الثلاثاء، 5 يونيو 2012

نار ومَيّة


عارف رموز الرومانسية ؟
أهم حاجتين ؟
نار وميّة
النار لهب شمعة
والمية دمعة حنيّة.
خدت بالك قبل كدة
أن الدمعة ولهب الشمعة
ليهم نفس الشكل ؟
مع أن الأتنين فى الأصل مايتمسكوش
وإذا حبيت تشكلهم بمزاجك مايتشكلوش.
خدت بالك قبل كدة
إن الصيف والشتا
نار وميّة ؟
الشتا بتنزل مية من السما
يقوم الإنسان ع الأرض يرد على بردها
ويولّع نار يدفّى

والصيف السما بتبعت نار فى الأشعة
يقوم الإنسان ع الأرض يرد على حرّها
ويطشّ فى ميّة.
خدت بالك قبل كدة أن الزرع
ميّة ونار ؟
كل أكلُه ميّة ونار
يتروى ميّة ويمتص ضوء النهار
ويطلع بالممالك بدع
كل البدع دى أصلها ميّة ونار.
خدت بالك قبل كدة
أنك أنت ميّة ونار ؟
أغلب جسمك أصله ميّة
وحياتك من طاقتك
وطاقتك من الاحتراق ف رئتك
والأحتراق يعنى نار.
خدت بالك أن حياتك
أن مشاعرك
أن كلامك
دايماً يبقوا يا ميّة يا نار ؟
نار الفُرقة ، وميّة لُقى تروى بعد غياب
نار الحُرقة ، وميّة رضا تطفى بعد عذاب
نار النقد والتجريح ، وميّة حب صريح وكلام إعجاب.
خدت بالك قبل كدة
أن الميّة والنار
شفافين ؟
يا كثيف ...
أتعلم تبطّل تحتكر الضوء
بطّل أنانية بأنك تبقى أخر محطة للبصر.
خدت بالك قبل كدة
أن الدمار ع الأرض برضه يامية يانار
الطوفان مية
والفيضان والسيل والمَدّ
والبركان نار
والحريق والجفاف والقنابل والرصاص.
خدت بالك قبل كدة
أن الحرب ع الأرض
دايماً سببها يا مية يا نار
المية عشان الناس والزرع يعيشوا
والنار طاقة وبترول وحركة وحياة للآلات.
خدت بالك قبل كدة
أن الأرض كوكب ، الأرض فيه أقلية ؟
والأغلبية مَيّة بنسبة سبعين فى الميّة ؟
وأن الشمس الشداه ليها شعلة نار ؟
كل نجوم الكون ف الأصل نار من نار.
خدت بالك قبل كدة
أن الشمس والقمر
بيكلموا البحر .. بلغة النار والمية ؟
الشمس تبخر المية وتكوّن سحب
وترجعها تانى ليه
والقمر يشد الموج ويمِدّ مساحات ع الحضر
وبالجذر يلمها تانى عليه.
خدت بالك قبل كدة
أن المية والنار
حاجات بسيطة ؟
من بساطتها ماتعرفش هى إيه وليه ؟
خدت بالك قبل كدة
أن المية والنار
حاجات متوفرة متشعبة
من زلطتين .. وشمعة من شمعة .. وشعلة أوليمب تلف العالم
ومن محيط .. ونهر من بحيرة .. وبحيرة من بحر
وبحيرة وبحر من المطرة .. ووردة تشرب من على حافة قناية.
خدت بالك قبل كدة
أن المية والنار
بيمحوا بعض ؟
المية تقدر تطفى النار
والنار تقدر تجفف م المية تماماً.
خدت بالك قبل كدة
أن المية والنار
هما الحياة فى أخر سطر فى تحليلها ؟
وأن الحياة سهلة وصعبة ؟
وليها شفافية ع الأبدية لولا التلوث ؟
وأن المية والنار بيطهروا وينضفوا ؟
وإن زادوا بيغرّقوا ويحرقوا ؟
وإن عشاك وغداك حلّة مية على عين نار
وفيها أى حاجة بتستوى ؟
وأن أنت مية ونار
بتكوى و تتكوى
وتروى وترتوى?

السبت، 26 مايو 2012

رسالة إلى بطلتى السياسية


عزيزتى بو ...
تحية طيبة وبعد ،
طيبة أزاى ؟؟ .. طيبة وكدة ... طيبة يعنى مش شريرة ..
أشمعنى طيبة ؟؟ ماعرفش هما بيقولوها كدة !
ماعلينا ... المهم ...

