الاثنين، 19 سبتمبر، 2011

23 رقصة كاملة حول الشمس




*مسرح خلاب كروى معلق فى الفضاء .. يدور حول نفسه وحول الشعلة المتوسطة ، ويدور حوله عاكس ضوئى صغير. على طول مساحته تتنوع "الديكورات" والمؤثرات الضوئية وحتى الطبيعية من سحب وأمطار وحبال وبحار ونباتات ... ، وفى كل لفّة حول نفسة ترتفع وتخفت الإضاءة المستمدة من الشعلة ، وفى كل لفّة حول الشعلة تتنوع الأربعة الأكواد الرئيسية لمود العرض .. الشتاء والربيع والصيف والخريف.



*كلٍ على المسرح يرقص فى تشكيلات عظيمة. مدة العرض عام ، ويبدأ العرض الذى يليه آنياً مع أنتهاء سابقه ، بلا فواصل ولا استراحات. يرقص الراقص من لحظة دخوله المسرح حتى لحظة مغادرته -ويحدد المعادين المخرج الأعظم- على أن يختار هو من يرقص معهم مع امكانية إعادة صياغة دوره فى كل حركة بحرية كاملة.



*يظن السطحيون أنه لكى يكون دورهم فى العرض بطولياً فلابد أن يختاروا تجسيد الشخصية الأغنى ، أو الأشهر ، أو الأجمل ... وينسوا أن أدوار البطولة الخالدة لها معايير مختلفة تماماً. ففى تاريخ الراقصين الذين رحلوا أو حتى تاريخهم الأسطورى دائما مايكون البطل –أو البطلة- "بطلاً" لأنه أختار "الصلاح" للنهاية دون ال 606;ظر لأى اعتبارات أخرى ..

ففى قصة أسطورية كـ"ساندريلا" أو "سنوايت" كانت الفتاتان البطلتان الأفقر فى كل شخصيات عرضهن ، وعلى أرض الواقع اختار "غاندى" أن يكون "الأفقر" و "الأبسط" رغم أنه كان من الممكن أن يكون عكس ذلك تماماً .. وأدى رقصتَهُ حافياً. "هيلن كيلر" لم تكن ذات الأمكانيات والمواهب العظمى ولكنها كانت ذات "الإيمان" و "الثقة" و "التفاؤل" وبهم أضاءت وهى لاتعرف معنى النور. "الأم تريزا" لم يكن لها ذلك الفارس الذى تنتظره بعض الفتيات على حصانه الأبيض ذو الأجنحة ليطوف بها الممالك تصنع الخير ، وإنما اختارت هى أن تكون فارسة على حمامة بيضاء تطير على ارتفاعات صغيرة وتغمد سيف الحب فى كل القلوب بشجاعة ومثابرة قد لايرى البعض تفسيراً لها. وأبطال أخرين أفنوا أنفسهم بدون أن ينشغلوا بالبحث عن "إمرأة عظيمة" يلقونها روائهم لتكون وقود دفعهم للقب "الرجل العظيم". بينما عرف آخرون الثنائيات الراقصة بمعنى التكامل فى العظمة ووحدة الهدف مع رفض كل المغريات ناظرين لما هو أبقى وأقيم ، فذابوا فى بعضهم حتى توحدت خطواتهم بل وأنفاسهم ودقات قلوبهم كالزوجان "كورى".



*لايهم نوع الرقص الذى يؤديه الراقص ، سواء كان أنفرادياً أو ثنائياً أو فى جماعات كبيرة ، تحت الإضاءة الساطعة أو فى الإضاءة الخافتة أو كخيال الظل ، كلاسيكياً أو حديث ، على إيقاع هادئ أو بسرعة لاتلتقط العين تفاصيلها ، بمؤثرات مبهرة أو خلفيات متواضعة ، على موسيقى عالمية أو دندنات أولية ، بملابس أنيقة أو عادية ... اختيارات عديدة تتنوع بعدد بصمات الأصابع ، بحيث يكون لكل راقص "تيمته" التى لاتتكرر ، يظل الحكم الأخير ليس "لجمال" الرقصة أو "مدى إبهارها" ولكن بمدى تأثيرها وقيمتها وهدفها فى مجمل العرض بكل تبايناته التى تمتد لسنوات متصلة ، فلايمكن الحكم على العرض من مشهد أو حتى فصل كامل بمدة أكثر من عام . لكن أيضاً كل حركة وحتى انفعال على وجه يساهم ويضيف للعرض ولايمكن التراجع فيه وإنما تصحيحه فى أثناء العرض ، فالعرض بلاكواليس وبلا تداريب خارج العرض الأساسى ... ثمن الخطأ أنه لايمكن إلغائه ولكن يمكن تداركه.



