الجمعة، 7 يونيو 2013

فارسة الشمس





     لم تكن تعرف أن هذا اسمها .. لو أن اسمها بصفتها فأغلب ظنها أن سمها "فارسة الشمس" .. أو ربما "معبودة الشمس" .. أجل فهى المسئولة عن امتطاء الشمس يومياً والرمح بها فى فضاء السماء ثم إعادتها لمكمنها من الباب الخلفى بسلام.

          تنتظر كل يوم ذلك القرص الصغير كرغيف مقدد، حتى يخرج من حظيرته باهتاً منطفئاً فتستيقظ وتمتطيه كدابة أليفة .. فإذا به يتوهج ! .. يتوهج جداً حتى يجبر القمر على العودة لمنزله منزوياً .. أحداً لايلحظ انسحابه .. لا أحد ! .. حتى الشعراء والفنانين المتكرسين لمراقبة ظهور وانسحاب الشمس والقمر يُأخَذون بالأولى فينسون تسرب الثانى تماماً.

     لون الشمس من لونها .. اشعتها تنتصب مقلداً بتلاتها .. تشعر بعبء ومسئولية يثقلان فرعها الأخضر .. لماذا هى دون كل الزهور المُكلفة برعاية الشمس وقيادتها يومياً لتحرث السماء ؟؟ .. تفكر .. كم عمر هذة البقعة الضوئية ؟؟ .. لماذا هى صغيرة لاتكبر ؟؟ .. لماذا هى ثابتة وليست متجددة مثلها ؟؟ لماذا لاتسكن إلا فوق الحقل التى هى ملِكتَهُ ؟؟

   يزداد احساسها بالهمّ والمسئولية مع زيادة وطأة رغبتها فى أجازة ! .. أجل غداً لاتريد أن ترفع وجهها وتفرد بتلاتها وتقود الشمس .. هل يوجد منها زهرة أخرى تستطيع أن تحل محلها فى وظيفتها ؟؟ .. لاتعتقد .. ربما هناك شموس أخرى تائهة لاتجد من يقودها فتشرد فى صحراء الفضاء وتنطفئ .. أما هى فهى فريدة جداً .. وإلا لو كان هناك أخرى منها لتركتها الشمس وراحت للأخرى. 


     تضجر وتقرر أن لاتؤدى دورها العظيم ليوم واحد .. تشعر فى غفوتها بجلدة حر الشمس على ظهر أوراقها المطوية .. تتعجب ! .. تُؤخذ باندهاش ! .. تحاول أن تفهم كيف هربت الشمس من دون مُروضتها، لكن .. لايُمهلها الجفاف والتيبُس إدراك أى شىء.

الثلاثاء، 30 أبريل 2013

"بأتنين ونص..."





رغم أن الفضائيات ونظام الحياة وإمكانية تنزيل الأفلام على الحاسوب .. كل هذا جعل كل الأيام مناسبة للمشاهدة، وأفقد يوم المتعة والترفيه رونقه .. إلا إنه هاهو ذا، إنه الخميس ! .. ترد "ريهام" .. "واللبّ والأحلام فى كيس". هكذا ردها دائماً منذ خطبتهما حتى الآن، تعشق جاهين وتحفظ قصائده، خاصة قصيدة "يوم الخميس". سلّما أولادهم طقس تقديس الخميس لمشاهدة الأفلام والمرح .. واليوم هو هو.
يجلس "العفاريت" -كما يسميهم- على سجادة الصالون .. يستندون بظهورهم إلى الأريكة التى يجلس هو عليها. تجلس سلمى –الوسطى- فى قفص وهمى، قضبانه من ساقى أبيها.. تتشبث بشدة بقدماه وتستند رأسها على ركبته بينما يلعب هو بخصلاتها الناعمة. "سامر" و "سامى" –الأكبر والأصغر- يلهوان بقطارات تدور على قضبان منصوبة متداخلة .. كانت هذة اللعبة حلمهما، واجتهدا بسببها عاماً دراسياً كاملاً حتى يحصلا عليها -كجائزة دولية- بالمناصفة.


"ريهام" فى المطبخ تصنع الفيشار والحلوى استعداداً للسهرة التلفزيونيّة. حاول "مدحت" أن ينتقى مايشاهده أولاده حتى ينمى لديهم ذوقاً فنياً رفيعاً –كالذى عند أمهم- لكنه كسائر أباء هذا الجيل أفلت منه الزمام تماماً .. الأفلام صارت فيرس يفترس الأطفال –والكبار أيضاً- يصيب لوازم كلامهم، أسلوب حبهم، أماكن وأساليب ترفيههم، ملابسهم، مشاعرهم، كل شىء .. أنه الطاعون ولا شىء سواه !


فلم كوميدى يدور على شاشة التلفاز، ينتبه له الأولاد فيضحكوا ثم ينصرفون عنه لألعابهم ليعودوا إليه مرة أخرى بعد قليل، يتاجذب انتباههم مع الألعاب بينما يتجاذب انتباه "مدحت" مع انتباهه للأولاد .. يشعر برضى يكاد يتخذ شكلاً مادياً ! كأنه طبقة من الكريمة الدافئة تغطى صدره! يشعر بتأثيره على أنفاسه واحساسه بالأمان والمتعة.


شىء فى قلب الكريمة الهشة الدافئة الناعمة يبدو قطعة صلب صدئة، إذا حاول الامساك بها أفسد كل شىء ! .. يحاول أن يمد يد المنطق بهدوء ليستخرجها، أو حتى ليعرفها لكنه يتراجع .. يقرر أن يحافظ على شكل الحلوى الجميل الشهى، ولا داعى لافسادها بهواجس قد تكون خاطئة من الأساس.


يمر مشهد كوميدى على الشاشة، يرفع "سامر" عينيه أثناء اللعب ويتابع .. يبتسم ثم يضحك .. يضحك "سامى" و"سلمى" دون يفهما المشهد.. ثقتهم فى أخيهم وتبعيتهم له تجعلهم تلقائياً يشاركونه ردود أفعاله. يتابع "مدحت" معهم المشهد ويحاول أن يبتسم .. يحاول مرة أخرى وأخرى –على طول المشهد- فيفشل! أخيراً تهتز ذقنه ويبكى بعد أن فشلت محاولاته. يضم شفتيه بقوة ليخرس انفعاله فتصدر رغماً عنه شهقة مكتومة، ترفع "سلمى" عينيها الجميلتين إليه.. "بابا أنت بتعيط ؟ .. بابا ؟" ثم تنفجر فى بكاء هستيرى وتنهض على ركبتيها، تدور لتواجه أبيها .. تدفن رأسها فى بطنه وتخبط صدره بيديها الصغيرتين.. يصاب الولدان بدهشة تجعلهما يتسمران وهما يراقبان والدهما وأختهما .. يطول تجمدهما أمام المشهد السيريالى، يحتضن "مدحت" أبنته ويطلق لبكاءه العنان ...


