السبت، 4 نوفمبر 2017

الوسادة الملونة




عزيزي وليد،

تحية طيبة وبعد ..

أرجو أن يجدك هذا البريد الألكتروني وأنت في خير حال
أكتب لك من دبي من داخل مكتبي الجديد في ساعة الراحة، فهنا ليس مسموحًا لنا أن نستخدم الأنتر نت في أمر لايخص العمل وقت ساعات العمل. هل مازلت تفتح الفيس بوك طول الوقت في المكتب، وتجعل قائمة أغانيك الشعبية الخلفية الموسيقية للمكان كله؟
أفتقدك بشدة، وأفتقد كل الزملاء و ... كل شيء.

أعرف أنك متشوق لأخباري، وأنك -وكل الشباب بالشركة- تحسدونني علي وظيفتي الجديدة التي تراهننا إني سوف لاأدركها. أنا أيضًا أحسدكم! .. بكل أمانة أفعل. لو عاد بي الزمن سأترك "شركة تحت السلم" كما تعودنا أن نسميها وسأسافر .. لكن لو عاد بي الزمن لن أتذمر وأشتكي أبدًا من شركتنا الحبيبة ولا من طبيعة عملي .. ولامن مدام هناء.
أعرف أنك لاتصدقني، خاصة فيما يخص مدام هناء .. لكن هذه هي الحقيقة التي أشعر بمرارة كبيرة لتأخر أدراكي لها بعد فوات الأوان.

أُقسم بالله إني في أول مرة أعود لمصر، سأذهب لمدام هناء واُقبل يدها!. هل ستصدقني إني كلما راودتني مشاعر حنين لحياتي في مصر، تتجسد "مصر" و "حياتي" في صورة مدام هناء؟! .. هذه السيدة مسئولة خدمة تعذيب العملاء بالبنك التي طالما استفزتنا .. وعطلتنا .. وأوقفت المراكب السايرة .. وزفرت في وجوهنا بقرف .. والتي طالما سخرنا منها، هي مصر التي هربت منها.

وهذه السيدة ذات التكوين الجسدي الذي لأمي وأمك وأغلب أمهات مصر .. والطابع الحميمي الذي لجدتك التي تعلق علي لونك المخطوف، ووزنك الناقص، وشغبك الذي جعلك تخطيء الأوراق المطلوبة، وضيق الخلق الذي لزوجتك، والشكوي بصوت عال كالذي لجارة عند كل منا .. والوسادة الملونة .. هي مصر التي أحن لها !

هل تصدق أني أفتقد وسادتها التي كانت طول الوقت ملاحظتي الضاحكة عليها؟! .. تلك الوسادة المطرزة بالخيوط والترتر الملون، والتي لاتليق بأي حال بجو البنك الصارم الرمادي. الوسادة التي تضعها خلف ظهرها بسبب ألام أسفل العامود الفقري، التي تعاني منها عمتي أيضًا. الوسادة التي كانت تمنحني بهجة غير مبررة. كل أيامي الشتوية الباهتة كانت تلونها وسادتها، وكذلك أيامي الصيفية المتربة.

هنا لاوسائد ملونة، ولا مدام هناء .. الكل هنا يمشي بانضباط وجدية مرعبتين! لاموظف بوسادة في أي مكان .. ولا أحد يعلق علي وزني الذي نقص كثيرًا لأنه لا أحد يأكل معي، وأستصعب الطبخ لنفسي فقط. إذا أخطأت يُخصم لي فورًا، ولامدام هناء لترفع صوتها وتحسبن علي الشركات التي تأتي بأطفال ليعملوا في الحسابات فأُحرج واضحك واطلب منها الصبر حتي أتعلم، فتضحك في النهاية وتضربني علي كتفي. لا أحد يتلامس معي بأي شكل هنا! .. ولامؤنب ولاموبخ ولاحتي ناظر بلوم في عيني .. لا أحد ينظر في عيني حتي عندما أذهب لشراء طعام أو قهوة.

وليد .. أبلغ مدام هناء عميق اعتذاري، ولهيب أشواقي .. قل لها أني أفكر فيها كل يوم، وأني افتقدها بشدة، وأطلب منها أن تدعو لي.

وأنت .. أذهب إلي البنك بلازفير أو أدعية بأن "يتوب عليك الله" من هذه الزيارات، لأن مرارة افتقاد ماكنت تتذمر عليه والآن لاتدركه لايمكن وصفها!. لو سالتك مدام هناء إن كنت أريد منها شيئًا غير الدعاء فلاتردد أن تطلب منها وسادة ملونة وسأخبرك برقم أحد الزملاء القادمين في أجازة قريبًا لترسلها معه.

وليد .. أعرف أنك تنتظر فرصة مماثلة لتسافر، أعرف أنك تعاني في العمل، وفي توفير نفقات أسرتك، وفي المواصلات وفي كل شيء .. ، لكن أرجوك أرجوك .. وسط كل معاناتك .. أبحث عن الوسائد الملونة وامتن لها، قبل أن تفقدها وتعيش في جزيرة من ريش النعام .. بلاألوان.

أخوك
شريفيضأبببأ