الأربعاء، 15 يونيو، 2011

المركز الرابع فى ساقية الصاوى :) عن قصة يد واحدة


يـَــدّ واحـــدة !

حسناً ... أنه يوم جديد .. وغالباً بلا جديد ... فقط إطار جديد لنفس الصورة ... نفس الأحداث والحياة ، مع تغيير الأرقام فى عداد التاريخ. فلأبدأ إذن رياضتى اليومية ، التى لولاها لمُت مختنقاً من الملل والضجر. رياضتى الرياضة الوحيدة التى يمكن ممارستها "متشعبطاً" فى "الماسورة" الوسطى فى طُرقة "أتوبيس" ... أمارسها خلال الساعة التى أقضيها فى هذا الوضع "النسناسىّ" فى رحلة ذهابى للعمل ، بعد سنتين من الممارسة اليومية – باستثناء أيام الجمعة ، والعطلات الرسمية - أعتقد أنى أصبحت أمهر اللاعبين على مستوى العالم ... هذا إذا كان هناك من يلعب هذه اللعبة التأمليّة فى أى مكان فى العالم غيرى !! ... رياضة "تأمل الأيدى".

رياضة ذهنية نفسية تأملية ممتعة ، فلا مكان فى هذه العجينة البشرية لأى حركة جسدية إلا مساحة محسوبة لتمدد القفص الصدرى لعملية حيويّة لا إرادية. وأحياناً تكون ترفاً غير متاح فيحل محلها حركة روحية تصاعدية تسمى اصطلاحاً "طلوع الروح" ... وقد حدثت مراراً. قواعد اللعبة تنحصر فى رفع العينان والتركيز ، من باطن هذه العجينة البشرية البائسة – المُعذبة صيفاً بالحرارة الشديدة ورائحة العرق ، وشتاءاً بصفعات عواصف رخامية باردة قادمة من فتحات النوافذ المهشّمة – إلى أرض الملعب العُلويّة ... العمود الأفقى المخصص للتشبث.

نسبة الجلوس فى الحافلة لاتتعدى العشرين فى المئة من مُجمَل عدد الركاب ... أما السواد الأعظم فيقف فى ثلث مساحة الحافلة الأوسط رافعاً يد واحدة إلى تلك الأسطوانة العبقرية الوجود !. لو كان الأمر بيدى لمنحت مخترع هذه "الماسورة" جائزة نوبل ، متجاهلاً مخترع الحافلة نفسها. فهذه القطعة المعدنية الصماء تجمع من البشر أهم جزء فى أجسادهم فى تركيز يخلبنى ... "أياديهم".

أجل ... "يد" الانسان أهم جزء فى جسده ... تحديداً كف يده ... مَن يستطيع أن يقول غير ذلك ؟؟ ... إن كل انسان هو "يده" ... هذا ما اكتشفته من رياضتى هذه – التى لم أُكمل بعد باقى تقنياتها وتفاصيلها – فالانسان يفعل كل مايفعل تقريباً بيده ، يأكل ... يشرب ... يكتب ... . إننا عندما نتحدث عن عمل الإنسان – إياً كانت طبيعة العمل – نتحدث عن "عمل يده" ... ومايقدمه لنا الفنانون هو ناتج أياديهم ، العازِفة إذا كانوا موسيقيين ... والراسِمة أو الناحِتة إذا كانوا تشكيليين ... والكاتبة إذا كانوا أدباء ... وهكذا. كل مانأكله مُصاغ بأيادى ... ومانلبسه كذلك ... كل شئ. بل إن شخصية الإنسان هى أيضا تتركز فى يده ... فقط!. وما الذى يميز إنسان عن غيره مِنْ كل مَنْ سبقوه وعاصروه وسيأتوا بعده غير بصمة أصابعه ؟!. عندما يتزوج الناس أو يغيرون وضعهم الاجتماعى ، يضعون الحلقات المعدنية حول أصابعهم ... وقديماَ كان الملوك يضعون أختام مملكتهم فى خواتم أصابعهم. أما أغلب الحِرف والأعمال فتترك أثراً مميزاً لها فى أصابع أصحابها.