تهرع "ريهام"  ريهام من المطبخ ممسكتاً بمغرفة بآثار "الآيس كريم" "فى إيه ؟؟ .. مدحت فى إيه ؟؟ مالها البنت ؟؟" .. ينظر "مدحت لريهام بحيرة ..

-مافيش
-أمال يتعيطوا أنتوا الأتنين ليه ؟؟؟
-مش عارف !

تنظر له وللولدين –اللذان مازلا فى وضعهم الصنمىّ- وتشم روح الجنون تكتنفهم كلهم ، وتشعر كأنها تريد أن تحمى فمها وأنفها بيدها كى لا تستنشق غاز الهلوسة الذى تسبب فى لحالة لاتفهم لها سبباً. أخيراً يقرر مدحت تحرير الوضع .. ينزع "سلمى" من حوله برفق .. يسلمها لأمها التى تحملها وهى تنظر إليه فى اندهاش، يوجه خطابه لولديه محاولاً تطمينهم بعد أن أشفق عليهم ...

-بابا كويس هو بس تعبان شوية .. مش هاقدر أشوف معاكم الفلم النهاردة ..
يسير بهدوء فى اتجاه حجرته.. يظل الوضع كــ"كادر" ثابت إلى أن تقرر ريهام لصق قطع الزجاج الشفافة التى انفجرت بشكل غير مرئى واصابت الجميع .. تضع "سلمى" على الأريكة .. تسير بسرعة باتجاه المطبخ..
-عملتكم سلطة فواكه بالأيس كريم اللى انتوا بتحبوها ..
تعود وهى تحمل صينية فوقها تلاتة كؤوس شهية. كأنها حملتهم لكوكب أخر فى طرفة.. يجروا باتجاهها وهم يضحكون ويصيحون.. ترفع الصينية بأعلى من قاماتهم ..
-اقعدوا على الأرض وكل واحد ياخد الكاس بتاعه علشان ماتوسخوش الدنيا ..

يصطفوا وظهورهم للأريكة .. تعطى كل واحد كأس وملعقة ، تراقبهم لنصف دقيقة حتى تطمئن أن كل شىء على مايرام ثم تسير بسرعة باتجاه حجرة النوم...

تفتح الباب وتقف مستندة إليه
-فى إيه !
-مافيش..
-مافيش أزاى !! .. أنت أول مرة تعيط قدام الولاد
يطرق برأسه وهو يعطيها ظهره ..
-صدقينى مافيش .. أنا بس مرهق من الشغل شوية
-ماأنت على طول بتبقى مرهق من الشغل، وبتضحك وتلعب مع الأولاد عادى.. إيه الجديد ؟؟
-ريهام .. ممكن تعذرينى، أنا هاخرج أتمشّى شوية..
-أنا مش فاهماك يامدحت .. من أمتى بتبقى مضايق من حاجة ومش بتشاركنى ؟ إلا بقى لو أنا سبب ضيقك دا ..
-أبداً ياحبيبتى .. بطّلى ظنك دا، أنا بس مخنوق شوية .. أرجوكِ ماتقلقيش خالص وخليكى مع الولاد وأنا هاتمشى شوية أشمّ هوا وأجى ..


كان يقول كل هذا وهو يرتدى ملابسه بالفعل .. فلم تجادله، لتكن شريكته فى القرار حتى ترى نهاية الأمر ..


يخرج .. يمر أمام الأولاد وهو يبتسم محاولاً طمأنتهم، بينما هم لم ينتبهوا إليه أصلاً، يسير خارج البناية ويخرج للشارع الرئيسى وهو لايعلم وجهته ..


يسير .. يفكر فى إجابة السؤال الذى ولد فى عينىّ سلمى، ونما فى أعين "سامى" و "سامر"، ونضج حتى صار وكيل نيابة ناطق ذى صلاحيات فى عينىّ "ريهام" .. لماذا بكى ؟؟ .. يسترجع المشهد التليفزيونى الذى بكى أمامه ليحصل على جواب ..


كان بطل الفلم يفترش سوقاً .. يضح بضاعته الرخيصة أمامه على لوح وينادى "بأتنين ونص .. بأتنين ونص .. بأتنين ونص" بمنتهى الهمة والنشاط، يأتى إليه "زبونان" رجل و إمراءة .. يسألانه عن أسعار بضائع معينة فيقول أسعاراً أعلى قيمة وهو لايعيرهما انتباهاً .. بينما يواصل حماسه ونداءه .. "بأتنين ونص .. بأتنين ونص".


مجرد تذكره للمشهد أهاج مشاعره من جديد .. يبكى فى الشارع ! .. يركن إلى مقعد جانبى فى حديقة عامة ويدفن رأسه بين كفيه ويبكى أكثر وأكثر .. يالله! كيف لهذا المشهد أن يكون فكاهياً بأى حال! أنه المشهد الرئيسى لشرخ روحه! .. أنه هو .. هو ذلك الزبون الساذج الذى يعرج إلى الباعة الذين يرى فيما يقدمون قيمة تساوى مالديه .. فإذا به بعدما يصل يفاجأ بخداعهم .. بكذبهم! .. يقولون له أن مراده أغلى، وأن مالديه لايساوى بضاعتهم .. يتركونه يرجع خاوياً .. وبهذا كانوا يجرحونه كثيراً.


أنه هو ذلك البائع الذى ينادى بحماس على بضاعته، يقول أنها زهيدة وأنه متشوق لزبائنه، يروج لنفسه قبل بضائعه. فلمّا يقترب منه من يرى فيه الصورة التى سوّق نفسه بها يصدمهم بتجاهلهم! .. يصدمهم بتغيير كلامه فى نبرة صوته الخافتة الوديّة عن النبرة العالية الإعلانية الاستعراضية .. وبهذا كان يجرحهم كثيراً.


يتذكر "راندا" حبيبته الأولى التى روج لها كثيراً أنه حبيب مثالىّ، وأنه على استعداد لفعل أى شىء لأجلها .. فلما أقتربت إليه فجأها أن طموحاته ليست "بأتنين ونص" بل ربما بمئات وألوف الأضعاف .. فلن يرضى أن يسكنا معاً شقة صغيرة متواضعة، ولن يرضى بمستوى ملابسها البسيط المحتشم .. فسيكون مدير عام –كما هو الآن- يسكن فيلا كبيرة، وزوجته يجب أن تكون كزوجات رجال الأعمال .. ترتدى ملابس السهرة المكشوفة، وتضع المساحيق الغالية وتصبغ خصلات شعرها كما الموضة الباريسية كل عام. رفضت، فنسب الرفض لها وارتاح ضميريّاً، تركها تنسحب بهدوء مكسورة الخاطر والكبرياء أعاد المناداه "بأتنين ونص .. بأتنين ونص" ليجتذب "زبونة" أخرى وأخرى .. كثيرات مرنن عليه حتى وصلت إليه "ريهام" التى اعطته عمراً جديداً نقياً، كانت هى توبته وكفارته عن أحلامه "النصّابة" .. لكنه لم يتب عن ماضيه قبلها !


