السبت، 17 يونيو، 2017

شكوك في نوايا جسدي




أشعر أن جسدي يضمر لي خيانة!
قرارته الأخيرة تجعلني أشك في أنه مخلص لي تمامًا!
أقف كثيرًا لأفكر .. هل جسدي يعمل لصالحي؟؟

***

في قلب أجواء احتفالية،
وفي منتهي الانهماك،
يتحجج بالارهاق فيموت!
يجعلني اسقط كجماد ..
ويأخذ روحي كطفلة موبَخة، ويحبسها في عالم مظلم،
فإذا اضطربت أو أرادت العودة يذيع لها بعض الهلاوس!
أهكذا تحل مشاكلك؟ بالهروب المفاجيء!

***

أنتظر موعدًا بشوق وترقب طوال أسبوع
فأستيقظ صباحه بألم في الحلق والأذنين ودوار!
أهكذا تدعمني!
لااستطيع النهوض من الفراش فأعو إليه وألغي المعاد.
أتخيل ماقد يفعله معي جسدي في مواقف أكبر!

***

قد أفوز بجائزة فأشتري فستانًا أنيقًا
والكثير من مساحيق التجميل
أنهض مبكرًا في ذلك اليوم وأتحضّر علي مهل
فتتعثر قدمي وتلتوي في أولي خطواتي بالحذاء العال،
ولا استطيع السير!

***

قد أسافر لرحلة طالما حلمت بها ..
أسنقل سيارة
تنعطف ..
ثم نصل أخيرًا ويتفح الباب،
فأتقيأ!
ولا تتوقف معدتي عن الانقباضات،
حتي بعدما تقذف كل أحماضها
غضب معدتي بركان أعمي.

***

جسدي ..
أنا لااُسقط حقك
أدللك كثيرًا
وأغدق عليك بما فيه خيرك،
لكن لاتجلعني أشك فيك
وليس عندي مكانًا أخر لارتاح فيه.
لاتجعلني لاأراك إلا طفلًا أنانيًا،
إذا لم نلتفت لرغباته حالًا أفسد كل شيء
لحساب من تعمل؟
وبأي حق تُسيّر حياتي وتعيد تشكل برنامج أيامي؟
لاأملك تهديدًا محددًا أردعك به
لكنّ نهايتك معروفة،
وفيها نهاية لانهائيتي،
فثق بي وأجلعني أثق بك،

لأن الرحلة لاتحتمل ضعفًا وطفولة.

الأحد، 23 أبريل، 2017

فضفضة أخوية


     لو كان أخبرني أحدهم يومًا أني سأصبح متدينًا لشتمته بأمه، كما أفعل دائمًا للتوبيخ أو الملاطفة. والآن لم أصبح متدينًا بالمعني الشائع للكلمة - مازلت لاأؤمن بأي دين بالمناسبة – لكن مايدفعني للفضفضة إليك رغم أنك غريب ومجرد "زبون" سأوصله وجهته وينتهي كل مابيننا هو تلك الأجراءات المشددة التي فرضوها علي الكنائس مؤخرًا .. تذكرت لعبورنا أمام واحدة.