*قد يظن أحد المؤديين أن دوره غير مؤثر ، غير ظاهر ، قبيح ، مشوِِش ، عبثى ... ولكنه ربما ليس كذلك أبداً ، بل ربما يكون بطل المشهد القادم ، بل ربما يكون البطل الآن ولكنه لايرى دوره بالنسبة للمسرح الشاسع ، ربما يكون وحدة أساسية فى تكون مبهر وغيابه فارق ... لاينبغى أن ينشغل الراقص بغير رقصته طالما واثق من صدق أداءه ، وقوة إيقاعه ، وجمال وقوة حركاته .. ولاينبغى أن يحكم هو على دوره لأن عين راقص من قلب العرض ليست بالمرصد المثالى ، ولا خبرته كراقص تتيح له أن يحكم على دوره أو دور غيره أو يتنبأ بالتداعيات القادمة ... فالعرض أكبر وأعظم من خبرته ورؤيته ومجاله ... فقط المخرج الأعظم من له هذا الحق.



*يحق للكل أن يبتكر حركاته الخاصة ، وأن يشترك مع الآخرين فى حملهم بل ودفعهم للتحليق أيضاً. توجد توجيهات المخرج الأعظم التى تختصر الكثير من التجارب الفاشلة للمؤديين. يلتف البعض حول التعليمات الواضحة جداً كى يقنعوا أنفسهم والجميع أنهم يطبقونها ولكن بطريقة أخرى .. قد يقتادون البعض لمنحدرات موت أو يعلقونهم بحبال بالية قانعينهم أنها نسبة محسوبة من المخاطرة على ضوء التعليمات. ولكن التطرف والمغالاة فى لفت النظر واصطناع البطولة الزائفة له ثمن باهظ ... والعرض ليس بلا تقييم.



*قد يتسائل البعض عن ماهية تلك القوة التى تجعل إنساناً أياً كان يرقص لعقود بلا توقف ! ، والمطلوب منه أن يحسن دائماً الأداء ، وأن يغرقه بالقوة والحيوية !! ... ولكنها قوة واحدة دافعة دافقة وتصنع بجدارة الأبطال .. طاقة الحب والإيمان. فإن كان أياً منهما مزيف ، انعكس ذلك جلياً على أداء الراقص مهما حاول إخفاءه ... فالحب المزيف والإيمان المزيف كالطعام المسمم ، لايغذى وإنما يجعل الراقص يلوى من الألم والجزع ... ويعتبره الأخرون رقصة جديدة يعجبون بها ، وهم لايعلمون مدى عذاب صاحبها الداخلى.



*واليوم وأنا أتم 23 رقصة كاملة حول الشمس ، وأبدأ للتو أخرى ... أحاول أن أقيم موقعى ، فلا أعرف على وجه التقريب ، أحاول أن أقيم أدائى فأراه هزيلاً عن توقعاتى ، وغير مرضى بالنسبة لواقعى ، ومخجل بالنسبة لتوجيهات المخرج الأعظم ... لاوقت للراحة ، حركات الرفع والدفع والتغيير لانهائية ، والطاقة صارت تستلزم المزيد والمزيد من الجهد لجلبها بينما تستنفذ بسرعة .. ولكن تبقى دفعة الثقة التى لم تسحب ، والفرصة حتى ولو لساعات أو دقائق ، مزيداً من اللياقة والخبرة اكتسبها أدائى ، واحترافاً لأذنى الموسيقية لأنتظم بمشاركة وحب مع الإيقاع العام الذى يضبط المسرح كله ، قوة أكبر لعضلاتى بها أساهم فى الحركات الصعبة والخطرة وأشارك فى تشكيلات المحترفين فأرفع وأحمِل ، وأتشبث وأُحمَل ...


23 رقصة كاملة حول الشمس ... ولا أعلم كم بقى لى حتى تشير لرقصتى بالانتهاء فأغادر المسرح بغير رجعة أيها المخرج الأعظم منتظرة التقييم الإجمالى الذى من أجله أحاول ألا أنحرف عما تراه أنت فناً إيجابياً رائعاً ، ولكنى أرجو منك أن تمدنى بالقوة وتقتحمنى –فى وسط الضوضاء- بالتوجيه والتعديل والأرشاد ... حتى أؤدى الدور الذى تنتظره منى يوم أدرجتنى فى عرضك الرائع وتركت لى حرية الإبداع.


هناك 3 تعليقات:

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. تحياتي لك
    تدوينة أكثر من رائعة أحببتها كثيرا .. فهي قريبة جدا الى روحي
    اعجبني طريقتك في وصف المسرح الكروي :)
    و الراقصين و طريقة الرقص و حتى وصفتي الاضاءه و الديكور
    و التأمل في رقصاتك ال23 :) و تقييم حياتك
    ( كل سنة و انت طيبة

    ردحذف
  3. ميرسى ياكارول
    وأنتى طيبة :)
    اسمك جميل بيفكرنى بـ..... ;)

    ردحذف