يتذكر "رشاد" يشعر بغصّة فى حلقه مع احساس عميق بالإهانة .. كان أبيه الروحى على كل المتسويات، قوته ومثله الأعلى .. كان نبياً فى عينيه. كان يحب الأدب والثقافة مثله، وكان يعمل فى نفس مجاله، كان يحبه لدرجة أن ملامح وجهة بدأت تعيد تشكيلها ذاتياً لتأخذ من ملامحه، حتى كان كل من يراهما يظنه أبنه بالجسد! .. حتى اكتشف أن أغلب كتاباته سرقات أدبية، وأن مبادئه المثالية نظريّة، بل أنه يخالفها فى الواقع غالباً، أكتشف أنه مختلس ومزور، ولمّا واجهه اعترف بابتسامه صفراء مُبرراً أنّ "السوق عايز كدة" و "لازم تاكل اللى قدامك قبل ما ياكلك" و أنّ "المثاليات ماأتكلش عيش" .. ربما كانت هذة من أكبر صدمات حياته، حينما أعتقد أن البضاعة ذات "أتنين ونص" لن تباع أبداً بالثمن الذى أعلن لها، وأن الكلام الودى ساعة الشراء مختلف تماماً عن الصيت! .. كلما تذكر "رشاد" حتى الآن يشعر بأنه يكره كل تفاصيله، يكره حتى نفسه فى الفترة التى كان مصدقاً وتابعاً لهذا الكيان البغيض الكذّاب.


ياإلهى! .. كيف لمشهد كهذا أن يصير فكاهياً ؟؟ أى مأساة يضحك البشر عليها ؟؟ يشعر بالشفقة الكبيرة على أطفاله .. اليوم يضحكون وغداً سيبكون، وعلى نفس الموقف! .. يرون اليوم البطل كوميدياً ..وغداً سيرونه نصاباً خسيساً. يرون "الكومبارس" المشترون مغفلين .. وغداً سيعرفون أن كل خطيتهم هى أنهم صدّقوا .. فقط صدقوا !
يشعر بالشفقة على "سلمى" .. تجتاحه الرغبة فى أن يقتل كل الكذابين -حتى من يدعى الفكاهة منهم- حرصاً عليها، أما غير المستقمين –لو كانوا صادقين- فلاخوف منهم، من يسقط معهم فسيسقط بكامل رغبته الحرة .. ولاحكر على الحريات فى سبيل المثاليات فليخطئ من يخطئ مدام يريد هذا غير متورط.


يفكر فى "سامى" و "سامر" .. لايريد لهم أن يتعلموا "التسويق" لأى شئ فى مشوار حياتهم –ولاحتى أنفسهم- بطريقة "أتنين ونص" ويفرحوا بتوافد الزبائن من كل حدب وصوب، بينما هم فعلياً ليس لديهم بضائع بهذا السعر .. سوف لايكترثون بانصراف الزبائن مكسورى الخواطر، سوف لايعرفون أن هذا يورثهم لعنة أبدية كالتى يشعر بها الآن.


يغرق فى التفكير .. يمر شريط حياته أمامه يرى فيه مشهداً واحداً مكرراً، مرة يكون هو مكان البطل البائع و مرة مكان المشترين. يفكر فى حياته كحلقة نصب مملة وهو فيها نصاباً أو منصوباً عليه. يجفف دموعه .. يشعر ببعض التطهر، ينظر فى ساعته فيدرك أنه قد تأخر، ينهض ويسير فى اتجاه منزله ...


يدخل منزله بهدوء كى لايوقظ الأولاد إذا كانوا قد ناموا. يرى ريهام مددة على الاريكة تتابع فلما على التلفاز وحدها. يسألها عن الأولاد فتخبره أنهم ناموا بعد انتهاء الفلم. تنظر إليه طالبة تفسير عن ماسبق. يباغتها بسؤال .. "ريهام .. أنتى بتشترى من الناس اللى بينادوا على بضاعتهم فى السوق ؟" .. تصمت لعدة ثوان محاولة فهم مغزى السؤال ثم تجيب بعد حيرة ..

-"آه طبعا .. عادى .. فى مشكلة؟"
-"لأ.. بسأل بس .. وتشترى منهم بالتمن اللى بياندوا بيه؟"
-"لأطبعاً !"
-"ليه؟"
-"علشان هما نصابين وعارفين أنهم نصابين، ومتأكدين مية المية أن ماحدش هايشترى بالتمن اللى بينادوا بيه من غير مايفاصل .. وإلا هايبقى مغفل ومغلوب. دا حتى الأجانب اتعلموا الفصال .."


يندهش جدا  من فطنتها ! ثم من جديد يبكى، ينهض ويحتضنها وهى متسمرة مكانها

-"ريهام" .. قد إيه أنا فخور بيكى، ومطمن على ولادى أنك أمهم اللى بتربيهم، سامحينى يا"ريهام" وأدعى ربنا يسامحنى .. وأدعى ربنا يعوّض كل حد صدق بحسن نيّة واشترى من غير مايفاصل ..

لاتفهم شيئاً على الإطلاق، لكنها –بفطنتها- تدرك أن الكلام ليس سطحياً، وأن مدحت متألم جداً .. تعرف صوته جيداً، واحساسه يهز ضلوعها ..
-مسامحاك .. وربنا يشفى كسرة قلب المجروحين ...
يتنهد من قلبه ..
-أمين.

السبت، 13 أبريل 2013

طلاق ...





لم أكن أفهم أبداً معنى كلمة "طلاق". منذ كنت طفلة صغيرة اسمع أمى تطلبه، وحتى حَصُلَتْ عليه لم أفهم ماهو، أو كيف هو؟ وحتى كنت أطالب أنا به وحصلت عليه لم أفهمه .. لم أفهمه قبل الآن! .. والآن فقط فهمته.


كنت أتسأل منذ التاسعة وحتى طُلِقت .. كيف لمن هو زوجى أن يصير غريب! كيف لمن تشاركنا الفراش والغطاء والبكاء والضحك والأكل واللعب والمعالق والأكواب والمناشف ومشاهدة الأفلام وتمشيه شراء الملابس ومبادلة الأحذية المريحة و غيرها وغيرها.. أن نصير بين يوم وليلة أغراب!


