السبت، 13 أبريل، 2013

طلاق ...





لم أكن أفهم أبداً معنى كلمة "طلاق". منذ كنت طفلة صغيرة اسمع أمى تطلبه، وحتى حَصُلَتْ عليه لم أفهم ماهو، أو كيف هو؟ وحتى كنت أطالب أنا به وحصلت عليه لم أفهمه .. لم أفهمه قبل الآن! .. والآن فقط فهمته.


كنت أتسأل منذ التاسعة وحتى طُلِقت .. كيف لمن هو زوجى أن يصير غريب! كيف لمن تشاركنا الفراش والغطاء والبكاء والضحك والأكل واللعب والمعالق والأكواب والمناشف ومشاهدة الأفلام وتمشيه شراء الملابس ومبادلة الأحذية المريحة و غيرها وغيرها.. أن نصير بين يوم وليلة أغراب!


لماذا لايُفسَخ عقد الأبوة أو الأمومة أو البنوة أو الأخوّة .. ويسمح فقط بفسخ عقد الزواج ؟ مع أنّ لهذا العقد مايميزه. فكل العلاقات السابقة فُرضت فرضاً على الإنسان .. يستقظ من غفوة العدم فيجد نفسه عضواً فى أسرة هؤلاء اعضاءها.. قليلون يحتجون على تشكيل الفريق الأسرىّ الذين وجدوا أنفسهم فيه، يذهبون للانتداب كلاعبين فى وطن أخر ومجتمع آخر. البعض لايملك الشجاعة الكافية لتمزيق العقد وإنهاء التعاقد والاستضافة بشكل كامل فيحافظ على خيط رفيع متهرئ ليُسكت ضميره والمجتمع بنداءات "صلة الرحم" اللاعقلانية. كيف لـ"رحم" أن يتحكم فى حياتى ويسود على العقل والقلب ؟؟ .. كيف لروبط الدم –السائل- أن تكون أقوى من روابط العضلات العاطفية التى تنمو وتتغذى على تمارين الحب ذات الاختيار الحر ؟


منذ طُلِقت من "رفيق" وأنا اعتبره زوجى مع وقف التنفيذ. أحبه، أخاف على كرامته وسيرته وكل مايخصه .. اُشاركه بشكل روحى كل تفاصيل حياتى كما كنّا نفعل فى فترة زواجنا .. أصبح نشيدى اليومى أغنية فيروز "كيفك أنت" .. أناجيه بها كل صباح ومساء. فى نقلات الفصول اُخزن ملابسه الصيفية أو التشوية بعناية وأعيد غسيل وكىّ الأخرى لتكون جاهزة لاستخدامه فى حال عودته أى وقت. لم أتوقف عن طبخ الطعام بالطريقة التى يحبها، كنت انظر لباب منزلنا وأنا أضع الطعام على الطاولة لكل وجبة .. هيا تعال الآن –لابعد ربع أو نصف ساعة- لتأكله وهو ساخن كما تحب أن تأكل طعامك دائماً.


عندما ترى صديقاتى نمط حياتى الملتبس به يشفقن علىّ "إذا كنتِ تحبينه كل هذا الحب .. فلماذا طلبتِ الطلاق واصررت عليه ؟!" .. هن لايعرفن، لايعرفن أن أن "رفيق" الذى طلبت منه الطلاق ووافق عليه بلاجدل لم يكن هو "رفيق" الذى أحببته وأحببنى، وليس هو رفيق الذى أحيا مع شبحه الآن. "رفيق" الذى ذهب كماء خلف بوابة أندفع بقوة بمجرد انفتاحها ليس "هو" رفيق الشجرة ذات الجذور الذى كان مصدر كل الظل والثمر اللذيذ فى حياتى .. هذا الأخير كان بالنسبة لى ثابت راسخ لايحركه شىء ولا أعتى العواصف، لايمكن أبداً أن يغير مكانه ولاأن يذهب لأى مكان خارج جنتى .. فإذا ذهب فهو ليس هو.