كتبتُ إليكِ الآن لأرسل لكِ عميق حبى وتقديرى لموقفك المسجل تاريخياً فى فلم سنيمائى ذى الاسم التجارى لنسخته المدبلجة باللهجة المصرية "شركة المرعبين المحدودة" (هو إحنا ليه لما بنكتب سنيما بنكتبها بالنون ولما بنقولها بنقولها بالميم ؟؟ أنا حاسة إنى خانفة)
أتعرفين لماذا تذكرتك الآن رغم عدم مشاهدتى للفلم منذ مدة -علشان أخويا ربنا يسامحه فرمت الجهاز ولسة هادور ع الفلم تانى- ورغم كآبة الوضع حالى وإحباطه العام والعميق ؟؟ لأنى قررت أن أتخذك بطلتى السياسية ^_^
كيف بدأ الأمر ؟؟ لمّا واجهتى ما يخاف منه الجميع بلا استثناء ، بدلاً من الصراخ الهستيرى ... ضحكتِ !
ولما أرادوا -من الارتباك والمفاجأة الهرب- ... تشبثتى بهم فى حب وغلاسة ، لا عن كره ومقاومة وانتقام.

تجاهلتى رهبة الموقف واستمتعتى بما حولك ... وكل ما كنتِ تحبى أن تفعليه فعلتيه ببساطة !! ... فإذا بالوحوش تخدمك !
عشتِ اللحظة كما هى بكل جمالها ، متجاهلتاً فكرة صعوبة رجوعك للمنزل .. فإذا بكِ تعودين نهاية المطاف وتقضى الليلة فى سريرك كالعادة .. بعد مغامرة رائعة وتغييرك لعالم موازى بالكامل !

لم تصادقى الكل عن سذاجة وهبل وطيابة وادعاء المحبة ... لكن أمام الفاسد ،والشرير باختياره أظهرتى مقاومة وشجاعة وخوف طبيعى ، وأنتِ كاللعبة فى إيدى آلاتهم الجهنمية ...
ربما فى أول الفلم كانت غاية المُنى ، والنهاية السعيدة المتوقعة هو تدمير شركة المرعبين المحدودة تماماً ، والتخلص من رعبها الذى أقلق مضاجع الجميع ، ووقف صرخات الفزع فى كل حجرات الأطفال حول العالم.
لكن أين يتم استبدال كل هذا بالضحكات الرنّانة هذا ما لم يكن متوَقَع أبداً !! .. والفضل لكِ ...

والغريب جداً أيضاً –الغريب حدوثه والغريب أنه مقبول- أن اشكالهم لم تتغير !! ... هم وحوش بمخالب وفراء وأزرع ممصيّة وعيون موزّعة ببشاعة على أجسامهم ! ... ولكن الهدف الداخلى إذا تغير والحب إذا تغلل ... فليس أمامنا غير الوقوف زاهلين صامتين مؤْمنين مؤَمِنين.
أما الذى أربكنى وأخجلنى أكثر وأكثر وأكثر ، هو أنكِ قمتْ بكل هذا دون أن تنطقى كلمة واحدة طوال الفلم !!!!!!!!!!!!!! فقط ابتسامات وضحكات وعينان واسعتان صادقتان !!! .. أنتِ حتى لم تقومى بعمل وقفة صامتة أو جروب على الفيس أو فان بيج أو كتبت نوت أو تويتات أو تدوينات أو غرقتِ صفحتك بوستات أو شيرتى حاجات كتير ... رغم أنى لم اعرف أنه يوجد طرق غير هذه للنضال والتغيير !
من إين لكِ بهذا المبادئ السياسية العظيمة لأنضم لحزبك فوراً ، وأعلن ولائى الكامل ؟؟؟

بو لماذا تنظرين إلى هكذا ؟!؟ ... هل بدا فى خطابى مايسئ ؟؟
بو ... أنا مثلك لا أخاف الوحوش التى لاتكره ، وأحب الكورن فليكس والرقص على الأغانى ، واقدس النوم حين اشعر بالنعاس ...
فهل تقبلينى تلميذة ؟؟
ممم ... واضح أن كلامى مش واصلِك .. مش مهم خلينا فى الكورن فلكس والأغانى والنوم و الباقى دا أنا هاحاول فيه مع نفسى بمعرفتى.
ماعندكيش بقى نسخة من الفلم على فلاشاية ؟ ^_^

الأحد، 6 مايو 2012

اختبار الصابون


أرجوك لاتنظر إلىّ بشفقة ، لستُ تعيساً ولامظلوماً ولابائساً ... فقط أفعل هذا لأنه يريحنى ولأنى أريد أن أفعل هذا .. فبعد كل بضع ساعات من العمل المتواصل فى ورديّة المصنع أذهب لصنبور المياه وأغسل ذراعىّ بالصابون .. أغسلهما ببطء وأنا أغمض عينىّ واُركّز احساسى لأصل لمواضع الألم ... مواضع الجروح.

فتح وغلق المحابس والبوابات ورفع وخفض أزرع التشغيل لمكينة عملاقة كهذه يسبب كل مرة الخدوش والجروح الصغيرة ... اكتشفها باختبار الصابون هذا الذى يرسل إشارات حارقة بمواضع الألم ، فأعالجها بزيت المَكَنّ.

أكرر مرة أخرى ألاتعطف علىّ كأنى ضحية .. زيت المكن الذى أدلك به مواضع الجروح والكدمات من نوع ممتاز .. يشعرنى براحة كبيرة لمّا استخدمه .. ولم أفكر فى بديل لأنى لاأريد.