لماذا لايُفسَخ عقد الأبوة أو الأمومة أو البنوة أو الأخوّة .. ويسمح فقط بفسخ عقد الزواج ؟ مع أنّ لهذا العقد مايميزه. فكل العلاقات السابقة فُرضت فرضاً على الإنسان .. يستقظ من غفوة العدم فيجد نفسه عضواً فى أسرة هؤلاء اعضاءها.. قليلون يحتجون على تشكيل الفريق الأسرىّ الذين وجدوا أنفسهم فيه، يذهبون للانتداب كلاعبين فى وطن أخر ومجتمع آخر. البعض لايملك الشجاعة الكافية لتمزيق العقد وإنهاء التعاقد والاستضافة بشكل كامل فيحافظ على خيط رفيع متهرئ ليُسكت ضميره والمجتمع بنداءات "صلة الرحم" اللاعقلانية. كيف لـ"رحم" أن يتحكم فى حياتى ويسود على العقل والقلب ؟؟ .. كيف لروبط الدم –السائل- أن تكون أقوى من روابط العضلات العاطفية التى تنمو وتتغذى على تمارين الحب ذات الاختيار الحر ؟


منذ طُلِقت من "رفيق" وأنا اعتبره زوجى مع وقف التنفيذ. أحبه، أخاف على كرامته وسيرته وكل مايخصه .. اُشاركه بشكل روحى كل تفاصيل حياتى كما كنّا نفعل فى فترة زواجنا .. أصبح نشيدى اليومى أغنية فيروز "كيفك أنت" .. أناجيه بها كل صباح ومساء. فى نقلات الفصول اُخزن ملابسه الصيفية أو التشوية بعناية وأعيد غسيل وكىّ الأخرى لتكون جاهزة لاستخدامه فى حال عودته أى وقت. لم أتوقف عن طبخ الطعام بالطريقة التى يحبها، كنت انظر لباب منزلنا وأنا أضع الطعام على الطاولة لكل وجبة .. هيا تعال الآن –لابعد ربع أو نصف ساعة- لتأكله وهو ساخن كما تحب أن تأكل طعامك دائماً.


عندما ترى صديقاتى نمط حياتى الملتبس به يشفقن علىّ "إذا كنتِ تحبينه كل هذا الحب .. فلماذا طلبتِ الطلاق واصررت عليه ؟!" .. هن لايعرفن، لايعرفن أن أن "رفيق" الذى طلبت منه الطلاق ووافق عليه بلاجدل لم يكن هو "رفيق" الذى أحببته وأحببنى، وليس هو رفيق الذى أحيا مع شبحه الآن. "رفيق" الذى ذهب كماء خلف بوابة أندفع بقوة بمجرد انفتاحها ليس "هو" رفيق الشجرة ذات الجذور الذى كان مصدر كل الظل والثمر اللذيذ فى حياتى .. هذا الأخير كان بالنسبة لى ثابت راسخ لايحركه شىء ولا أعتى العواصف، لايمكن أبداً أن يغير مكانه ولاأن يذهب لأى مكان خارج جنتى .. فإذا ذهب فهو ليس هو.


اليوم رأيت "رفيق" الذى لم يعد فيه شىء من الذى كنت أعرفه غير اسمه .. بل أنه غيره هو الآخر على الأرجح! .. كنت أعرف أنه تزوج وأنجب، عرفت هذا من خلال أصدقاء مشتركين ومن قلبهم عرفت عندما أخبرتنى فيروز "كيفك؟ قال عم بيقولوا صار عندك ولاد"، لم يضايقنى هذا أبداً، فزوجى سوف يعود إلىّ لأن بيننا صلة روح لايمكن قطعها، أما هذا الآخر فهو زوج لأخرى لاأعرفها ولاأعرفه.


كان يسير فى "المول" مع زوجته وطفلته الجميلة كأمها، لم انتبه له. كنت واقفه أمام "فاترينة" لعرض ملابس الأطفال، أعجبنى فستان لطفلة فى عمر عام .. اعجبنى جدا حتى أنى رفعت عينى لأحفظ اسم المحل حتى عندما يعود "رفيق" أتى به لهنا لأريه الفستان ونشتريه أو لانشتريه –حسب ماتنفق- لطفلتنا القادمة. كانت واقفة بجانبى ويبدو أنه اعجبها هى الأخرى.. عفواً سيدتى، هذا الفستان لطفلتى .. تلفتت حولها بتوتر ثم استقرت عينيها على رجل يدفع عربة أطفال تنام فيها طفلة جميلة.. نادت "فوفو.. تعال وانظر هذا الفستان لمَلَك" .. ألتفت لــ"فوفو" هذا لأجده هو ! .. لكنه لم يكن هو تماماً !


كان رأسه بتقسيم جديد لأماكن الشعر والصلع وبتسريحة غير التى كنت أصنعها له. خصره تم احتلاله بمستعمرات دهون رهيبة فى توزيع عشوائى. رسم على وجه -الذى صار منتفخاً بشكل طمس ملامحه الوسيمة- شارب و "سكسوكة" جعلته أشبه برجال كثيرين .. رجال لهم نفس القالب وهو الذى كان لايشبه أحداً. كان ممسكاً بـ"ساندوتش" من محل من محلات الوجبات السريعة أعرف أنه كان يكرهه تماماً ! .. كانت تناديه بـ"فوفو" وهو الذى كان يرفض تماما مايسمى "باسماء الدلع" حتى أنه كان ينادينى باسمى الذى لم استخدمه إلا فى أوراقى الرسمية .. كان يقول أن اسم الإنسان هو ذاته لايجب اختزاله أو تحويره، وإذا تنازل الإنسان فيما يناديه به الآخرون فسوف يستمر التحوير وإعادة التسمية على الصفات وكل ما يتعلق بالشخصيّة، وأنه يكفى التنازل الأول حين تُركت مهمة تسمية الإنسان لذويه وليس للشخص الذى سيحمل الاسم على روحه ويسير به طوال حياته وللأبدية. كان يقول أيضاً أن للاسماء قدسية لايجب أن نعبث بها، ففى بعض القبائل الأفريقية يدركون هذة القدسية ويخفون اسم الطفل مدة طويلة من بعد ولادته قد تمتد لأعوام حتى لايتم استخدام اسمه فى تعويذة تضره، وأنا كنت قد أمنت بهذه القدسية واستخدمت اسمه طوال غيابه فى تعويذات شتى.


ألتقت عينانا .. ألتقت عينىّ بعينىّ "طليقى" .. طليقى وليس زوجى، أما زوجى فلاأعلم أين هو ولا كيف هو .. لا أعلم منذ كان زوجى وكنت أراه ليس هو، وتم طلاقى مِن مَنْ كان يدعى أنه هو وكنت ابحث أنا عن الأخر.