اليوم رأيت "رفيق" الذى لم يعد فيه شىء من الذى كنت أعرفه غير اسمه .. بل أنه غيره هو الآخر على الأرجح! .. كنت أعرف أنه تزوج وأنجب، عرفت هذا من خلال أصدقاء مشتركين ومن قلبهم عرفت عندما أخبرتنى فيروز "كيفك؟ قال عم بيقولوا صار عندك ولاد"، لم يضايقنى هذا أبداً، فزوجى سوف يعود إلىّ لأن بيننا صلة روح لايمكن قطعها، أما هذا الآخر فهو زوج لأخرى لاأعرفها ولاأعرفه.


كان يسير فى "المول" مع زوجته وطفلته الجميلة كأمها، لم انتبه له. كنت واقفه أمام "فاترينة" لعرض ملابس الأطفال، أعجبنى فستان لطفلة فى عمر عام .. اعجبنى جدا حتى أنى رفعت عينى لأحفظ اسم المحل حتى عندما يعود "رفيق" أتى به لهنا لأريه الفستان ونشتريه أو لانشتريه –حسب ماتنفق- لطفلتنا القادمة. كانت واقفة بجانبى ويبدو أنه اعجبها هى الأخرى.. عفواً سيدتى، هذا الفستان لطفلتى .. تلفتت حولها بتوتر ثم استقرت عينيها على رجل يدفع عربة أطفال تنام فيها طفلة جميلة.. نادت "فوفو.. تعال وانظر هذا الفستان لمَلَك" .. ألتفت لــ"فوفو" هذا لأجده هو ! .. لكنه لم يكن هو تماماً !


كان رأسه بتقسيم جديد لأماكن الشعر والصلع وبتسريحة غير التى كنت أصنعها له. خصره تم احتلاله بمستعمرات دهون رهيبة فى توزيع عشوائى. رسم على وجه -الذى صار منتفخاً بشكل طمس ملامحه الوسيمة- شارب و "سكسوكة" جعلته أشبه برجال كثيرين .. رجال لهم نفس القالب وهو الذى كان لايشبه أحداً. كان ممسكاً بـ"ساندوتش" من محل من محلات الوجبات السريعة أعرف أنه كان يكرهه تماماً ! .. كانت تناديه بـ"فوفو" وهو الذى كان يرفض تماما مايسمى "باسماء الدلع" حتى أنه كان ينادينى باسمى الذى لم استخدمه إلا فى أوراقى الرسمية .. كان يقول أن اسم الإنسان هو ذاته لايجب اختزاله أو تحويره، وإذا تنازل الإنسان فيما يناديه به الآخرون فسوف يستمر التحوير وإعادة التسمية على الصفات وكل ما يتعلق بالشخصيّة، وأنه يكفى التنازل الأول حين تُركت مهمة تسمية الإنسان لذويه وليس للشخص الذى سيحمل الاسم على روحه ويسير به طوال حياته وللأبدية. كان يقول أيضاً أن للاسماء قدسية لايجب أن نعبث بها، ففى بعض القبائل الأفريقية يدركون هذة القدسية ويخفون اسم الطفل مدة طويلة من بعد ولادته قد تمتد لأعوام حتى لايتم استخدام اسمه فى تعويذة تضره، وأنا كنت قد أمنت بهذه القدسية واستخدمت اسمه طوال غيابه فى تعويذات شتى.


ألتقت عينانا .. ألتقت عينىّ بعينىّ "طليقى" .. طليقى وليس زوجى، أما زوجى فلاأعلم أين هو ولا كيف هو .. لا أعلم منذ كان زوجى وكنت أراه ليس هو، وتم طلاقى مِن مَنْ كان يدعى أنه هو وكنت ابحث أنا عن الأخر.