فى السابق كنت أشعر بتأنيب ضمير وأظن نفسى مختلساً ، هذا الزيت يوفره المصنع لأضعه بين آن وآخر فى مواضع احتكاك التروس –بالمكينة التى أعمل عليها- مما يمنع أو يؤخر تآكلها ، لم يُصنع أو يصرف لجروحى। ثم توصلت لفكر أقنع ضميرى ॥ ।هذف الزيت هو جعل المكينة تعمل أطول فترة ممكنة بلا تآكل فى أجزاءها ... وأنا قد توحدت مع المكينة –بسبب طول عشرتنا- وصار مصيرنا ومزاجنا مشترك ... لذا لامانع أن أداوى نفسى بدواءها كى نستمر نعمل ونعمل

***

لا أتذكر متى بدأت العمل على هذه المكينة ... كنت صبياً مراهقاً لمّا انضككت لعمال المصنع ، لم أكن غلا مساعداً تتملكه الرهبة أمام هذا الكيان المعدنى العملاق ... ثم قليلاً قليلاً أنست لها واحتوتنى ... وإذا بالوحش المعدنى الأصم بقلب أم وروح منضبطة نقية لاتعرف الخبث والخداع.

تم تجديد كل وحدات المصنع أكثر من مرة بغيرها تحركه العقول الإلكترونية الجديدة –بدلاً من الأزرع البشرية- وبخامات مستحدثة –يقولون- إنها أفضل من الصلب بكثير. وفى كل مرة كان يعرض علىّ المدير –وهو مالك المصنع فى نفس الوقت- أن يتم الاستغناء عن هذة المكينة بأخرى أحدث ، وأن أنال ترقية يُذكيها الامتنان لطول عملى وإخلاصى بالمصنع .. فأرفض. هذه المكينة هى أمى وأبنتى وحبيبتى .. ترهقنى جسدياً وذهنياً ولكنها بهذا تعلن إنها تحتاجنى واحتاجها. لم يفهم أبداً طبيعة علاقتى معها .. ولكنه احترمها على أى حال احتراماً لى بصفتى أقدم العُمال وأكثرهم تفانياً.

أن أكون أكثر البشر تفانياً فى عملى هذا ليس لصلاح فىّ ، بل لأنى لاأفعل فى حياتى شئياً إلا هذا العمل. ليست لى أسرة .. فلستُ متزوجاً ولن أتزوج ... لماذا؟ ... لأنى لاأجد إجابة على السؤال العكسى الذى هو لماذا أتزوج؟ .. لأجد شريكة أحبها وتحبنى وأنجب أولاً يحملون أسمى ؟

حسناً .. أقولها صريحة بلاخجل .. لاأعرف أن أحب أمرأة على وجه الخصوص ... أحب كل البشر .. أحب كل الأطفال ، وأخدم كل من استطيع أن أخدمه بكل طاقتى ، ولكنى لاأعرف –ولاأريد- أن تكون لى خاصتى.

مرتبى الذى بدأ ضئيلاً ونما ببطء شديد طوال هذه السنوات –كسنديانة ضخمة لاتلحظ ابداً نموها- أنفق أغلبه على أطفال الحى وأبناء أخوتى والفقراء والمحتاجين وأشعر ببهجة أعرف أنها الأعظم فى العالم ورضى يجعلانى لاأتمنى شيئاً مهما ضغطتُ على خيالى لأعتصر رغباتى الكامنة.

سأم الملحون علىّ بحججهم الأزلية أن أتزوج وأكوّن أسرة ، وكذلك الأشقياء الذين حاولوا إغرائى بالحب والهوى و وجوب أن ترافقنى أنثى لأعرف طعم الحياة كرجل. أرى حياتى كاملة وأرانى أسعد البشر هكذا كما أنا ... أنا طائر بطريق يعرف أنه ينتمى لمملكة الطيور ومع ذلك فهو لايطير وليس لديه رغبة فى الطيران ... سيستكمل حياته هكذا يستمتع بمذاق الأسماك الصغيرة التى يُحسن اصتيادها وإن بدا وضعه مزرياً لباقى الطيور الجارحة ساكنة الجبال وآكلة الفرائس الدسمة ذات الدم الحار.

شيئاً واحداً لم أشرحه لأحد لأنى أعرف أنه لا أحد سيفهمنى। ألم يغزو نفسى مع فيض الاحساس بالغبطة والرضى. مرارة تصعد لحلقى مع كل وجبة حب اصنعها وألتهمها مع آخرين ... لماذا أبكى ليالٍ كثيرة بلا سبب ؟ ن ولماذا تنتابنى نوبات خوف من مجهول لامبرر لها ؟ إذا شكيت على سبيل التنفيس أعاد السامعون نصائحهم المتهرئة عن وجوب الحياة الأسرية والصحبة الدائمة وغيرها ... ولكنى أعرف أن لآلامى أسباباً أخرى ... ماهى ؟


