الخميس، 21 مايو، 2015

الجمال بعيون اصحاب الفطرة

صورة ألتقطتها لــ"فتايات الزهور" في فرح صديقة .. وهن يتابعن العروس من فوق ظهر كرسي يتقاسمانه




     غلق المنبه –المظبوط قبل المعاد بساعة- علي وعد بخمس دقائق فقط هي كذبتنا اليومية .. وهاقد فعلتها في ذلك اليوم أيضًا.
     استيقظ مذعورة علي هاتفي يرن، صديقتي من قلب ضوضاء طفولية تسأل "مش هاتقدري تيجي اليوم ولا إيه؟".
    اليوم موعدي مع ورشة للأطفال من سن أولي إلي ثالثة ابتدائي عن "القصة"! .. في إطار يوم تنظيمي لاكتشاف مواهب الأطفال في الموسيقي والرسم .. والأدب.
    منذ أن سألتني عن أمكانية مشاركتي في اليوم من خلال ورشة قصة للأطفال وأنا مرحبة وقلقة .. الأثنين بنفس المقدار تمامًا. أرحب بالعمل مع الأطفال لأني مؤخرًا اكتشفت أنهم البشر الأقرب لحقيقتنا كما خلقها الله قبل مراحل التشويه، أو في مرحلة التشوية الأولية. وقلقة لنفس السبب .. أنا أقدم منهم في رحلة التشويه وقد طالني ما طالني .. أخشي أن أكون مُعديّة. ترحيبي بسبب توقي إلي الجمال في روحهم وخيالهم .. ولكن هل سوف اُضيف إليه؟ أم فقط سأختلس منه؟
     يجب أن أكون هناك في ظرف عشر دقائق علي الأكثر .. اسكب نفسي من علي السرير، واعيد نصبي ككائن رأسي أمام دولاب الملابس .. ماذا ارتدي؟



***


     "ت" طفلة جميلة بعمر العامين ونص .. احببتها بعمق كما يليق بها. قضينا معًا أقل من عشرة أيام علي هامش ورشة بأسوان في يناير 2015 .. خلال الأيام الأواخر كنا نقضي معًا وقتًا لطيفًا. طوال العشرة أيام كنت أضع "مكياجًا" خفيفًا .. لم يكن كذلك بالضبط وإن بدا. كحل بين أجفاني .. ارسم خطًا أسود فوق عيني .. اُخفي الهالات السوداء .. قليل من ضي الخدود .. وطلاء شفاه وردي يبدو شفافًا.
     في اليوم الأخير وضعت فوق كل ماسبق ظلال للجفون .. واستخدمت طلاء شفاه وردي أيضًا .. لونه قويًا صريحًا.
     لمّا قابلت "ت" لم أكن ألحظ أي شيء مختلف عن الأيام السابقة، لكنها لاحظت. كنت اتكلم وهي غير منتبهة .. فقط تتطلع لشفتاي بعينان مندهشتان .. انتهيت من الكلام، لأجدها –وعيناها ماتزالا مثبتنان علي شفتاي- ترفع أصبعها الصغير لشفتيها العفوريتان "أنتي حاطة روج؟" .. بدهشة خالصة. شعرت لحظتها بغصة لم أجد لها تبريرًا .. خاصة وأن الجميع أثني –مع الغمْزات الشهيرة- بــ "الألوان الحلوة النهاردة".



***


     "م" طفل في الخامسة أو أزيد بشهور .. كان معنا –أسرته ذات القربي وأبنة عمي- في يوم سياحي في منطقة الحسين وشارع المعز. كانت كلتانا –أنا وأبنة عمي- نتوق لرسم الحناء علي أيادينا، نذكر بعضنا بعض من آن لأخر كي لا ننسي .. نقابل السيدات السمراوات اللاتي يرسمن أمام الحسين .. نفرح ونختار أشكالًا ونتركها تبدع علي جلودنا.
     يتابع "م" بنظر خائفة وهو يتشبث بأماه ويطل برأسه كأنه يحمي نفسه من خطر مقبل. نسأله أمام السيدة التي ترسم "عاجبك؟؟ تحب ترسم رسمة علي إيدك؟" فيجيب بسرعة وعفوية "لأ .. مقرف جدًا .. مقزز" ينطقها بالفصحي .. ينطق الــ"ق" كما هي، وليست كما في العامية كــ"أ".
     نحاول أن نمسك يده طوال الوقت المتبقي في الرحلة –أنا وأبنة خالته التي هي أبنة عمي والتي قمت معها بالوشم الرائع- فينفر في خوف وتقزز حقيقي .. أحاول أن أقنعه بأن يدي هكذا تشبه يد أميرة ما، فيجيب بمنطق "الأميرة مش بتعمل كدة .. الأميرة بتحط تاج" .. نحاول أن ننهي هذه اللعبة السخيفة -بالنسبة لي لأني أحبه، ولا أريده أن ينفر مني- فلايستجيب .. يقول "أنا هامسك إيد ماما الحلوة".
     لانجد إلا أن نوافق خياله لأنه –للأسف- صادق ولايدعي! .. نتحول لكائنات شريرة مخيفه تحاول أن تأكله .. يرتعب وهو ينظر لأيدينا، ثم يبتسم وهو ينظر لوجوهنا ويحارب الشر!.


