحد خانق! .. أريد أن أتحرر منها للأبد. أتيت بكل الأوراق الناقصة، وجمعت أختام كفيلة بأدخالي موسوعة جينيس لمحترفي السحر الأسود.

أدور بعيني في الحجرة ورواد الطوابير .. أشرد .. أفيق علي تحديق رجل ستيني في وجهي! .. أغضب .. ثم أدرك إني مَنْ حدقت فيه أولًا ولفترة -تبدو- ليست بقصيرة .. أرتبك واشيح بنظري. أشعر بعينه مازالت مثبته علي وجهي، ولكني لاأتفلت. أحافظ علي جمودي حتي أصل لمواجهة مدام اعتماد  "حضرتك أنا جبت كل حاجة .. كل حاجة .. وطلعت شهادة ميلاد إلكترونية .. وعملت فيش من تاني، باقي بس ختم حضرتك وملفي يبقي جاهز أقدم بيه في الشغلانة الجديدة .. علشان خاطر ربنا ماتعطلنيش أكتر من كدة لأن بجد النهاردة أخر فرصة" .. تنظر لي بوجه جامد .. لا ذرة تعاطف ولا حتي ابتسامة عمل .. هنا صحراء جرداء .. هنا في عينيها تحديدًا.

حكت لي صديقة عن موظفة تاثرت وهي تنجز لها أوراقها لما حكت لها صديقتي قصة مُختَلقة عن ظروفها الصعبة، قامت علي أثرها الموظفة من علي مكتبها تاركة جموع المنتظرين لختم وامضاء، ودارت علي مكاتب زملاءها لتنهي أوراق صديقتي بنفسها .. كانت تردد بين دموعها المكتومة والمطلوقة طول الوقت "عندي اللي زيك". لماذا لاأقابل أي شخص "عنده زيّ" أو يحمل أي عاطفة (أمومية/ أبوية/ أخوية) ناحيتي .. ولايكون متحرشًا؟ لماذا لاأقابل موظف منجز بلامشاعر لاتهمني علي الإطلاق!! .. أنا في مصلحة حكومية هدفها خدمة المواطنين، وليس فتح جراح الوحدة والجوع العاطفي ورثاء الذات.

تكتب الورقة الأخيرة "مريم .. نجيب حنين" يصعقني تيار كهربي "لأ لأ لأ !! .. نبيل .. أرجوكي نبيل مش نجيب .. مش عايزة أجي مرة كمان علشان أصلح اسم!" .. أسمع صوت أستاذ راشد في المكتب المجاور يصيح "أتفضل ياأستاذ نجيب محمود .. أدفع في الخزنة وتعال" .. تضحك مدام اعتماد في سادية "يعني أخر كلام أنتِ مش مريم نجيب؟". أستند بزراعي علي مكتبها .. أدور برأسي .. يتوقف "أستاذ نجيب" هو الأخر .. هو الرجل الذي شردت في وجهه .. يبستم ويحدق في عيني مباشرتًا .. بقوة! .. بحب عميق! .. يلمس كياني، أريد بشدة أن أكون مريم نجيب لو كان هذا النجيب أبي! .. لما لا؟ فلتذهب الوظيفة والأوراق الرسمية للجحيم، ولأحصل علي أب بدلًا من الذي لم أره أبدًا! ولا أعرف عنه غير صورة أبيض في أسود بشريطة سوداء في صالة منزلنا واسم ملتصق طول الوقت باسمي .. لأحصل علي هذا الرجل الآن .. ابتسم له، تعال الآن واحضني بقوة .. وأنهر هذا السيدة وتحزب لي كما يفعل الآباء مع بناتهم .. أزجر هذا الشاب اللزج الذي يمسحني بنظراته غير المريحة، وأشتري لي مشروبًا من البوفيه حالما ينتهي استراج أوراقي، لاتدعني أمد يدي في حقيبتي لأبحث عن نقود لأي شيء .. تكفل بي .. قُدّ بي لمنزلنا وأنزلني أمام الباب بالضبط حتي لاأسير بحذائي العالي الذي لاألبسه إلا حينما أخرج معك .. والذي في الحقيقة أقف أمامه احترامًا واشتياقًا في فتارين المحالات ولم أشتره أبدًا .. ستأتي به أنت لي كهدية في عيد ميلادي الخامس والعشرين مع ذلك الفستان المنقوش بورود علي طريقة الثمنينات .. أليس كذلك؟ تعال و .. "ياأنسة! .. يلا ياأنسة ورانا مصالح!".

"آه .. أسفة .. خلاص يامدام أخد الورق؟" .. "آه صلحته خليته نبيل وشلت نجيب خالص أهو علشان ماتزعليش" .. أرفع يدي بسرعة بمنديلي الورقي ليتستقبل دمعة حارة قفزت من جفوني .. أدعك عيني كأنها مطروفة أو ماشبه .. أسحب الملف وأدور ناحية الباب .. أسير خطوتين وألتفت قبل المغادرة .. أنظر إليه فأراه واقفًا في طابور الخزنة ينظر إلي .. الطوابير بيننا تمنع الرؤية المتصلة لكنه ينظر إلي وأنا أشعر بذلك. يجب أن اُفسح طريق الباب .. أغادر .. أخرج من المصلحة للشارع .. أقف علي الرصيف .. حلمت أمس بالهذه اللحظة وتخيلتني أرفع الملف في الهواء وأرقص .. أرفع الملف أمام عيني .. أقرأ اسمي عليه .. وأبكي بشدة -لأول مرة- أبي.