***


لستُ الأسعد فى العالم ... بل الأتعس. بعد طول تفكير وانشغال توصلت لسبب ألمى ومرارتى الغير مبرران. روحى مخنثة بالجروح التى يتسرب منها كل فرح ورضى. اكتشفت هذا دفعة واحدة وأنا اُجرى اختبارى اليومى لجروحى الجسدية بالصابون. كان عندى فسحة من الوقت فأغضمتُ عينى وأغلقت حواسى ومررت كل مشاعر الحب التى عندى على قلبى .. فإذا بى اكتشف جروحاً قطعيّة عميقة نازفة فى نفسى! .. حرج افتقاد ووحدة ، جرح شفقة على الذات ، جرح سأم ورتابة ن جرح عدم جدوى ، جروح وخيانات وتخليات سابقة ظننت أنى كنت قد غفرتها ، جروح اشتياقات مكبوتة ... وغيرها وغيرها.

عرفت أنى مهما ملئت فراغى الداخلى بالحب وأعماله فروحى الواسعة لاتسمح إلا بالتسرب لكل المعانى الجميلة خارجاً ... تتبخر مُحدثتاً فى خروجها ذلك الألم وتلك المرارة التى لم أكن أعرف لهما سبباً ...

أنا تعيس


***

أنا الأسعد فى العالم ... أنا الأكثر بهجة من طفل بلعبة جديدة كل يوم ... أنا الأكثر امتناناً لجروحه وضعفاته .. انتظر! .. اسمعنى أنا لستُ مختلاً .. ارجو أن تفهمنى .. حنساً سأحكى لك الموقف وأترك لك الحُكم.

كنتُ جالساً فى ورديّة صباحية أمام وحشى المعدنى الصموت شارداً ، شاعراً بكل تعاسة الدنيا تتكثف فى خلاياى وكل أرواح الملل تحلق حولى فى كل الاتجاهات .. فإذا بجرس إنذار الخطر يضرب فجأة ! ... تمالكت نفسى ونهضتُ لأبحث عن موقع الكارثة ... أنا الأقدم هنا والأوفر خبرة .. لايصح أن أهرب لأنجْ بحياتى ، بل أن اتعامل مع الخطر لأقلص الخسائر فى المادة والأرواح .. من طول خبرتى أعرف أن الخطر مصدره الرئيسى المبتدئين .. يوجد فى الوحدة التى تجاورنى مباشرتاً عامل جديد .. هل عنده المشكلة ؟

أدخل وحدة تركيب أنابيب غاز اللحام فأوقن صحة تخمينى .. صوت عامل يستغيث .. أنزغ قصيمى القطنى الذى ألبسه تحت "العفريتة" واربطه على وجهى وادخل.

اتسمر منبهراً ! ... هذا العامل الغض شك فى أن أحدى الأنابيب تعانى من تسرب فى صمامها بعد أن قام بتركيبها .. فقام بتجهيز الرغوّة المخصصة لفحص التسرب ووزعها على رأس الأنبوبة ...

وإذا فقاقيع الصابون تصعد للجو .. التسرب كبير ومن أكثر من موضع ... الفقاقيع تملأ المكان .. هل رأيت من قبل فقاقيع الصابون ؟ أما عنى فبالتأكيد رأيتها قبلاً ولكنى شعرت بحالة جعلتنى أراها لأول مرة !

كيف هى جميلة هكذا ! ... تعكس عليها الأشعة القادمة من النوافذ فإذ هى تتلألأ بألوان قوس قزح .. تتهادى برقة لأعلى .. كيف هى كاملة الاستدارة هكذا ؟؟ .. لماذا هى متباينة الأحجام هكذا ؟؟ ..كيف يدخلها الهواء ويغلق عليها من داخلها باباً فلا تميز فتحته ؟ .. مَنْ ينتج غشاءاً رقيقاً بهذا التجانس وعدم التباين فى السُمك ؟ .. ما اروع هذة الشفافية !

أسئلة كثيرة تتقافز كأصابع تلاميذ فصل أمام سؤال سهل .. ولكنها ليست سهلة ، تفصلنى بغلاف من البهجة عن الكارثة التى أنا فيها –و"فيها" وضعاً لامجاز فيه- كأنى فى أحدى هذه الفقاعات.

يتعالى صراخ العامل الشاب مولولاً ومستعطفاً وهو يضغط على أزرار الطوارئ ويحاول معالجة الوقف بلا جدوى ... أنظر إليه وابتسم ايتسامة لم ابتسمها منذ سنوات طفولتى الأولى .. أسير غليه بهدوء .. والمس فى الطريق فقاعتان بأصبعى فتزولان كحملىّ يقظة .. واحدة منهما أضطررت أن أشب على مشط قدمى لأطولها إذ كانت قد ارتفعت جداً...

وصلت إليه فسحبته من كتفيّه بعيداً .. أغلقتُ كل الصمامات فى الحجرة وفتحت كل منافذ التهوية .. فصلت الأنبوبة المعطوبة بصمامها ورفعتها على كتفى .. جريت بها من سكة الطوارئ للساحة الخلفية ... وهناك ألقيتها فى حوض الكيماويات المُعد لمثل هذة الحالات ...