تسمر ! .. نقل نظره بينى وبين الـ"ساندوتش" الذى يمسكه وألتمعت فى عينيه نظرة خجل، كطفل رأته أمه وهو يصنع خطئاً طالما أطمأنت أنه بعيد كل البُعد عنه. رفع يده الأخرى عن عربة الأطفال ووضعها على خصره وتضاعف فى عينيه الخجل "أجل توقفت أيضاً عن الرياضة اليومية التى كنا نمارسها سوياً" رأيتها بوضوح فى عينيه المكسورة .. كان المشهد عبثياً جدا أمام مناديته فكان الحل الوحيد أن انصرف فوراً.


استدرت كأنى لم ألحظه أصلاً وتصنّعت متابعة الفتارين والبضائع فى اتجاه تباعدى عنهم .. كنت اسمع وأنا أغرق بعيداً –أو بالأحرى اتركه غريقاً وأصعد على السطح- صوتها وهو يوجّه إليه حديثاً حاداً "فوفو .. مين دى ؟؟ .. مالك لما شفتها وقـــ...". أكرر دعائاً فى سرى وأنا أبتعد "يارب .. لاتجعل حياة "فوفو" هذا تضطرب بسببى وأنا لاأعرفه ولاأحبه ولا أريده، ولم أكن أريد فى حياتى إلا رفيق".


أعود إلى بيتى –بيتى وحدى- وأنا مرهقة جداً جداً. اليوم بذلت مجهوداً خرافياً، ربما لو قاسه أحد لسجله فى موسوعة "جينس" كأطول مسافة سباحة. اليوم سافرت من قارة لقارة لأعود إلى نفسى، لأفيق من وهمى الذى طالما نبهتنى إليه صديقاتى وكنت لا أصدقهن. "رفيق تلاشى" تلك الحقيقة الحقيقة التى يجب أن اعترف بها، وسوف لايعود أبداً. أُعدّل اللفظ الذى كنَّ تستخدمنه بأنه "مات"، فلو كان مات لكنت ناجيبته من أبديته وتواصلنا بشكل عندى خبرة كافية عنه، لكنه أنعدم! .. لم يعد له وجود.


اليوم إذا عاد "فوفو" هذا إلىّ سيجد ملابس "رفيق" التى عندى لاتناسبه، ذوقها الراقى ومقاساتها لرجل أخر كنت أعرفه وكان رائعاً بحق. سوف لايشتهى طعامى الساخن الصحى اللذيذ، فـ"فوفو" هذا يأكل من محل وجبات سريعة طالما تغنى بمفاسده وسوء نكتَهُ. "فوفو" هذا لديه أبنه جميلة لكنها لاتشبهنى! .. تشبه أمها التى تناديه بـ"فوفو" وهو الذى سوف كان لايقبل أبداً.


اليوم أدركت المعنى الحقيقى للـ"طلاق"، أدركت كيف كانت ترى أمى أبى غريباً عنها رغم أنى كنت أراه أنه هو أبى الذى كان زوجها .. لقد كان وظل أبى، لكنه لم يكن هو زوجها الذى كان تعرفه قبل خط الطلاق، وربما قبل قبل خط الطلاق الرسمى بمسافة لااستطيع أن أقدّرها.


من اليوم سوف لاأردد نشيدى الفيروزى لأنى كفرت بـ"بيطلع ع بالى أرجع أنا وياك .. أنت حلالى أرجع أنا وياك ..بيرجع ع راسى رغم العيال والناس، أنت الأساسى وبحبك بالأساس" .. أجل مازلت أحب "رفيق" واعتبره أساساً لايمكن نقضه فى حياتى، لكنى أدركت أنه لاسبيل لأرجع إليه لأنه ليس بموجود.


أدركت أيضاً أن الـ"طلاق" ليس إجراءاً خاصاً بعلاقات الزواج فقط، لكنى قد طَلّقتْ وطُلِقتُ كثيراً جداً من علاقات كانت روابطها مضفورة فى روحى. صديقات ذهبن أو ذهبت أنا، أختى التى هاجرت وتناقص معدل مكالمتها حتى صار بمعدل مرتين فى السنة وقت الأعياد فقط، أمى التى طلقتنى قبل أن تموت لأنى "خيبت أملها" وجلبت لها العار فى العائلة بطلاقى، إذ اتهمها الجميع بسوء تربيتها لى، وإنها سبب "خراب بيتى"، عمتى التى طلقتنى لأن عليتهم تعتبر الطلاق ذنباً لايغتفر يستدعى الاستئصال. أخى الذى طلقتُه لأنى احسست بخجله منى أمام أسرة خطيبته لكونى مُطلّقة، الكثير والكثير من العلاقات التى انتهت على هذا النحو.


يبقى "الطلاق" إجراءاً صعب الفهم إلا على القانونيين الذين يحددون العلاقات بأوراق رسمية، وكذلك على مَنْ ذاقوا أن تمتزج أوراحهم بأرواح أخرى فى فضاء من "الحب" يصعب معه فصل الأرواح كما السوائل المتجانسة فى كأس، ثم يرون بأعينهم –وحياتهم وعقلوهم وقلوبهم- نظرية لم يذكرها العلم وإن شاهدوها وسجلوها وأمنوا بها .. التلاشى فحتمية الطلاق.

الاثنين، 25 مارس 2013

قصة فتلة ...





بدأت حياتها كـ"فتلة"يوم انفصلت عن بكرة الخيط ، قبلها كانت لاتعرف نفسها .. كانت جزء من كيان سرمدى -بالنسبة لها- لاتعرف بدايته من نهايته .. الآن تستطيع أن تميز طرفاها ، ترى بدايتها ونهايتها.


وعيها بمحدودياتها لايشعرها بضعف أو عجز ، بل الآن فقط تفكر فيما يمكن أن تفعله بنفسها ، قبلها لم تكنْ تعى من الأصل معنى "الفعل" ، إذ كانت تُضفر وتستغل بقدريّة فيما يحاك به الخيط كله..


الآن فقط يمكن أن تكون لها هويّة مستقلة .. فى بكرة الخيط لايمكن أن يكون لجزء من الخيط ملمس أو سمك أو لون مختلف عن باقى الامتداد .. الآن تستطيع ! .. تستطيع أن تُقوّى أو تُنَسّل خيوطاً من ذاتها ، تستطيع أن تصطبغ بلون تختاره .. تستطيع أن تفعل أشياء -بنفسها لنفسها- كثيرة ...


فريقان يدينان الانفصال .. البعض يدعى أنه وحدها ستكون بلاقيمة ، القيمة فى المجموع .. فريق يؤمن بالكثرة التى تغلب الشجاعة ولا يعرف أنها اختارت الانفصال لتنغلب بشجاعة .. فتغلب.