تسمر ! .. نقل نظره بينى وبين الـ"ساندوتش" الذى يمسكه وألتمعت فى عينيه نظرة خجل، كطفل رأته أمه وهو يصنع خطئاً طالما أطمأنت أنه بعيد كل البُعد عنه. رفع يده الأخرى عن عربة الأطفال ووضعها على خصره وتضاعف فى عينيه الخجل "أجل توقفت أيضاً عن الرياضة اليومية التى كنا نمارسها سوياً" رأيتها بوضوح فى عينيه المكسورة .. كان المشهد عبثياً جدا أمام مناديته فكان الحل الوحيد أن انصرف فوراً.


استدرت كأنى لم ألحظه أصلاً وتصنّعت متابعة الفتارين والبضائع فى اتجاه تباعدى عنهم .. كنت اسمع وأنا أغرق بعيداً –أو بالأحرى اتركه غريقاً وأصعد على السطح- صوتها وهو يوجّه إليه حديثاً حاداً "فوفو .. مين دى ؟؟ .. مالك لما شفتها وقـــ...". أكرر دعائاً فى سرى وأنا أبتعد "يارب .. لاتجعل حياة "فوفو" هذا تضطرب بسببى وأنا لاأعرفه ولاأحبه ولا أريده، ولم أكن أريد فى حياتى إلا رفيق".


أعود إلى بيتى –بيتى وحدى- وأنا مرهقة جداً جداً. اليوم بذلت مجهوداً خرافياً، ربما لو قاسه أحد لسجله فى موسوعة "جينس" كأطول مسافة سباحة. اليوم سافرت من قارة لقارة لأعود إلى نفسى، لأفيق من وهمى الذى طالما نبهتنى إليه صديقاتى وكنت لا أصدقهن. "رفيق تلاشى" تلك الحقيقة الحقيقة التى يجب أن اعترف بها، وسوف لايعود أبداً. أُعدّل اللفظ الذى كنَّ تستخدمنه بأنه "مات"، فلو كان مات لكنت ناجيبته من أبديته وتواصلنا بشكل عندى خبرة كافية عنه، لكنه أنعدم! .. لم يعد له وجود.


اليوم إذا عاد "فوفو" هذا إلىّ سيجد ملابس "رفيق" التى عندى لاتناسبه، ذوقها الراقى ومقاساتها لرجل أخر كنت أعرفه وكان رائعاً بحق. سوف لايشتهى طعامى الساخن الصحى اللذيذ، فـ"فوفو" هذا يأكل من محل وجبات سريعة طالما تغنى بمفاسده وسوء نكتَهُ. "فوفو" هذا لديه أبنه جميلة لكنها لاتشبهنى! .. تشبه أمها التى تناديه بـ"فوفو" وهو الذى سوف كان لايقبل أبداً.


اليوم أدركت المعنى الحقيقى للـ"طلاق"، أدركت كيف كانت ترى أمى أبى غريباً عنها رغم أنى كنت أراه أنه هو أبى الذى كان زوجها .. لقد كان وظل أبى، لكنه لم يكن هو زوجها الذى كان تعرفه قبل خط الطلاق، وربما قبل قبل خط الطلاق الرسمى بمسافة لااستطيع أن أقدّرها.


من اليوم سوف لاأردد نشيدى الفيروزى لأنى كفرت بـ"بيطلع ع بالى أرجع أنا وياك .. أنت حلالى أرجع أنا وياك ..بيرجع ع راسى رغم العيال والناس، أنت الأساسى وبحبك بالأساس" .. أجل مازلت أحب "رفيق" واعتبره أساساً لايمكن نقضه فى حياتى، لكنى أدركت أنه لاسبيل لأرجع إليه لأنه ليس بموجود.