كان هذا الشاب يجرى ورائى مهرولاً وعلى وجهه كل معانى الذعر ، ولمّا رأى الوضع قد استقر وزال الخطر سقط على ركبتيه منهاراً فى نوبة بكاء هستيرية.

وجدتنى أنا أيضاً ابكى ! ... أبكى من الفرح .. استشعرت دموعى كالرزاز الخفيف الناتج عن انفجار فقاعة الصابون ... أشعر بانتعاش واندهاش .. اقف أمام الشاب المنهار وارفعه من كتفيه ليقف ... احتضنه بقوة ليكمل بكاءُه وأنا اربت على ظهره.

لماذا مواطن الألم فى روحى مأساة ؟؟ .. إنها نفسها مولّدة البهجة .. من كل جرح تخرج فقاقيع ملآنة بالحب .. وكل حب ينتج نوع الحب الخاص به ... فافتقادى للأبوة ينتج عنه عطف على كل الأطفال اليتامى أو حتى ذوى الآباء.

ونمط حياتى الرتيب الهادئ ينتج عنه خدمات مجنونة مضنية لايقوم بها إلا متطوع بصفاتى ..

كل الم مررت به أصبح خط انتاج لمضادات وموانع لنفس نوع الألم .. استطيع أن أسمع مهموماً يشكو لساعات متصلة باهتمام وانباه حقيقى لأنى أعرف ألم أن تشكو لمهموم مشغول ... لا أتطوّع بتقديم الحلول للبشر من حولى لأنى أعرف أنهم ليسوا معدومى النصائح بل مفتقرى آذان صاغية ...

تتداعى إلى نفسى أشياء كثيرة أفعلها بتفرد ، لم أكن لأفعلها لو لم أكن مُجرَباً ومُجَرِباً وجامعاً لكل هذه النتؤ فى قلبى ... ربما لو كنت محصناً مترفعاً عن التجارب لظل قلبى أصمّ عطناً لا منافذ فيه .. لدخول مايملأه ، أو الخروج للمشاركة ... الآن تشرى منه وغليه الحياة.

أبعد العامل عنى بطول ذراعى وربتُ على وجنته بحنان ابوى ... "لاتخف .. كلنا تعرضنا فى أول احتكاكنا بالعمل لهذه المصاعب .. وأنت تعاملت مع الموقف بطريقة مثالية –ستكافأ عليها- باكتشافك العطب وضرب جرس الطوارئ فى الوقت المناسب ... والآن عد إلى عملك حتى لاتعطل أكثر ولك منى تذكية عند المدير".

أضربه برفق على كتفيه ليذهب فيفاجأنى بقبلة على يدى وهو يقفز من السعادة ولاينظر رد فعلى بل يذهب مسرعاً. أقف وكلى عجب من اختبار الصابون هذا الذى تعامل مع جسدى ونفسى مرات ... وكشف لى أبعاداً فلسفية وروحية لم يكنْ لأرقى الحكماء والعلماء أن يعرفوها !.

السبت، 5 مايو 2012

جت لأقول كلمة .. يارب مانسهاش






جئت لأقول كلمة ... وسأقولها
(بس يارب ماسهاش .. وحد يسمعنى من الدوشة)

جئت لأحيا بمجد المحبة بنور الجمال
(بس المحبة بتجف .. اروينى ياربى
والجمال بيتشوه كل يوم جوايا)

فى أعماقى جوع للحب
(جووووووووووع مش بيشبع
ومش هايشبع غير فى الأبدية بالابدية)

آه للحب
(آآآآآآآآه .. للحب فقط مش اى حاجة ممكن نتخبل إننا محتاجينها)

جئت لأكون للكل ... وبالكل
(كنت فاكرة نفسى أقدر بس طلعت قدرة من ربنا بس!)

جئت أتمنى دمعة بها أشارك منسحقى القلوب
(آه ... مش لازم نفقد إنسانيتنا)

وأرجو ابتسامة بها أمجد الله
(أيوة! .. مافيش حاجة تمجد ربنا أكتر من الابتسامة ،
بتقول للدنيا كلها أن وجودها مش مستحيل وسط الظروف
لأن سببها رجاء .. وسبب الرجاء أن ربنا موجود
وطالما ربنا موجود يبقى مافيش حاجة تستحق غير إننا نفرح
ونبتسمممممممممممم :) )

الله ... للكل
(حقيقة ماحدش باين انه مصدقها عمليا ومحتكر الله لطائفته
وبصيغه -حاشا- بفكره)

جبران اللى برة الأقواس وأنا اللى بين الأقواس ^_^

وماجدة الرومى مش عارفة أعمل فيها إيه دى ! .. طيب .. قررنا نحن ننزلها صورة ثابتة على المدونة ونعلنها مطربة المدونة الرسمية .. وهو شرف لو تعلمون عظيم ;p


السبت، 28 أبريل 2012

شكرا بنت على ... وفاء ^_^


فى حاجات بسيطة فى حياة الواحد ...