وفريق يحذر من التعقيد ، لما صارا طرفاها أقصر .. صارا أقرب ، وصارت عرضة -كفتلة-أن تتعد أكثر وأكثر. ومن قال أنها بانفصالها صارت مُنزّهة عن الألتفاف والتعقيد ؟ لكنّ عقدها الآن تخصها .. ليست مسئولة عن تعقيدات بكرة بأكملها ، بل أنه بسبب قصرها وتحكمها فى طرفاها سيكون التعامل أبسط والعبور من داخل وخارج الضغطات والانحنائات والشدّات أكثر سهولة ورشاقة.


هل الفتلة -ككيان مستقل- لايمكن أن تكون أبداً شيئاً عظيماً ؟ .. تتضافر وتتناسج البكرات فى محاولات صنع معاطف كبيرة سميكة تدفئ البشر ، فى تتكالب وتتكاتف لنسج غطاء شتوى ثقيل .. لكن "غُرزة" واحدة لشريان نازف هى الحياة لجريح ، ويستطيع -نفس الشخص- أن يستغنى ببساطة عن كل مايثقلة إذا أدرك أن الدفء ناتج منه إذا تحرك ، وأن الملابس تقوم بدور عوازل ، لا مولدات حرارية. العظمة ليست فى كمّ ، ليست فى حجم أو وزن .. تستطيع الفتلة أن تكون "عظيمة" أو "حقيرة" بنفس الفرصة المتاحة لبكرة الخيط ، بل بحرية أكبر لأنها ليست كياناً -بالنسبة لنفسها- جمعياً سرمدياً ، بل فتلة تعى ذاتها.

السبت، 16 مارس 2013

المركز الثالث -مسابقة مغامير للقصة القصيرة

كاتبيها "كارول" مش "كارولين" بس عادى .. الدلع مطلوب برضه :D

مش متعودة على السفر صدّة ردة زى كورة الأسكواش كدة ، بالذات فى ظل الظروف العصيبة التى تمر بها البلاد .. بس لما ذهبت التعبة وبقيت الفكرة حسيت بقيمة الزيارة ..


المكان كان متحف أحمد شوقة باشا ... قصور البشوات حاجة تانية برضه ، فى أماكن الواحد بيحس فى حضرتها أنه صعلوك ..

فرحت بالمجموعة "مغامير" ، والوسط الثقافى الراقى الدافى ..


فرحت أنى شفت لبنى لأول مرة بعد معرض الكتاب 2012 .. ماكنتش فاكرة أنها وحشانى كدة غير لما شفتها ! ..
ووعدتنى أن ليهم زيارة فى للمنيا لتوقيع الكتب الجماعية .. خبر زى دا بجد مش مخلينى على بعضى ، أخيراً الحلم هايتحقق !!
ربنا يكمل الموضوع دا على خير ومرسى مايجيش يوم الخميس علشان يلاقوا منيا -مش أطلال المنيا- يزروها ، وبعون الله هاتحلفوا بالزيارة دى عمركم كله .. لما الملكة نفرتيتى تقول كلمة فهى لها ;)

فرحت أنى شفت كيرلس -من الجمعية الفلسفية فى جامعة القاهرة ورئيس تحرير مجلتين تلاتة ثقافية وفلسفية  ومع أنى مش بفهم تلت تربع كلامه ، بس فهمت انه استمتع بالحفلة وعجبته القصة ، وانى شجعته على النشر .. طب قشطة :D

فرحت بالتكريم فى التوقيت دا بالذات .. أنا بجد مؤمنة بالصدفة ، وبجد الوقت دا بالذات ربنا عارف قد إيه أنا كنت محتاجة أى حاجة تلمس -مش حتى ترفع- روحى المعنوية ، فى ظل الضغوط الكتير اللى بتعرضلها ، ومنها الشغل اللى بكتب منه التدوينة دى (سامحنى يارب) .. كمان كنت حاسة أنى هانسحب من الوسط الأدبى ، أو بالفعل انسحبت .. لكن الحفلة جت تزقنى تانى فى الحاجة اللى بعملها بمزاج وأنا بحبها.


المهم إيه بقى ؟؟ المهم أنى مستنياكم فى المنيا بفااااااااارغ الصبر (إيه فارغ الصبر دا ؟؟) ^_^


الأربعاء، 13 مارس 2013

حفل مسابقة مغامير للقصة القصيرة

بكرة الخميس 14 -3 .. حفلة توزريع جوايز القصة القصيرة لمسابقة اسمها "مغامير" فى متحف أحمد شوقى ..
هانزل أحضر الحفلة علشان باين كدة -والله أعلم- أنى كسبت ^_^

مين من الأخوة المدونين رايح ؟؟

متغاظة أنى مش بحضر معاكم أى فاعليات أو لقاءات وحتى معرض الكتاب مانزلتوش .. طب إيه ؟؟

لينك الإفينت أهو :
https://www.facebook.com/events/516574138384487/

السبت، 16 فبراير 2013

جدر بطاطا

الشرارة الأولى لفكرة القصة جتلى من تعليق د.مصطفى سيف الدين على البوست دا :

وبعدين كتبت لما قريت قصة "عمر صلاح"  دا اللى كتبت عنها إيفرونيا هنا  ، وفاتيما هنا

القصة إهداء لروح عمر صلاح .. اللى ربنا رحمه ..
ربنا يعزى أسرته ويرحمنا إحنا كمان







برد .. برد .. لا استطيع أن احتمله ، متى سوف أموت أو أفقد الوعى من احساسى بالبرد ؟؟ .. لم يمر علىّ شتاء أشعر فيه "بآلام البرد" كما فى هذا العام .. قدماى وكل عظامى يعذبهما ألم من نوع خاص .. تخطر لى خاطرة أن أهل الجحيم هم الأوفر حظاً .. إن ألام الاحتراق ربما تكون أهوّن مما أعانيه الآن ، بل وأكثر .. أن الدفء حتى الموت أفضل للقلوب من موت تجمُّداً. هكذا البشر من جهة آلامهم .. الكل يظن أن ألمٌه هو الأفظع ، وأن ألم الأخرين مُحتمل عن ما يعانيه .. أتذكر أنى عندما كنت أعانى من الصداع المُزمن كتبت دعاء أن يرحم الله كل مصابى الصداع حول العالم ويرحمنى .. أو يبتلينا جميعاً بأى وجع أخر فى أى مكان فى أجسادنا وليدع رؤسنا سالمة ، إذ هى جعبة أفكارنا ومشاعرنا ولوحة تحكم أجسادنا. الآن أشعر أن البرد هو الأسوأ على إطلاق رغم أنه ليس مرضاً من الأساس !

