الأحد، 22 نوفمبر، 2015

السامري الصالح المتابع لنشرات الأخبار



أشغل التلفاز بعد أن وضع كوب الزبادي ورغيف الخبز علي المنضدة أمامه، ليتسلي أثناء عشاءه .. غدا ينتظره يوم سفر طويل، يتحتاج أن ينام مبكرًا ليكون منتبهًا أثناء القيادة.
     تظهر أمامه صورة الطفل "إيلان" علي خلفية الخبر .. يتسمم الطعام في فمه، يشعر بالغثيان، ينهض ليفرغ ماوصل للتو معدته. يبكي بأنهيار أمام الحوض .. يضع رأسه تحت الصنبور المفتوح ويتذكر أبن أخته الذي يماثل "إيلان" في السن، وعنده ملابس تشبهه .. للوهلة الأولي ظنه هو!
     في الصباح استيقظ وهو يشعر بإعياء .. صداع شديد وغثيان. سوف لايسافر من أجل العمل اليوم، لاطاقة لديه للقيادة .. سيرسل بريد إلكتروني يعتذر فيه.
     علي طريق السفر كان ينتظره شريكهُ في القصة ..، لكنّ القصة سوف لاتكتمل لتغيير الذي طرأ في مسار الأحداث.

***

     ينهره صديقه علي سذاجته، يخبره ألا يكون "غشيمًا" ويتعاطف مع كل المرضي والشحاتيين. يحاول إقناعه بحسبة بسيطة أن الطفل القذر ذو العيون البريئة يُدرّ دخلًا يساوي دخله هو بمقدار الخمس أضعاف، وهو الذي تدرج في المناصب طوال ثمان سنوات، هذا فقط إذا اعطاه كل عشرة اشخاص يمرون عليه جنيهًا واحدًا .. وإذا جلس علي الرصيف لمدة خمس ساعات فقط يوميًا.
     يريه مرة في حارة جانبية الفتاة وهي تنزع كيس البول المعلق بشكل مُلفّق يظهرها كمريضة بمرض مزمن يخص الكلي. يبتسم بسخرية ويرجوه أن يكون أمينًا علي نقوده ولايعاطف مع كل نصاب.
     في حوار آخر يستبصره بأن كل إعلانات الجمعيات والمستشفيات التي ترقق قلبه في التلفاز تتلقي تمويلات، وتنفق مرتبات مبالغ فيها لموظفيها.. ثم أن الدور الذي تقوم به هو دور الدولة وليس دور الافراد.
     يمر "سمريُّنا" الجديد أمام رجل مسن خرج للتو من عيادة الطبيب، ولم يستطع أن يسير حتي طريق المواصلات .. خارت قواه وسقط، تضررت رأسه فنزفت وألتوي كاحله. شعر بعجز الدنيا وذلها كله عنده .. بكي بدموع الشيوخ العزيزة. كان من المفترض أن ينزل السامريّ من السيارة ليساعد الرجل ويأخذه إلي أقرب مركز يعتني به ويدفع له هناك .. لكنه كان مشحونًا بكلام أصدقاءه .. رمقه وتمم ليُسكت قلبه "نصاب" .. عبر به وتركه .. ولم تكتمل أحداث القصة.

***

     يقرأ في "بوست" علي "فيس بوك" عن السيدة الوحيدة، أو الشاب الذين يستوقفوا السيارات بزعم أنهم تائهون، أو سياراتهم معطلة .. يطلبون المساعدة في الانتقال أو يتغيير إطار السيارة .. يطعنون السائق أو يخدرونه ويسرقون السيارة، وكل مقتنيات قائدها. البعض يحكي نفس القصة مع احترافيه أكبر لللصوص، بأجبراهم لقائد السيارة علي توقيع عقد بيع وشراء قبل التخلص منه.
    ترعبه القصص من هذا النوع الموثقة بصور وشهادات! هو كثير السفر علي الطريق وحده!
     تحاول هذه السيدة أن تستوقفه وعيونها دامعة .. ترجو من الله أن يكون شريفًا ولايفكر في إذائها هي أو أطفالها الذين أغلقت عليهم السيارة بإحكام. تعطلت بهم سيارتها أثناء عودتها من عند والدتها، واستنفذ هاتفها المحمول شحنه كعادة المفارقات السيئة. تحاول أن تتصدر الطريق ليراها .. لكنه كاد يصدمها! .. تجاوزها وشعر بأفراجه في صدره أنه –الحمد لله- نجي! .. هذه السيدة هي شريكته في القصة، لكنّ القصة لن تكتمل بسبب ضغطة البنزين القوية بدلًا من الفرامل، وتغيير مسار الأحداث.

***

     أخبره زميل القهوة بشيء مروع عن صديق له وهو يضرب كفًا بكف ويردد بين الجملة والأخري "صحيح خير تعمل .. شر تلقي". ساعد هذا الصديق فتاة فاقدة الوعي في الشارع .. أوصلها للمستشفي، وأدخلها ببياناته، ودفع لها ثمن العلاج، فساومته الفتاة –التي اتضح أنها مدعية- علي ملبغ مقابل عدم الإبلاغ عن تحرشه بها ومحاولة خطفها! .. عرف –هذا الصديق المجهول- بعد ذلك أن هذا نوع جديد من النصب. يصل أحيانًا لخطف المتعاطف وطلب فدية. النصابون ينتمون للأطفال والفتيات الذين يصعب ألا تتعاطف معهم، ويستحيل أن تتوقع من جهتهم سوءًا.
     هذا طفل الذي صدمته سيارة وهو عائد من المدرسة بدي أنه يحتاج لعلاج، وأن يصل لأهله في أسرع وقت، كان في حالة هلع ويبكي بهستريا. نزل "السامري" من سيارته وأشتري له عصيرًا ومناديل ليمسح الجروح والسحجات التي أصابته. بدي الطفل كعصفور هَلِع .. رفض أن يشرب أو ياكل أي شيء، رفض أن يلمسه أحد .. كان فقط يصرخ "ماما" ..
     كاد أن يشرع في توصيله لمنزله لمّا تذكر أنه ربما يكون مُدرّب كي يستميل الشفوقين أمثاله، نظر إليه فوجده طفلًا جزعًا بريئًا .. هل يمكن أن يكون هذا الملاك شريكًا في تشكيل عصابيّ؟ لكنه تذكر أن النصابون مقنعون جدًا .. وإلا لمّا اصطلح تسميتهم هكذا ..
     ربت علي رأسه ومضي .. ومع أن هذا الطفل كان شريكه في القصة، لكنّ القصة لن تكتمل.

***

     ربما هذه بوادر ذبحة صدريّة .. ألم يحتل كتفه الأيسر، مع تنميل وخدر في أطرافه. يغلق التلفاز والحاسوب. سوف لايتابع أخبار تفجيرات "باريس" .. المدينة التي طالما حلم بقضاء أجازة أسطورية فيها .. مدينة النور. تخيل نفسه أحد رواد المسرح أو الأستاد أو المطعم الذين يقضون وقتًا رومانسيًا أو ترفيهيًا ممتعًا .. فإذا بهم ضحايا! ..
     فكر ربما لو صلي لأجلهم لشعر ببعض الراحة. نهض ليصلي .. رفع عينيه فظهر له في سقف الغرفة "البوست" الذي رآه للتو يسخر مِن مَنْ يطلبون الصلاة لأجل باريس، بينما أوطانهم تتمزق، وبها من المآسي مايفوق أنفجارًا عابرًا .. شعر بألم صدره يزداد وعرق بارد يتفصد من مسامه .. يعدل عن قرار الصلاة ويفكر أنها فكرة ساذجة.
     كان من المفترض أن يصلي لأجل كل المتألمين –كما تعود- ولأجل أعداءه أيضًا حتي تكتمل القصة، لكنها لم تكتمل.

***

     "السامري الجديد"سامريًا صالحًا في قلبه .. ليس كاهنًا ولا لاويًا ولا رجل دين رفيع المستوي، وربما ينتمي لذوي الإيمان الفاسد (لأنه سامري، وليس يهوديًا) .. لكنه رحيم.
     ربما ماكان علي سامرينا أن يتابع نشرات الأخبار، ويستمع لنصائح الأصدقاء، ويصدق "بوستات" مواقع التواصل الاجتماعي ليحافظ علي مسار القصة .. ليحيا بالحب .. ويرث الحياة الأبدية .. ولكن ماذا لو كان كلامهم صحيحًا مقنعًا؟ هل سيفتقد عالمنا السامريين الصالحين للأبد؟

***

النص الأصلي لمثل السامري الصالح:
 "وإذا ناموسي قام يجربه قائلا: يا معلم، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟
فقال له: ما هو مكتوب في الناموس. كيف تقرأ؟
فأجاب وقال: تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك، ومن كل فكرك ، وقريبك مثل نفسك.
فقال له: بالصواب أجبت. افعل هذا فتحيا.
وأما هو فإذ أراد أن يبرر نفسه، قال ليسوع: ومن هو قريبي؟
فأجاب يسوع وقال: إنسان كان نازلا من أورشليم إلى أريحا (يفترض أنه يهودي لأن اليهود كانوا يسكنون أورشليم، وهم أعداء السامريين) ، فوقع بين لصوص، فعروه وجرحوه، ومضوا وتركوه بين حي وميت
فعرض أن كاهنا نزل في تلك الطريق، فرآه وجاز مقابله
وكذلك لاوي أيضا، إذ صار عند المكان جاء ونظر وجاز مقابله
ولكن سامريا مسافرا جاء إليه، ولما رآه تحنن
فتقدم وضمد جراحاته ، وصب عليها زيتا وخمرا، وأركبه على دابته، وأتى به إلى فندق واعتنى به.
وفي الغد لما مضى أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق، وقال له: اعتن به، ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك.
فأي هؤلاء الثلاثة ترى صار قريبا للذي وقع بين اللصوص
فقال: الذي صنع معه الرحمة. فقال له يسوع: اذهب أنت أيضا واصنع هكذا."

(أنجيل لوقا الاصحاح العاشر)