بيكتشف مع الوقت إنها مش بسيطة خالص !

زى مثلاً مثلاً أن الواحد يعمل مدونة :)

لما عملت المدونة كان هدفى بس أنى أعلق عند الناس التانيين

ماكنتش بنزل بوستات ، ولما كنت بنزّل ماكنش بيبقى عندى تعليقات

الناس التانيين دولن بقى كلهم ماعرفهومش غير باسماءهم التدوينية

وكل شوية أصلاً أسمع عن القبض على المدون فلان واختفاء علان

اللى كان بيخلينى انبهر بالمجتمع التدوينى دا .........

حاجات كتير الصراحة ^_^ كتير قوى ...

كنت بسمع أنهم –قال- بيتقابلوا وبيعملوا فاتعليات زى التبرع بالدم مثلا وغيرها

بس كان بالنسبالى كأنى بسمع عن لقاءات فى كوكب زحل ...

لحظة الإشراق بالنسبة لى كانت معرض الكتاب !

(واللى ودانى معرض الكتاب ككاتبة أصلا المجتمع التدوينى برضه ودى قصة تانية)

كان أول مرة أشوف كان كتير على أرض الواقع كنت فاكراهم زى شخصيات الكارتون كدة ليهم كيان أفتراضى بس زى فريق بيدابول ^_^

بصراحة بصراحة كلهمممممممم ماكنوش زى ماكانوا فى خيالى ...

كنت متخيلاهم أصلا كلهم لابسين أبيض فى ابيض وبيتماهوا فوق الأرض –مش بيمشوا- وهما على ارتفاع لايقل عن 20 سم مع هالات مضيئة حوالين إيديهم ووشوشهم ...

بس طلعوا متنكرين بشكل متقن جدا جدا !!

كل واحد يستحق يتكتب عنه مجلد ...

بس الشخصية اللى عايزة أشكرها النهاردة هى ..

"وفااااااااااااااااااااء"

رحبوا معايا بالنجمة ^_^

وفاء علاقيتى بيها –إلكترونياً- كانت عكس أغلب المدوناااااات المدونــ(ات) ها ؟ :)

كانت عكسيا من الفيس للمدونة مش العكس ، مع أنى كنت متابعو مدونتها من زمان من غير ماأعرفها .. (البركة فى فتيما اللى عاملة طابورين .. طابور حريم وطاربور مش حريم) ^_^

مش هاقول بقى عسولة ولذوذة وكلام البنات الخنيق دا ...

بس كفاية أنها بطعم فريد ، وروحنا جت على بعض ..

إيه بقى موضوع شكرا الليلة دى ؟؟

اللى ماتبعين المدونة لايخفى عليهم إنها زى الخرابة اللى أدوها لسمكرى علشان يأيفها ...

ودا اخرى بقى الصراحة !! بس ... هه !

دايما –رغم محاولاتى المضنية- كانت بتبقى فى تعليقات بتطالب بذوق أو دبشاً أنى أغير التصميم ، أوسع العمواميد أركب سراميك .. حاجات غريبة كدة !

وكان دايما ردى الصراحة يقتصر على مصمصة الشفايف : يارتنى كنت أعرف ياالدلعدى .. العين بصيرة ، والقدرات كدة !

أخر هذة المنشدات كان فى نفس اليوم اللى وفاء فى بعتت دى !


"بصى بقى وده تهديد يتسألي وتعرفي تنسقى مدونتك بحيث انها تريح العين ياما تدينى الباس وورد اظبطهالك وبعدين حضرتك زى الشاطرة تغيرى الباس وورد

حرام المحتوى الجميل بتاعك ده يبوظه التنسيق بتاع المدونة

هه انا حذرتك اهو"

بصراحة أتفاجأت !

مش إنها أعترضت على تنظيم المدونة الفظيع الشنيع ...

لكن لأنها أول واحدة لاتكتفى بالمئـلسة وتعرض المساعدة .. إيه اللى جابرها أصلا ع الغلب دا ؟؟

بعد كدة كان فى بينا حوار طويل تزامن مع أنى ماكنش عندى كى بورد والماوس جاله جنون فيران .. فكنت بكتب بالشفرة !

إضافة لذكائى الخارق أنى فاتحة المدونة من عندى مدياها الميل والباسورد ومستغربة هى ليه مش عارفة تخش ؟؟ ها .. ليه ؟؟؟

المهم إنها بصبر منقطع النظير وَصَلِت المدونة لما هى عليه الآن ! ...

وأظن المدونة تتحدث عن نفسها ، وشغل وفاء فيها ...

أنسوا بقى موضوع المدونة خالص ...

نستوه ؟؟

لأ انسوه بجد ...

إيه بقى اللى مفرحنى ؟؟

أيوة هو دا ^_^

احساس رائع لما تحس أن فى حد بيهتم بيك وبحاجاتك حتى لو أنت مش مهتم بيها ...

وحاجة زى دى :


"ربنا يخليكي يا حبيبتى يا رب، انت فعلا اختى الصغيرة الطعمة اللى بموت فيها وده كان شعورى معاكي اول ما شوفتك فى حفلة التوقيع وبفرح لما بتكتبى حاجة حلوة قوى.. ربنا يزيدك علم وتقدم واهم حاجة يفرح قلبك يا كوكي

عموماً انا كدة ظبط اهم حاجات فى المدونة فى اى وقت عايزة تضيفى شىء تعدلى شىء انا معك ، مش بتضيقينى ولا بتضغطي على خالص انا ببقى مبسوطة وانا بعمل ده

اتفقنا؟"

بالدنيا كلها عندى ...

فلتذهب المدونة والقصص والفيس وكل حاجة إلى الأبد ،

وليبقى الحب الصادق المنزه عن أى حاجة حباً إلهياً أبدياً ...

وفاء .. أنا عارفة أن مش مستنياها ...

لكن ..

شكراً :*

http://www.youtube.com/watch?v=5v7XPEEYYDA&feature=fvst http://static.ak.fbcdn.net/images/blank.gif

الخميس، 19 أبريل 2012

مـلـحـمـة الـكُـشَـرى



يجلس عبد الحميد أفندى إلى طاولة الطعام الكبيرة التى تتوسط حجرة المعيشة معطياً ظهره لباب الشقة ووجهه لــ"أوضة المسافرين". ينزع طربوشه وهو يتنهد تنهيدة عميقة بطيئة ويضعه أمامه ... يدفن وجهه بين كفيه ، وكوعاه قائمان على المائدة. يستعذب الإنصات للصمت الذى يتسرب إليه صوت موسيقى "البيانولا" كثعبان الحاوى من أسفل شباكه ... يمر الصوت كشرخ فى لوح زجاج رائق فيشعر عبد الحميد بألم لذيذ فى صدره ... يحشد احساسه فيه ويتنهد مرة أخرى ... "الله يرحمك يارئيفة".

لأول مرة منذ زمن يجلس وحده بالمنزل شاعراً بكل هذا الصفو. أولاده الأربعة –محسن ونوال ونعيمة وعادل- عند دار عمهم ... اليوم ليلة حنّة أبنته ... طرب وملاح حتى منتصف الليل ... سيذهب بعد قليل ليجلس مع "رجالة العيلة". الصبيان والبنات ذهبوا من الصباح الباكر ، ينقل الصبيان "الشوار" ، بينما تساعد البنات الأم فى العجين وفطير العروس ، مع الأغانى والرقص ... لهذا السبب غاب عادل ونعيمة من المدرسة اليوم ، وكذلك محسن من مدرسة الحقوق. عاد من الديوان فوجد الدار خالياً .. أوصل محسن البنات لدار عمهم ، وأخذ عادل معه فى مهمة النقل. وافق على أخذه بعد إلحاح ... أدعى محسن أن عادل صغير وسوف يقوم بشغب يلهيهم عن المهمة التى هم ذاهبون ن أجلها. بكى عادل وتمرمغ على الأرض وملأ الدنيا احتجاجاً ... نهره أبوه وضربه لاسلوبه المرفوض فى الاحتجاج وأصدر فرماناً يسرى على عادل ومحسن بأن يذهب عادل مع أخيه الكبير ولكن إذا بدرت منه أى نازعة شغب أو تمرد فسيحضره محسن أو محروس –أبن عمتهم- للبيت ويُحبس وحده فى أُوضة الخزين. وافق عادل وهو يكاد يطير من السعادة وجحده محسن بنظرة نارية مستسلماً فى خضوع لقرار والده.

مُحسن ... أكبر أولاده يدرس بجامعة فؤاد بمدرسة الحقانية. كان هذا أمل والدته –رئيفة- أن ترى أبنها "أفندى" كوالده ... رزين جدا .. ليس له فى أمور اللهو والترفيه التى للصبيان الذين فى مثل سنّه. لايجلس إلى مقاهى أو يرتاد أى "تياترو" ... وغير مهتم بأمور المغنى ولاسيرة الهوى والحريم. يبدو كصندوق سِرّ مغلق ... كـ"شكمجية" ضاع مفتاحها ... وبائت محاولات عبد الحميد لمصادقته بالفشل ... فتركه لراحته. مع ذلك فهو أبن بار ومطيع ،وتلميذ مجتهد ، وإن كان معزولاً عن أخوته .. بلا اصحاب تقريباً ، ولايشارك فى أمور السياسة كزملائه.

يتنهد عبد الحميد مرة أخرى –بعد أن أصبحت تنهيداته بلا عدد- وهو يتذكر أن رئيفة هى "اللى كان ليها سكة مع الولا" .. ربما حالة الصمت هذه لازمته بعد وفاة أمه ، لأنه كان "بكريها" وقرّة عينيها الذى تخصه بالنصيب الأكبر من الاهتمام.

نوال أصغر منه بعام ونصف ... "حِتّة من أمها" .. بنفس وجهها الصبوح وصوتها الجميل وعودها الملفوف كالغوازى. ضحكتها نفس ضحكة أمها التى تفيض حنيّة وسِحر بنغزتان تبدوان كمسمارين جاءا ليثبتا تلك اللوحة الخلابة ويشداها وجهها المستدير المنير كالقمر.