***


     "الجمعة العظيمة" .. هي الجمعة التي تسبق أحد عيد القيامة في الكنائس المسيحية. عبارة عن يوم طويل للصلاة يمتد من السادسة صباحًا حتي سادسة مساءًا.
     أذهب في موعد متأخر .. الكنيسة مزدحمة .. مكان للوقوف بجانب دِكّة تضم مجموعة من السيدات مناسب تمامًا للمتأخرين ..أفتح كتاب صلواتي وأقف للصلاة بجانبهن، علي أن أتربع علي الأرض في أوقات الجلوس.
     أنتبه ليد السيدة التي تقف بجانبي –علي أخر الصف- والتي يغطي وجهها شعر مستعار بلاستيكي ردي الخامة. يدها التي تمسك كتاب صلوات مشوهة جدًا. كأنها تعرضت لحرق أو مايشبه، حوّل جلدها كله لطبقة وردية جافة مبقّعة. منظر يديها يثير معدتي لأول وهلة .. ثم استجمع نفسي وأنظر بعيدًا كأني لم ألحظ .. ألتقط بعد ذبك وجهها بحركة عفوية فأجده مشوة أكثر فأكثر .. ملامحة مخلطة كعجين تعرض للضغط .. وعيناها بلون فاتح وبلا رموش.
      بالتأكيد تتعرض هذه السيدة لمضايقات كثيرة مابين الشفقة والتصعُّب .. إلي النفور والأذراء. أحاول ألا أبدي اتباهًا وأنظر في كتابي أو أغمض عيناي.
     السيدة التي بجانبها أم عشيرنية معها طفلة لاتتعدي العام أو العام ونصف .. بالكاد تمشي. تخيلت أن تغير الأم مكانها لو انتبهت لهذه السيدة التي تحمل تشوهات جسيمة علي جلدها، لاخوفًا ولا تقززًا، لكن لكي لاتسبب انزعاج لأبنتها، أو تسبب أبنتها للسيدة في إزعاج. الطفلة أصغر من أن تتحكم في ردود افعالها.
      تتصرف الأم كأن السيدة التي تجاورها إمرأة عادية تمامًا .. فاحترمها جدًا. أما المفاجأة بالنسبة لي فهو أن الطفلة انجذبت لهذه السيدة! .. تسحب منها الكتاب .. تصدر أصواتًا تلفت للانتباه وهي تتشبث ببنطالها !
     في البداية لازمت السيدة حرصًا تجاه الطفلة .. لم تنتبه، حتي عندما نهرت الأم ابتنها بلطف "سيبي كتاب طنط". ولمّا لم تجد ممانعة أو بادرة ضيق عند الأم بخصوصها .. ضمت أصابعها الضامرة المشوهة –التي بالكاد تخرج من أكمام ملابس طويلة وثقيلة في جو صيفي حار- وبدأت تصدر حركات تلاعب بها الطفلة مع الصوت الكلاسيكي "بِس ..بِس". والطفلة تستجيب.


***


     لاأعرف اسمها .. عمرها لايتعدي العام ونص .. تسير وهي تمد زراعيها علي طريقة من لم يتقن الأتزان. ترتدي فستانًا ورديًا جميلًا، وحذاء صغير بنفس اللون. تبدو كقطعة من الحلوي اللذيذة المغرية للأكل. تبدأ الفتيات في وصلة الرقص علي اغاني المهرجانات في "ليلة الحنة" التي أحضرها بصفتي صديقة للعروس. تنضم للفتيات .. امد لها يدايّ .. تصل بالكاد يدها لأطراف أصابعي .. تتشبث بهم وتبدا بالرقص! .. تثبت قدميها علي الأرض وتحرك خصرها مع الموسيقي وهي تنظر للفتيات الملتوّيات بانبهار .. كلما جائت عينيها في عيني تضحك ويضحك قلبي.
     يصل العريس واصدقاءه .. ينضم اصدقاءه لزمرة الراقصين .. يرقصون كالفتيات مع مزيد من الهستريا .. يقفزون ويحركون أيديهم تبعًا لما يسمي بـ"رقصة المطاوي" .. تضج القاعة بالتصفيق والحيوية والضحك .. تقول أحدهم .. "شايفين الرقص .. مش الخيبة اللي كانت فيها البنات .. ماعرفناش نهيص" .. أنظر للجميلة الصغيرة فأجدها قد توقفت عن الحركة .. وفي عينيها وهي تتابع شباب الراقصين ذعر.


***



     يجب أن أكون هناك في ظرف عشر دقائق علي الأكثر .. اسكب نفسي من علي السرير، واعيد نصبي ككائن رأسي أمام دولاب الملابس .. ماذا ارتدي؟
     تعبر علي رأسي كل هذه المشاهد في لحظة .. لاأعرف مَنْ استدعاهم هكذا بالجملة! .. وبكل هذا الوضوح! ..
     أتخذ قراري .. "بلوزة" قطنية وردية بلا نقوش .. بنطال من الجينز الأزرق الهادي .. صندل أبيض كله بلاكعب ولا إضافات، وشنطة بيضاء مثله .. البسهم واضع عطر فواكه منعش .. أشد خطًا بسيطًا لعيني بالكحل .. ثم أنظر لهندامي العام. أضع ابتسامة أخيرة وأخرج. هذا يكفي.
     اليوم لابد أن أكون جميلة .. جميلة في عيونهم.