حتى النساء أدركن تلك الحقيقة مبكراً ... فبالغن – كعادتهن – فى تجميل أياديهن ، واخترعن طلاء الأظافر ، والحلى ، ورسومات الوشمّ والحناء ، ومرطبات خاصة ... فقط لأياديهن. وعن نفسى لاأظن أن للمرأة جمال غير فى يديها ! ... أجل ، فجمال روحها لايظهر بجلاء من خلال شاشة وجهها أو جسدها ... فقط كفيّها ! ... ولِما لا واليد تحوى قدراً لا بأس به من الأعصاب الناقِلة. إن المرأة الحنون لا تملك أن تشعر بحنيتها إلا من خلال يدها ولمساتها الحانية. والرقيقة لاتلمس رِقّتها – بمعنى تلمس – إلا من خلال سلامها الذى يشبه هفّة جناح الفراش ، وكذلك العمليّة ... والاجتماعيّة. فاعذرينى يا إلهة الجمال "فينوس" ، لأنى أراكِ منزوعة الجمال ... فمهما كنتِ فاتنة فأنتِ بالنسبة لى ميتة لأنك بلا ذراعين. أو قولى لى ... حتى لو أُجبِرت على تقدير جمال وجهك وجسدك ، فأى طريقة أُعبّر بها عن افتتانى بهذا الجمال الكاذب ، وطريقتى الوحيدة لأصبّ خالص حُبى وتقديرى عند امرأة هو أن أنزل على ركبتى وأُقبّل يدها؟.

أما لعبتى – وأعود للحديث عن رياضتى – فهى أنى أتأمل الأيادى بطول العمود الأفقى مُخمناً جنس وسن و وظيفة وحالة صاحبها الاجتماعية ، ومؤخراً أصبحت أصيغ مواقف من حياته وربما بعض أسراره !! ... لايبدو هذا صعباً لمن تدرّب على هذا يومياً وعرف كل المفاتيح.

عدد الأيادى على العمود الأفقى يجعل لللعبة مُعدّل زمنى يثير فىّ التحدى ... فأيادى تنسحب وأيادى تضاف مع كل محطة ... فى بداية ممارستى لهذه اللعبة كنت أقوم بحركة تشبه حركة كشف الورق فى لعبة "الكوتشينة" عندما أفشل فى تخمين جزء من البيانات سالفة الذكر. فعندما أجد يَدّ صماء عن أن تحكى لى عن صاحبها أنزل إلى وجهه وباقى جسده – فى حدود ما يظهر منه فى الزحام – فأُكمل ماكان ناقصاً عندى من خانات ... وأحياناً – فى البدايات أيضاً – كنت اتبّع حركة "كشف الأوراق" هذه لأتأكد من صحة تخمينى ، أما وقد أصبحت محترفاً فنادراً ما أجد يداً تتحدانى وترفض الإفشاء بكل أسرار صاحبها لى ...

لا أعرف لماذا كنت أتذكر فى أول مراحل لعبى – الحافلة بأخطاء المبتدئين – ذلك الفيلم الذى كان فيه البطل الكوميدى مولعاً بأحذية النساء ، يفتن أول مايفتن بها ، ويجمعها من كل حدب وصوب ... فإذا بصديقه عندما يسير على دربه ... ينجذب لحذاء مثير ويغازل صاحبته ، فيجد المرأة التى فوقه بالغة البشاعة ... فيردد فى هلع "لامؤخذة ياخالتى" ! ... ردّدتها كثيراً فى سِرى وأنا أدفن ابتسامتى فى كتفى المرفوع لما كانت تخميناتى يجانبها الصواب ..... تماماً.

الآن الأمر بالغ السهولة – وتقريباً – بلا أخطاء . فهذه اليد السمينة المشعرة ذات "الدِبلة" الفضيّة ، هى لموظف متزوج وأغلب الظنّ أن لديه لحية صغيرة و "ذبيبة" غائرة فى جبهته.

وهذه اليد اليمنى الأنثوية ذات الحلقة الذهبية والطلاء الكامل اللامع لفتاة مخطوبة وشديدة الاعتزاز بجمالها. تلك اليد المعروقة نافرة الأوردة لعجوز على المعاش ... وتلك اليد ذات البقع الفاتحة والأظافر الطويلة المُعتَنى بها لامرأة تحاول استبقاء ما أوشك على الذهاب من أنوثتها.

هذه اليد ذات الأظافر الغليظة المُشقّقة والجلد المُتيبس فى مناطق والمحترق فى مناطق أخرى لعامل ... على الأرجح عامل حدادة أو نجارة أو بِناء. وتلك المزدحمة بخواتم ذهبية متعددة الأحجام لأمرأة نرجسية لاتجد ما تتفاخر به أكثر من غنى زوجها ... الغير متعلِم !! ... يبدو هذا من ذوق الخواتم ... فن قليل ... كُتَل كبيرة.