أدركت أيضاً أن الـ"طلاق" ليس إجراءاً خاصاً بعلاقات الزواج فقط، لكنى قد طَلّقتْ وطُلِقتُ كثيراً جداً من علاقات كانت روابطها مضفورة فى روحى. صديقات ذهبن أو ذهبت أنا، أختى التى هاجرت وتناقص معدل مكالمتها حتى صار بمعدل مرتين فى السنة وقت الأعياد فقط، أمى التى طلقتنى قبل أن تموت لأنى "خيبت أملها" وجلبت لها العار فى العائلة بطلاقى، إذ اتهمها الجميع بسوء تربيتها لى، وإنها سبب "خراب بيتى"، عمتى التى طلقتنى لأن عليتهم تعتبر الطلاق ذنباً لايغتفر يستدعى الاستئصال. أخى الذى طلقتُه لأنى احسست بخجله منى أمام أسرة خطيبته لكونى مُطلّقة، الكثير والكثير من العلاقات التى انتهت على هذا النحو.


يبقى "الطلاق" إجراءاً صعب الفهم إلا على القانونيين الذين يحددون العلاقات بأوراق رسمية، وكذلك على مَنْ ذاقوا أن تمتزج أوراحهم بأرواح أخرى فى فضاء من "الحب" يصعب معه فصل الأرواح كما السوائل المتجانسة فى كأس، ثم يرون بأعينهم –وحياتهم وعقلوهم وقلوبهم- نظرية لم يذكرها العلم وإن شاهدوها وسجلوها وأمنوا بها .. التلاشى فحتمية الطلاق.

هناك 11 تعليقًا:

  1. من اين جئت بكل هذه الأحاسيس المرهفة والتشبيهات الرقيقة كرقة الدانتيل..وما أجملك وانت تعممين تجربة الطلاق على كل علاقة بترت ولم تعد قد تكون قائمة داخلنا لكنها ابداً لم تعد..حتى لو أردنا وصلها فلن تكون هي هي ..لقد نُحلت الفتلة الأصلية التي ربطتها واضطرينا لربط مكان القطع بأيدينا فلم يعد هو نفس النسيج بل أصبح مشوه يظهر للجميع انه هنا كانت توجد علاقة ما و ....و....وقطعت ..تحياتي ياست الكل

    ردحذف
    الردود
    1. ماما زيزى :) <3
      تحياتى لحضرتك .. مبسوطة جدا بزيارتك وتعليقك
      بفرح لما بشوف حاجة باسم حضرتك.

      حذف
  2. الطلاق لا يحدث الا اذا كان طلاقا روحيا
    و ده صعب لان الحياه مليئة بكثير من التفاصيل الكبيرة و الصغيرة صعب تجاهلها او نسيانها
    ابدعتى يا كارول

    تحياتى

    ردحذف
    الردود
    1. معاك حق ياأستاذ ابراهيم ..
      بس رغم كل شىء بيحصل :(

      شكرا :)

      حذف
  3. تحفة يا كاندى ... ناعمة ... ومتعبة لما الواحد تستعبده مشاعر
    ويفوق فجأة وكأنه كان شبح ف دنيا كلها احياء
    ومش عارف انه فارقهم فعلا من بدرى

    تسلمى يا حبيبتى
    :-*

    ردحذف
    الردود
    1. يااااااا فاتيما !
      وحشانى جدا جدا .. <3
      يارب تكونى بكل خير
      كارثة موضوع الاشباح دا :(

      حذف
  4. المعنى الحقيقي للطلاق
    روعة ما بعدها روعة

    ردحذف
  5. أول زيارة لمدونتك ولكني أكيده أنها لن تكون الأخيرة

    تحدثتي هن لسان الكثيرات من المطلقات واختزلتي عشرات القصص في كلماتك الرائعة

    ردحذف
  6. أجد الطلاق رحمة من الله ولكن الناس ييأسون من رحمة الله الطلاق نعمة للبيوت الخربة وكم من بيوت خربة في مصر .. الميثاق الغليظ لنقضه يحتاج وقت طويل وهي استمرت لأنها أصيلة فقطع الروابط عندها يستنزف من عمرها وروحها .. نعم لطلاق العلاقات المشوهة من صداقات وغيرها وسبحان مقلب القلوب
    وكما قال سيدنا على رضى الله عنه :
    أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما
    دمتي بكل خير
    سماح

    ردحذف
  7. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف