الثلاثاء، 21 أبريل، 2015

"أربعتاشر لزقة بجني"



تتعطل الحافلة بسبب الزحام في مدخل القناة الضيقة المخصصة لها بين منطقة "الإسعاف" وموقف "عبد المنعم رياض" .. أتململ .. متأخرة عن موعدي بأكثر من نصف ساعة، موعدي في جوتة والألمان يحترمون المواعيد ..

أنظر من النافذة فلا أري جمالًا .. تكدس وعوادم وبشر متضايقون، الضيق سيد الموقف. المقعد الأخير أمام الباب الخلفي والمنضدة الصغيرة الخاصة بالـ"كومسري" مكان ملائم للمتضايقين .. ينفث عليهم غضب المحرك وأزيزه، فيزيدهم اشتعالًا.
شيئًا يُقذف عليّ يلحقه نداء "أربعتاشر لزقة بجني" .. تعودت نظام البضائع الطائرة من المترو. لبان .. ألعاب .. مناديل .. ولاصق طبي.

أشعر بأنفراجة! .. أخر مرة اشريت "بلاستر" كان في المترو .. وأول مرة أيضًا، لا أتذكر أني اشتريت لواصق طبية في أي وقت من صيدلية، دائمًا ماتطير إليّ لتنبهني إني احتاجها.

احتاجها كثيرًا، ومع ذلك لاأتوقف لشرائها أبدًا. أتذكر أنها كانت لاتنفذ من حقيبتي الأثيرة –التي تفارقني وتعود كالتائب إلي ربه- فدومًا كتيبة جديدة تلحق أخري تحتضر. أبي احتاجها أكثر من مرة .. مرة لجرح في اصبعه بسبب تقطيع السلطة، ومرة بسبب حبّاية تشرع في الانفجار والنزف.

منذ أن قدمت للقاهرة –من أسبوعين تقريبًا- وأنا أفكر يوميًا أني احتاج "بلاستر" لأن صندلي يسبب جرحًا من احتكاكه مع قدمي في مكان مألوف جدًا لجروح الأحذية، رغم أنه –صندلي- ليس جديدًا.

جاهرت بأني احتاج لشراء اللواصق لمّا كان يشتد عليّ الألم، وكنت "أستسهل" فأضع منديلًا لأمنع الاحتكاك والتسلخ طبقة طبقة بين موضع الألم والحزّ الجلدّي.. وأكمل السير. دائمًا ماأكمل السير رغم الألم...

 لاأقصد من الجملة السابقة أي اسقاطات عميقة عن ألم نفسي أو روحي، أتحدث فقط عن ألم جسدي. جسدي ليس شيئًا سطحيًا بالمناسبة، هو أيضًا يستحق أن أتأمل موفقي معه بذاته.

لماذا لم أشتري بلاستر؟ لماذ اسير بأقدام عليها علامات بُنية ثابتة كوشم لجراح المسامير في قدمي المسيح المصلوب؟ ومن دون تضحية حقيقة ..

لو لم يصعد بائعي الرحيم إلي الحافلة ماكنت اشتريتها اليوم، ولكنت مارست سيرًا جديدًا طويلًا بكثير من التقرحات الألم والشكوي. لمّاذا لا أولّي جسدي الاحترام اللائق؟
الجروح المكشوفة خطرة .. اتحاشي أن أحمل جروحًا نفسية مكشوفة طوال الوقت، أهرع للعلاج بشكل هستيري، حتي لو بدت بمنتهي البساطة خدوشًا نفسية لاتحتاج إلا الوقت القليل لتختفي تمامًا . أما جسدي فلا اترفق به. لماذا تملأ قدماي الندوب والكدمات .. ولماذا علي يدي آثار حروق؟ لماذا اُدللــه أحيانًا، وأتوسم منه القوة المبالغة باقي الوقت؟ .. لماذا لم اشتري لواصق طبية طوال الأسبوعين الماضيين مع أني صرفت مبالغ باهظة علي أشياء كثيرة .. وعبرتُ علي عشرات الصيدليات؟

أعطي للبائع الجوّال الذي اختار أن يحمل "لزقات" تضمد الجروح الصغيرة جنيهًا في طريقة عودته لجمع بضاعته. ينزل من الحافلة التي مازالت لم تتحرك. أنظر للورقة التي تضم "الأربعتاشر لزقة" في امتنان .. شكرًا لأنكِ أتيتِ إلي .. شكرًا يارب لأنك تعتني بي حين أهمل نفسي .. شكرًا لشعور "الطبطبة"والتضميد. وشكرًا لجسدي الذي هو –حاليًا- أعظم مني.

هناك تعليقان (2):