لماذا أشعر بالبرد الآن أكثر من أى وقت مضى ؟ هل لأنى أخيراً أدركت واعترفت أنى بالحقيقة "عريان" ؟ .. أجل ، عارٍ تماماً رغم طبقات ملابسى المتعددة .. عارٍ من الدفء الأبوى والأخوى وطبقات الأصحاب التى كانت دائما تحوطتنى .. وأخيراً من حرير حب الحبيبة. هل كانت يداى دافئتان طوال الوقت لشعورهما باتزام أن تدفئ يداها ؟ أم أن يدها الصغيرة كانت شعلة الدفء فى قلب يدى تمنح حياتى كلها الحرارة والضوء الهادئ ؟

أسير على غير هدى .. كابوسى ليس فى نومى ، بل فى صحوى .. فى ادراكى لوحدتى .. قدماى تمتثل لردار غامض وتقودانى دائماً لأماكن تجمعات البشر .. استدفئ بأنفاس الازدحام. يعبّر مصطلح "أخلاق الزحام" عن صفات سلبية لمجتمع ما ، أما بالنسبة لى "فاحساس الزحام" هو المعادل النفسى لمفهوم الأمان ..

أسير وأسير .. أفكر فى معنى حياتى وخبراتى السابقة .. أفكر فى كل النصائح التى تلقيتها منذ خروجى للحياة وحتى قبل ساعات قليلة .. هراء .. كل النصائح هراء .. مصطلع "نصيحة" فى جوهره ، هو تغليف لحالة التعذيب السادية التى يمارسها "الكبار" و "الحكماء" على المعَذَبين من أمثالى. لماذا تنصحنى ؟؟ لأنى قد وقعت فى مشكلة ؟ حسناً .. دعنى لألامى إن لم تكن قد أتيت لتضميد جراحى ومداوتى ، لا احتاج نصيحتك الرخيصة .. الآن عندى ذلك الجرح المُشرّف المدعو "خبرة". هل لأنى لم أقع بعد فى مشكلة ، وتريد تجنيبى إياها ؟ .. وفر عنك عناء الكلمات .. الإنسان لايتعلم بما يدخل أدنه ، بل بما يدخل قلبه وعقلة ويمتصه كيانه سواء "بالخبرة" أو أى نوع من أنواع الصدمة. لاتورثنى أيضاً خوف من مجهول ، ربما لايكون عندى –بالفطرة- قدر من الحماقة يوقعنى فيما وقعت فيه ، فالحذر ليس ناتج نصيحة فقط ، بل هو ليس ناتج نصيحة أصلاً. أو قل لى ماذا أنتفعت أنت يا ناصحى مما سمعت من نصائح فى حياتك ؟؟ لماذا إذن تلقننى "خبراتك" ولا تريد لى أن تكون حياتى حاصل خبرات مثلك لأنصح بها أخرين. شىء مدهش أن يستغل البشر حماقتهم وكبواتهم ليمارسوا نوعاً من "الحكمة" على الأخرين الأقل حماقة !

يجذبنى صوته فى شرودى .. تأذخنى قدماى إليه .. يختل ردارى ويظنُّه مجموعة –وليس فرداً- لسبب الكورال الذى يغنى خلفه .. يغنى ويرد عليه صوت الكورال فى الراديو على عربة البطاطا. لا أميزه لاختفاءه وراء الفرن على العربة المتواضعة. أدور حولها فأجد طفلاً -يغنى مع الرايو-  ووجهه مضئ كالقديسين ! ، ضوء الفرن الهادئ يضفى عليه هالة من القداسة والغموض الساحر .. ينظر إلىّ وكأنه يبتسم ، أدقق فأجده لايبتسم حقاً .. يطول التحديق ويظهر فى وجهه الاستفهام. "عايز بطاطا" .. كان لابد أن أطلب ، لو انصرفت بعد تحديق –لاأعرف كم زمانه- للعننى فى سِره ، لاتنقصنى لعنة قديس فى حياتى البائسة.

-اتفضل ياباشا
-لأ أنا عايز ده .. خد الخمسة ومش عايز باقى
-جدر البطاطا بجنيه يابيه .. عايز تدينى خمسة خد خمس جدور ، ولو مامعكش فكّة أفوكّلك
-أصلى طلبت واحدة مخصوص
-وماله .. نفس السعر ، بس هاتستنى شوية

فى الحقيقة هذا هو سبب طلبى المخصوص ، كنت أريد الانتظار ولا يوجد مبرر غير انتظار ثمرة نيئة حتى تنضج. لماذا أريد الانتظار ؟ .. هل لأختلس حرارة الفرن ؟ .. هل لأسمع الأغنية القديمة ذات اللونين الأبيض والأسود حتى النهاية ؟ .. لماذا ؟؟

-بس أنت ليه بتقول جِدر بطاطا مش كوز أو زِر زى ماسمعتها فى فلم قبل كدة ؟
يصمت حتى ظننت أنه لم يسمع سؤالى ، أو تجاهله لأن سأم حوارات الزبائن ، ثم قال دون أن يرفع عينيه عن النار الفرن أو يتوقف عن تلقيب الثمار بعصاه.
-أبويا الله يرحمه كان بيقول كدة وأنا خدت الصنعة منه.
تممت مع تنهيده عميقة ..
-الله يرحمه

وكأنما جذبته التنهيدة –بصدقها- فرفع عينيه المحمرتين إلى فجأة بابتسامة ، ابتسامة دافئة من قلب نار مست كل عظامى برعشة. خفتُ أن ينتهى الحديث:

-أنت عارف أن تعبير جدر بطاطا دا أكتر تعبير صح ، علشان البطاطا دى جدر بيبقى تحت الأرض ، زى البطاطس والقلقاس كدة ..

ينظر إلى نظرة طويلة لم أفهم معناها ، حتى إنى راجعت ما قلته ! .. هل له مرادف أخر فى لغة أخرى لايعلمها إلا هو يجعله ينظر إلى هذة النظرة الثاقبة لأخر طبقة فى قعر روحى ؟
-ماأنا عارف ! .. البطاطا دى من جنينة حوش بيتنا ، عارف يابيه ...

حسناً قُل هيا ! .. أريد أن أعرف .. كل ثانية من الصمت يدوى كرباج الألم بألف جلده على نفسى .. أرحمنى وقل ، ما ستقوله الآن هو كل ما أريد أن اسمعه فى حياتى .. نار عينيك جففت أعماقى تماما ، وريّك لعطشى بما ستقوله هو ماسوف ينقذنى من التشقق والانهيار الكامل.

يبدو أن شوقى واضح فى عينى .. لذا أكمَل ..

-أنا لولا الحاجة ، ماكنتش بعت البطاطا دى ، كنت جمعتها وكلتها أنا وأمى وستى وأخواتى ..ناكلها لوحدينا كلها ، عارف ليه يابيه ؟ علشان البطاطا دى فيها من أبويا الله يرحمه ، وإحنا بس اللى من حقنا ناكلُه ..

هززت رأسى بأنى فهمت ، وهممت أن اُعزيه ، لكنّ –للعجب- هزة رأسى جائت برد فعل غير متوقع .. إذ بدا أنها استفزته جداً !

-على فكرة يابيه أنت مش فاهم يعنى إيه البطاطا دى فيها من أبويا ..
-لأفاهم .. فاهم .. يعنى أن أبوك الله يرحمه كان بيشتغل نفس الشغلانة فــ
-لأ فيها من أبويا فى لحمها .. فيها من جِتِتُه ..

تنوعت الانفعالات على وجهى من تقطيبة عدم فهم .. ثم انفراجة رعب .. وهو يراقب

-إز .. إزاى .. يعنى .. هو .. إزاى ؟؟
-البطاطا فى الجنينة اللى جنبيها مدفون أبويا فى الأرض ، والبطاطا فى الأرض بتبقى مدفونة جنبه و ....
-مدفونة جنبه ؟؟!! ... هو أنتوا دافنين أبوكم فى جنين بيتكم ؟؟!!
-لأ يابيه إحنا ساكنين فى المدافن ..

اصمت وتسكن ملامح وجهى .. واضطرب داخلى كبركان على وشك تدمير قارة بأكملها .. يحدق فىّ ، ثم يستفيق ويتذكر البطاطا التى نسيها داخل الفرن .. ويحرك عصاه بسرعة وقلق محاولاً انقاذها ..

-ماتتخضش ياباشا .. البطاطا زى الفل ، مش هاقولك حلوة زى العسل ، هى حلوة زى البطاطا ..

هو الآن يحاول ممازحتى ، ربما ندم على حواره السابق والآن يبحر بى خارجا مرة اخرى لشاطئ السطحية .. لكنى أجدف فى الاتجاه العكسى بسرعة ..

-وليه كان نِفسَك تاكلها لوحدك أنت وأسرتك ومش عايز تبيعها ؟؟
ينظر لى محاولاً تقدير قوة احتمالى لما سيحكيه ..
-علشان أبويا ...
 -ماله ؟؟

ينظر للفرن ويقلب بقوة وعصبيه وقد قرر –وقراره بَيّن- أنه سيحكى ، أفهم أو لا أفهم .. احتمل أو لا احتمل .. لايهم.

-أبويا بيكلمنا فى البطاطا .. روحه فيها ياباشا .. عارف أزاى ؟؟ .. لونها بلون إيديه السمرا من الشمس وحريق الفرن .. دافية زى حضنه الدافى .. مش سخنة يابيه ، دافية .. مش بتحرق ، حلوة ومسكرة زيه .. أبويا كان "تِمُّه زى السكر" زى ما بتقول سِتّى .. بحس أنه بيبعتلى فى البطاطا النصايح والحكايات اللى مالحقش يقولهالى فى حياته .. عارف يابيه .. أستغفر الله العظيم أستغفر الله العظيم .. لولا أنى عارف أن البطاطا ربنا خلقها زى كل الزرع كنت قلت أن أبويا هو اللى خلقها .. علشان أبويا كان .. أنت بتعيط يابيه ؟!

فقت ! .. لماذا استفقتنى ؟؟!! .. أبكى أو لا أبكى مالك وتفاهتى !

-لأ ...
-أنا أسف يابيه ، لمؤخذة ضايقتك ، عارف يابيه حضرتك أول حد أقوله الكلام دا ، بخاف الناس تتريق علىّ ، أو تقرف أو تتشائم من البطاطا لما تعرف أنها مزروعة فى مدافن .. اتفضل الجدر بتاعك ..
أخده منه وأنا أرتجف ..
-أنت بردان يابيه ؟؟ لو بردان ممكن تفضل واقف جنب الفرن تتدفى ، بس كدة لما تيجى تمشى هاتستهوى.

أرتجف من حبور اللحظة ، من جلال الموقف .. أشعر  أنى أحمل رفات نبى لا ثمر نبات.

-أنت قرفت من كلامى يابيه ؟
-لأ ... لأ خالص بالعكس ..
-أمال ماكلتش البطاطا ليه ، علشان اتلسعِت فى الفرن ؟
-لأ هاكلها أهو ..

اُقشرها بهدوء .. اضع القشر فى ترتيب تحت الثمر ولا ألقيه فى السلة المجاورة ، وأغمض عينى وأشرع فى الأكل .. اُحدّثه فى أعماقى ..

"انصحنى .. اعطنى من عندك أيها الأب الحكيم .. أعطنى من قبص روحك ياشعلة الإنسان المتقِدة وهى مطمورة .. يابذرة بركان حياة .."

افتح عينى وأنا أكل وأناجى فأجد الطفل فاغراً فاه فى دهشة ..

-أنت بتعيط كدة ليه يابيه !
-أنت ولد حلو خالص .. ربنا يخليك لأهلك ، أنت على طول بتقف هنا ؟
-لأ مش دايماً .. بروح فى المواسم الحِتت الزحمة ..
-مممم .. أصلى حبيت البطاطا بتاعتك جداً ونفسى أبقى أجى أخد من عندك على طول ..
-ربنا يخليك يابيه ..
-أنا بتكلم جد مش بجاملك .. أنت ولد شاطر خالص وبتعمل شغلك كويس قوى
-مع أنى بكرهُه.
-ليه ؟؟

رمقنى ملقياً فى وجهى كل احباط العالم .. سحقنى ، فاحتقرت ذاتى ..

-أه أسف .. فاهم فاهم .. يعنى فهمت قصدك ، قصدى كنت .. يعنى معلش ..

هنا جائت سيدة بطفلتين توأمتين تطلب منه لأبنتيها ..

-لو سمحت كوزين بطاطا بس يكونوا قد بعض بالظبط علشان البنات مايتخنقوش ..
-أمرك ياهانم
-كام ؟
-أتنين جنيه
-ليه؟ دى حتى البطاطا صغيرة ودا الموسم .. كفاية جنيه ونص قوى ، وأتوصى بسرعة علشان باباهم راكن صف تانى مش ناقصين ياخد مخالفة ..
-اللى تشوفيه ياهانم ..

مدّ عصاه للفرن يسحب ثمرتين ورمقنى بنظرة جانبيه متمادياً فى تعذيبى .. نظرة "أرأيت ؟ - أفهمت ؟ - أنت تعرف أكثر مما يجب – ما رأيك فى مزاد بيع أبى ؟- أذهب ودعنى لألمى – أعد لى أبى الذى معك .."

-أقسى وأرهب لحظات حياتى الفاصلة هى الآن .. ألملم باقى ثمرتى مع قشرها .. احتضنها بشدة وأهرب ...