هذه اليد لفتاة تُرغمها أمها على التزين ... ربما لاجتذاب "العِرسان" ، بينما هى لا تكترث لهذا !! ... أجل عرفت هذا كله فقط من يدها ... أكثر ما يزعج الفتيات – شديدات الالتفات لزينتهن – هو تَقَشُر طلاء الأظافر ... أما من تجد الطلاء وقد صنع على أظافرهن خرائط لقارات لن تُكتَشف أبداً فأعلم أنهنّ يسكُنّ قاراتهن الخاصة. أو أنهنّ عمليات ، يرين ضغط أمهاتهنّ وحرصهن على زيناتهن هراء ... يرضخن مرة بأن يضعن طلاء الأظافر ... ويتمردن مرات بأن يتركنه يتقشّر.

هذه اليد الشابة ذات آثار القلم الرصاص على طول الأصبع لطالب كلية الهندسة قضى الليل كله فى تصميم لوحة ، أو نقلها. وهذه الملوثة بالألوان لزميله طالب الفنون. تلك لفتاة تعانى مشكلات فى أسرتها ، ربما كان والِداها منفصلان ... فلا يمكن أن تكون مشكلة عاطفية فقط هى المُتسبّبة فى كل هذا القلق الذى يجعلها تقضم أظافرها حتى تنزف أناملها ، ويتجلط الدم بشكل بشع مأساوى عليها.

وهذه اليد ... هذه اليد ... آه من هذه اليد !! ... لأول مرة تلفت يد أنثويّة انتباهى لهذا الحد !! ... كم هى جذابة ومُحيّرة ... بسيطة ومزدحمة !! ... كبيت الشعر السهل الممتنع. يد بيضاء غضّة مقصوصة الأظافر كأطفال المدارس ... بلا خواتم أو طلاء ، ولكنها تبدو شديدة النعومة ... تبدو وكأنّ صاحبتها دللتها كثيراً ، أما ما يثير فيها فعلاً هو ذلك الجرح – أو قُلّ الخدش – أسفل الأبهام الأيمن ... ، لأول مرة أشعر بألم جرح فى غير جسدى ، يبدو معذِباً – لى - أكثر مما لو أجريت جراحة فى قلبى ... ولِم لا ؟ وهذا القلب ماهو إلا آلّة ... سمعت حتى أنه لايوجد به عصب للاحساس ... من هو ذلك الجاهل الغبى الذى جعله رمزاً للحب؟ ... هل الحب بلا احساس؟ ... هل الحب – إن وُجِد – يمكن اخفاءُه فى أعماقنا خلف الحواجز العظميّة؟ أم أنه "يعمل" كل مايستطيع بأجمل مايستطيع لمَن نحب متخذاً لذلك العمل "اليد" كأداه ؟ ...

سامحنى يا "كيوبيد" إله الحب ... يبدو رمز الحب – كقلبين يخترقهما سهم واحد – شديد الدمويّة والبشاعة و الغباوة ... هل الحب هو حالة من العذاب المشترك؟ ولماذا نربطه بأدوات الحرب وقوسك هذا بعيد كل البعد عن سلام الحب وبرائته. يبدو أن رياضتى هذه ستُسقِط كل آلهة الأغريق عن عروشهم.

والآن أنا أسقط فى الحب !! ... لا بل اُحلّق !! ... أجل اُحلّق وأنا فى وضع الطيران الذى أنا فيه هذا ... ذراعى مفرودة معلقة فى العمود ،وعينى معلقة بيدها ... أتمنى الآن شيئاً واحداً ... أن أخترق الزحام ... أصل إليها ... وأطلب "يدها" !! ... أجل فقط "يدها" ... أستأذنها فى أن أجربّها فى حضن يدى ... تماماً كما فعل الأمير مع "سندريلا" عندما جرّب قدمها فى الحذاء الذى لديه ... مرة أخرى أربط مابين الأحذية والآيادى – كما فى بداية رياضتى !! – ربما لأن أطرافنا أكثر صدقاً من كلامنا و وجوهنا ... ولكنى أتذكر صيحة الـــ "لامؤخذة ياخالتى" ... فأهبط إلى وجهها. أكاد اطلقها لولا أنى أتمهل قليلاً ... وجهها كأظافرها ... طفولىّ بلا طلاء ... وعيناها محلقتان خارج الحافلة.

تلح علىّ فكرة أن اُجرب يدها فى يدى ... فأنا أؤمن بمبدأ التوافق فى اختيار شريكة الحياة ... توافق اليدان اللتان ستظلان متشابكتان لآخر العمر ... تعملان معاً ... تحتضنان بعضهما ... وتصفقان وقت الفرح.