     أبي وأمي كانا متدينان .. جدًا. لكن رغم أنتماءهما لنفس الدين، ورغم أولوية الدين وممارساته في حياتهما كانا عدوان! .. أبي كان يضرب أمي، وأمي كانت تكره أبي، لسطوته عليها وخضوعها له باسم الطاعة. كانت لي شلة اصدقاء لهم معايير للرجولة لاتتفق مع معايير أبي. كلنا كنا علي غير وفاق في بيتنا .. حتي أختي. النموذج الكلاسيكي للأسرة غير المتحابة في الأفلام والمسلسلات العربية الذي ينتج شابًا منحرفًا. لكني لم أنحرف، فقط لم أرد ان أكمل تعليمي .. اقترضت واشتريت سيارة لأعمل عليها واستقللت عن منزل أبي. القيادة مهنة لابأس بها، لكن الوسط يفرض عليك سلوكيات معينة وإلا ستأكلك الحيتان إذا استضعفتك. سبب أخر جعلني أستقل، وهو أني كنت أريد الزواج جدًا، وبدون تدخل أبواي. كانت لدي احياجات جسدية وعاطفية .. جزء في داخلي كان يئن بشدة. وددت لو تزوجت فتاة أعتذر فيها لأمي عن عنف أبي، وتعتذر نيابة عن أمي لجزء مني -في أولاي- عن قساوة كبيرة أوجعت كل كياني. كنت أُذكّر نفسي كل يوم أن أخبر زوجتي أن تحتضن أولادنا بشدة حتي لو كانوا ذكورًا، بينما سأخجل أن أطلب منها المثل، سأنتظر بشوق أن تفعله من تلقاء نفسها فانتهرها، ثم أتمني أن تكرر فعلتها مجددًا.
     لمّا تزوجت من أخت صديق فوجئت بنفسي وأنا أكرر مافعله أبي مع أمي، ومعي وأنا وأختي! كنت مذهولًا من تصرفاتي كأني دمية تحركها أصابع خفية وتسخر منها! .. زوجتي لم تكن كأمي، اشتكت لأخيها فجمع اصحابه وضربوني، أخذوا منقولاتها .. ووقّعت تحت التهديد علي إيصالات أمانة تم المساومة بهم علي الطلاق.
     عندما أصبح أبني بعيد عني، وصرت أراه مرة كل أسبوع -بعد مفاوضات كثيرة- لمدة ساعة أو نصف يوم علي الأكثر- صرت أكثر وعيًا بتصرفاتي معه. ورغم طول المسافات بين لقاءاتنا، ورغم محاولات أمه وعائلتها لزرع الكراهية في قلبه الصغير تجاهي، إلا أنه أحبني بشدة وأنا عشقته.
     كان ينظرني كل يوم جمعة في الشرفة .. ينظر من بين فتحات السور .. حتي من قبل أن يتعلم المشي .. كان يعرف بروحه النقية إني في الطريق إليه كالكلاب التي تشعر باصحابها بحاسة خاصة، وكنت أحضر له الحلوي والألعاب. لم استطع أن أكون أبّ، لم أعرف كيف افعلها لمدة نصف يوم في الأسبوع! لكني كنت رجلًا يحب كيان صغير ضغيف -يشبهه تمامًا- يشفق عليه بشدة، ويحاول علي قدر معرفته أن يسعده.
     حركة كانت تذيب قلبي طوال الوقت  .. أن أصل أمام أبني فيرفع يديه لأحمله، هل جربت أن يحبك طفل -من أي سن- ويرفع يديه إليك لتحمله؟ لو جربت ستفهم تمامًا مااعنيه. النظرة المتوسلة المبتسمة الحنون المتدللة الواثقة، الخصر المائل ناحيتك بقوة جذب لاتستطيع معها إلا أن ترفعه وتضمه بشدة كأنك تود أن تُسكنه داخلك، رفعة اليد والفراغ الصغير الذي يفسحونه لكفيك تحت أذرعهم الضئيلة .. صدورهم الدافئة التي يرتاح عليها كفك الكبير فتستقر أصابعك علي الفراغات بين الضلوع كأن الضلوع خلقت بفراغات لتتشابك بانسجام مع اصابع الكبار وتنقل لها دقّ الحب الخالص المتحمس. جرب أن تحاول حمل طفل لايحبك ولايرتاح إليك، ستجده يضم ذراعيه إلي صدره ويدفعك .. الأطفال لايقدمون حب مبتذل، بينما الكبار كلهم "بائعي هوي". لايمكنك أمام رفعة ذراعين لطفل إلا أن تحمله وتشعر بنبع حب دافيء ينفجر في صدرك .. مهما كنت قاسيًا.
     لعلك تسأل ماعلاقة كل هذا بالكنيسة؟ .. في يوم توفي والد زميل لنا علي القهوة، كنت في سفَر مع زبون للأسكندرية فلم احضر جنازته، لذا قررت أن لاأفوّت الأربعين حتي لا "يأكل وشي" إذا تقابلنا علي القهوة في القريب. دخلت في نهاية معاد الصلاة الذي اخبرني به الاصدقاء .. انتظرت أخر صف .. وجدتهم يكررون الصلاة التي تظهر دائمًا في الأفلام العربية والأجنبية يكررها المسيحيون جماعة .. "أبانا الذي في السموات .." لم تكن أول مرة اسمعها. مازلزل كياني هو رفعة أيديهم في الصلاة مع كلمة "أبانا" رجال ونساء، بالغون ومسنون وأطفال .. بنفس الطريقة التي يرفع بيها أبني ذراعيه كلما رآني!! .. لايبدو هذا طقسًا عالميًا للصلاة .. حسبتهم يفردون كفوفهم يضعونها بوضع راسي متلاصقة تحت ذقونهم ويغمضون عيونهم.

     كان عدد الحضور يوم الجمعة هذا في الكنيسة كبير جدًا .. رفعة أيديهم ونظرتهم للسماء باعين مفتوحة بنظرة تشبه نظرة أبني جعلتني أتخيل يدان عملاقتان ستشق القبة الكبيرة وترفعهم .. لاأحد -حتي لو كان إله قاسي لايكترث لخليقته- يمكن أن يتجاهل تلك النظرات .. تلك الأذرع المرفوعة .. والصدور المبسوطة التي تأتمن من ترفع له يدها علي قلوبها. قوة الحشد وقوة المشاعر صعقتني .. تسمرت مكاني ثم انخرطت في البكاء. لم استطع أن اعزي صديقي ومشيت. كان ذلك اليوم أروع يوم قضيته مع أبني في حياتي .. ولم استطع أن أجيب علي سؤاله "بابا أنت عيط ليه؟".

     في مساء ذلك اليوم ذهبت لبيت صديقي بحجة أداء واجب العزاء المنسي .. طلبت الاختلاء به، سالته عن سر تلك الصلاة، وعن رفعة الأيدي تلك، والعيون الشاخصة ماذا تري ولمن تنظر؟ أسئلة كثيرة تلاحقت في ذهني، لكنه لم يجب علي أي منها. أندهش في أول الأمر وحاول أن يتأكد إني لااسخر منه ولاأسيء لمقدساته، ثم سخر هو مني ومن المصليين، قال أنه "شغل دروشة" وأن أبيه وأمه كانا يفعلان هكذا بحكم العادة- لأنها لم يقنعاه بسبب - أما هو فيحب أن يصلي مطرق الراس مغمض العينين لأنه "خاطي" وهذا الوضع مدحه السيد المسيح ويغفر خطايا من يصلون به.

     بحثت في الأنترنت عن هذه الصلاة وحفطتها. لست مؤمنا بكلامها، لكن لكي أرددها مع الجمع .. كل جمعة أدخل أي كنيسة في موعد انتهاء القداس، لاأكترث بالصلوات أو أي شيء .. أنتظر أن يعطي الكاهن الواقف بظهره أمام الناس الأمر ببدء الصلاة التي تبدا بــ"أبانا الذي في السموات" فأرفع يديّ بأقصي امتداد .. أبدو غريبًا باصابعي المتباعدة والكل يضم أصابعه، لكن أبني يفعلها هكذا، وانا أراها تلقائية أكثر، أردد الصلاة ودموعي تنهمر ثم اغادر لأذهب لأبني. هل ستصدقني أني كثيرًا ماشعرت بزراعيتن عملاقتين تحملاني وتضماني؟ حتي لأني أحيانًا أبكي بنحيب من ولع الحب الذي يغمرني، فاُحرج ولاأعود لتلك الكنيسة مرة أخري، بل أبحث عن غيرها. ماأخشاه إني لثلاثة أسابيع لم أستطع أن أدخل أي كنيسة لأنهم صاروا يطالبون إظهار البطاقة، وقد يرتابوا في أمري إذا وجدوا إني لست مسيحيًا ومسجل في قضايا طلاق ونفقة. لاأريد أن أُحرم من تلك الحالة .. فهل عندك حل؟

السبت، 18 مارس، 2017

اصحاح الاكتئاب


"أما أنت فمتي أكتأبت ..فأدخل خلف ابتسامتك ..وأغلق فمك ..وأصرخ بكل قوة الصمت في داخلك لأبيك الذي في السموات،ولكن صدي صرختك سيتردد في الخواء بداخلك."


***


اليوم شكوتك إلي طبيبتي النفسية ياالله،
قولت لها أنك تركتني.
وأنك اسلمتني لمليمترات مكعبة من المواد الكميائية المُفرزة من مخي لتلهو بي.
قالت لي أنك أهديتني البصيرة لأعرف إني مريضة واحتاج المساعدة!
وأنك ستحاسبني إذا لم أخضع للعلاج!
أهذه هديتك؟ وماذا عن هداياك التي اعتدتها منك ومنعتها عني؟
هل لي أن احاسبك عليها؟
أين سلامك في نومي؟
أين جمالك في الطبيعة؟
أين فرحك في كل أشيائي البسيطة؟
أين احساسي بمحبتك في كل مَنْ حولي؟
لماذا ابقيت لي صورة الأشياء وسحبت منها روحك؟
لو كنت سحبتها كلها لكنت أستطيع أن أبكي وأنوح ويفهم الجميع فداحة خسارتي
أما الخواء والمرارة التي حلّت ، من غيرنا يدركها؟
اِعتَرِف لطبيبتي أو أي أحد بما فعلته يالله لأنه "لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا"


***


كنت اسمع مراثي أرميا النبي فلاافهمها!
كيف يصرخ -أي أحد وليس نبي الله!- لك يالله النهار كله ولاتستجيب!
كيف تُثقّل سلسته بدل من أن تحلها؟؟
كيف تمرره وكلامك حلو واسمك دهن مهراق؟؟
ولكني الآن فهمت تمامًا ..
لقد كنت "مُكتئب" ياأرميا والله بعيد ..
لقد كنت وحدك.


***


"أما أنت فمتي صُمتَ عن الحياة ..فأدهن رأسك واغسل وجهك ..اغسله جيدًا .. اغسله كثيرًا ..فالدموع والوجوم سيطفران بلاتوقف.ولايجب أن تزعج باقي المخلوقات."


***


تقول يارب أنك تجمع الدموع في زق عندك ..
وماذا عن البحار التي تأبي أن تسقط شلالات من العيون الجامدة؟
يقولون أنك تُقدّر الجهاد، والتعب عندك ليس بلامنفعة،
وماذا عن العجز الكامل الذي يقتل الحياة وأي رغبة فيها، ويشلّ الاعضاء تمامًا؟
كيف تحسب الاكتئاب عندك؟ أو أنك لاتحسبه؟
وكيف احسبه من عمري وهو ينهشه؟
كيف اُنهض نفسي وأنا عاجزة؟
وكيف اطلب مساعدة والأبواب مُغلّقة؟
وكيف ستساعدني وأنت بعيد؟


***


اليوم شكوتك يالله لمن كنت أشكرك عليه دومًا
شكوتك لمن اصبح فيّ وحواليّ عبئًا،
شكوتك للوجود.


***


"وإذا بفيضان اكتئاب يعبر، ولاتبدو له نهاية ..ولم يكن الرب في الاكتئاب."









السبت، 18 فبراير، 2017

إلهي وإله ديزني لاند

إله الحب ..
والقصص السعيدة،
والتفاصيل المدهشة،
والجمال.
هو إلهي -المحبة- وليس إله ديزني لاند.
***
إلهي ليس عنده نهاية واحدة ثابتة لكل الحكايات
نهاية مبتورة! لانعرف بعدها كيف استمرت الحياة
كأن مشهد الزفاف الأخير كفيل بأن يورثنا كلنا
-أبطال الحكاية ومتابعيها- السعادة الأبدية بلاشك!
***
إله ديزني لاند يظهر في مشهد أو مشهدين
لحظة اللقاء ..
ولحظة النهاية السعيدة.
بينما في النصف يختفي ويترك الأميرة للمعاناة.
معاناة سندريلا وسنو وايت مع زوجتيّ أبيهما،
ومعاناة عروس البحر مع بيئتها التي تتوق لتغييرها،
معاناة الجميلة مع الوحش،
وغيرها من المآسي
بينما إلهي كائن في قلب المعاناة لحيلها نعيمًا!
إلهي يساعد سنو وايت في تنظيف الأرضية ويرسل لها العصافير لتغني معها
إلهي يعرف أن يآلف بالحب الأخوة غير الأشقاء،
إلهي لايلتفت فقط للفتيات الجميلات، بينما يترك متوسطي الجمال للشقاء الأبدي.
وليس عنده كل أمرأة كثيفة الحواجب، أو معكوفة الأنف، أو ممتلئة الجسم هي امرأة شريرة!
***
إلهي يسكن كل التفاصيل في القصور والأكواخ،
والليالي الباردة المطيرة لاتصاحبها في صحبته موسيقي مرعبة.
إلهي يحب الأميرة والأمير والساحرة، وفتيات كلهن في عينيه جميلات.
إلهي ليس عنده نهايات كلاسيكية
ليس عنده نهايات من الأساس!
فهو يكتب قصة تمتد للأبدية
ويسرد بحبر الفرح والمحبة كل السطور.

الثلاثاء، 24 يناير، 2017

لأنها تضع عطرًا غاليًا




هل تتوقع أن نعاملها بحفاوة زائدة،
وأن تُستثني من طابور تقديم الطلبات،
وتجلس علي الكرسي الوحيد أمام مكتبي
المتروك لذوي الوسطة ..
فقط! لأنها تضع عطرًا غاليًا؟!


***


عطرها أسعد كل الموظفين في المكتب.
العاطفي منهم ابتسم بنصف فم،
والمتزمت عبس.
ولكن كليهما  استلذت حواسه.
حتي الموظف الأعزب فكر في الزواج
بزوجة حضنها بنفس الرائحة.
لكنّ هذا لم يزدنا إلا تعنتًا ضدها ..
لأننا نرفض أن يكون من أسباب اسثناءنا لأحد ..
عطر!


***

جاء دورها فتجاهلناها ..
وطلبنا من السيدة العجوز برائحة أهل الريف أن تتجاوزها.
نظرنا لبعضنا نظرة انتصار متحدية.
قولنا لها أن الأخري بتدو مريضة،
ولايجب أن تنتظر، مع أنها انتظرت!
حاولنا أن نبدو كرحماء لامتعنتون،
وتركناها تتململ وتتحرك ..
فيفيح عطرها أكثر.


***

لمّا اعتادت أنوفنا عطرها،
ولم يعد يثير نشوتنا ..
أنجزنا لها بضجر طلبها،
وودعناها بنظرات سخرية، وابتسامات تهكم، وزفرات سخط ..

فقط لأنها تضع عطرًا غاليًا.