أفوق من شرودى على يدها تزحف على الأسطوانة الأفقية للحافلة ناحية الباب الأمامى ... ستغادر المحطة القادمة !! ... ازحف خلفها بسرعة ... ليس فى ذهنى ما سوف افعله لكنى لن اُضيّعها. أصل للباب قبلها ... فهى كانت تتشبث فترات أطول فى عصبية بالعمود حتى تتفادى الاصطدام بالأجساد ... أو قل الغوص فيها ... أما أنا فكنت فدائىّ يتخبّط ولا يخشى ما تخشاه الأنثى فى رحلة الاختراق هذه من مُضايقات.

تتوقف الحافلة ... أنظر خلفى فأجدها تهمّ بالنزول ... أنزل وانتظرها ... يدفعها النازلون يميناً ويساراً فى وحشيّة لاتليق بتلك الأميرة التى تحتضن حقيبتها فى أمومة وتتشبث بطرف الباب خشية الوقوع ... تتحرك الحافلة !! ...

يزداد الهلع فى عينى وعينها لسببين مختلفين تماماً ... أمد يدى لاإرادياً وأجذب يدها ... ترتمى يدها فى يدى دون أن تنظر فى وجهى ، وكأنها الغريق الذى وجد أخيراً يد النجاه ... تلقى بنفسها خلف يدها ... تنخفض يدى شِبر تحت ثقل جسدها ، ثم ارفعها بكل قوة شبابى التى ادخرتها لموقف كهذا ... تلتقى عينانا وأنا ارفعها وأمنعها من السقوط ... بل أدفعها للتحليق.

تلك النظرة لن أصفها ... فقط اسألوا عنها عامل مطافئ أنقذ "إنساناً" – وأقول إنساناً لارجلاً ولا أمرأة – هارباً به من ألسنة اللهب ... ماذا قالت عيناه وعين الضحية عندما ألتقتا ؟؟ ... أو منقذ يحمل غريقاً ... أو امرأة تحتضن طفلاً تائهاً تبحث به عن أمه. تلك اللحظة التى يتجرد بطلاها من جنسيهما وسنيهما وثقافتهما و ..... و كل شئ ، فقط تصرخ إنسانيّة أحدهما "أحتاجك" وترد الأخرى "لن أفعل أى شئ إلا أن أساعدك ... لن احيا اللحظة القادمة إلا لكَ" ... فتختم الأولى "وسأمنحك السعادة" !!.

الآن كفّانا متعانقان ... هذا هو رمز الحب الأول والأخير ... الأقوى والأقدر تعبيراً. أرسل لها فى كفّى "لا أريد أن تنفصل يدانا أبداً ... وأنتِ؟" . الآن هى استعادت توازنها على الأرض ... ورحلت الحافلة ، ولكنها لم تسحب يدها من يدى ... بل تَشدّ عليها أكثر ... "حسناً ... وصَلنى الرَدّ".

هناك 6 تعليقات:

  1. مبرووووووووووك
    وراجع أقراها بتأني
    إن شاء الله (:

    ردحذف
  2. ألف ألف مبروك :)
    وعقبال المركز الأول ان شاء الله :)

    ردحذف
  3. ابعتي لي إيميلك علشان فيه ناس بتبقى عايز تعمل حوارات مع الفايزين

    michelhn@gmail.com

    ردحذف
  4. ربما غلبت النزعة الرومانسية في القصة النزعة الواقعية. لكن القصة رائعة بحق.
    دائما أقول أن الكاتب يجب أن ينفث في إبداعه من ثقافته..وأجدك مثقفة كبيرة تعرف بحرفية كيف لا يهرب من يديها الخيط الرفيع بين الثقافة والتقعر والمبالغة.
    التكثيف والوحدة الزمانية والمكانية تكاد تشعر القارىء بوجوده وسط الحدث.
    القصة تحمل روح الأدب النثوي وإن صيغة على لسان ذكوري.

    ربما لأن أطرافنا أكثر صدقاً من كلامنا و وجوهنا.

    ذلك هو بيت القصيد أو بالأحرى القصة (:

    مبروك ثانية (:

    ردحذف
  5. بشمهندس حاتم ...

    ميرسىىىىىىىىى خالص

    واسمحلى لتانى مرة اسجل اعجابى بتحليلك وكومنتاتك تحليلك ...

    وفعلا روح الأدب الانثوى دى انا كنت حاسها من نقط ضعف القصة ، علشان مافيش راجل غالبا يعرف كل الحاجات دى عن الإيدين :))

    ومانكرش أنى فرحت بكومنتك لأنه شهادة اعتز بيها :)

    ميرسى تانى :)

    ردحذف
  6. ميرسى دكتور ميشيل

    وحاضر هابعت ميلى لول أنى مش عارفة إيه نوع الحوارات اللى ممكن تتعمل :)

    ردحذف