نوال ذكية –كأمها أيضاً- و روحها "نغشة" ، انتهت من التوجيهية بتفوق. حظها قليل ... لم تتزوج حتى الآن رغم أن قريناتها أمهات ، لم تتزوج لا لقلة خطابها ، بل لأنى لم أجد من يصونها ويليق بها ... معظم الرجال يأتون لسمعة الأسرة أو لجمالها الساطع من تحت نقابها فى خروجاتها النادرة للسوق أو لبيوت العائلة ، ولكنى أريد من يقدّرها ويحترمها كما قدّرت واحترمت أمها. لم أرى أمها قبل الزواج ، ولكن الزمن غير الزمن ... والبنت متعلمة. تستحق من يحبها ويعطف عليها لشخصها ولايراها فقط وسيلة للإنجاب ومدبرة منزل. لم ترفض أى عريس –وليس من حقها أصلاً- ولكنى من يرفض أن يُسلّم "حورية" مثلها لأحد المْعَلّمين" الفظين أو الشباب الخِرِع.

عادل ونعيمة توأمان ... اسميهما يثيران فِىّ حالة من الشجن والحب والعطف والذكريات يصعب وصفها. الله يرحمها رئيفة ماتت أثناء انجابهما ... لم يتحمل جسدها النحيل الذى ذاب فى خدمتى وخدمة محسن ونوال –دون كلل أو شكوى- نزالع ولادة طفلين يتشاجران ويلهوان وهما جنينين. ابتلعت أحزانى على رفيقة عمرى وملكة قلبى المتوجة وملاك حياتى ، وتجلدتُّ أمام طفلىذ الكبيرين ، بينما احتضنت الوليدين الصغيرين كالقطط ، عازماً أن أعوّضهما غياب الأم الذى لايعوّض ... خاصتاً إذا كانت الأم رئيفة.

ألحّت علىّ وديدة –شقيقتى- كثيراً أن أتزوج ، خاصتاً وأن الكثيرات يتمنين أن يعشن فى كنفى ويرعين بأخلاص أولادى ، ولكنى دائماً كنت أرفض حتى يأست وأمتنعت عن المناهدة ... لا ولم ولن تحل مكان رئيفة أى مخلوقة مهما كانت ... فرئيفة لامثل لها ... ثم أنها لم تفارقنى تماماً ... مازلت أناجيها واستشعر حبها يربت علىّ كلما تزاحمت فى نفسى الهموم والمسئوليات الأولاد.

كبر عادل ونعيمة كالزهوز الجميلة فى حضنى ... وأنا كالبهلوان يحاول السير على حبل التوازن مابين تدفق حنان و"دلع" الأم وحزم وشدة الأب. محسن ونوال أيضاً يتحركان حولى فى أدوار كثيرة مابين أصدقاء مساندين ، وأقرباء داعمين ، وأبناء متمردين ، وأجزاء منى تسكن معى فتشعرنى بالاكتمال.

وديدة لم تدخر جهداً منذ وفاة رئيفة فى دعمى ومشاركتى ، أختى الكبيرة .. والوحيدة التى تسكن البندر معى ... ليس لديها إلا ابن وحيد .. محروس .. ولد خلبوص على النقيض محسن تماماً ... كثير الكلام والمزاح والضحك والغناء ... ، والحق أنه شهم ومهذب أيضاً .. يأتى فى أى مكان فيُحدِث ضجة ويثير الضحكات ويقدم "نِمّرة" كالمونولوجست.

تأتى وديدة إلىّ كثيراً بالوجبات المميزة التى لا اُحسن صنعها أنا أو نوال. تتسوق مع نوال لتشتريان لنا معاً الملابس والمفروشات والبقالة وغيرها ... . تبيت معنا مهملتاً بيتها –ورغم فداحة أن تبيت حُرمة خارج بيت زوجها- إذ ما أصاب أحدنا –نحن الخمسة- مرضاً ، أو أى مصاب. تُسخّر محروس لخدمتنا إذا ما احتجنا شيئاً أو حتى لم نحتاج. والفتى لا يتأخر عنّا رغم أنه كثير الصدقات وله فى جلسات الأنس باع.

يتنهد عبد الحميد ويرفع كفاه عن وجهه فيجدهما بركتان !. "بزيادة ياعبد الحميد .. أنت بتبكى زى الولايا ولا إيه؟!" .. هكذا يقول بصوت مسموع ساخطاً على ضعفه ، ثم مستسلماً ... "مفتقدك جدا يارئيفة .. سبتينى لوحدى مع العفاريت دول ليه بس" ... يستغفر ربه مرتان ثم يمسك طربوشه ليضعه على رأسه تأهباً للنزول فيسمع احتجاج أمعاءه .. يتذكر أنه لم يطه طعاماً اليوم ولا نوال فعلت. بتأكيد أكل الأولاد عند عمهم ، وسأتعشى أنا هناك فى وليمة الرجال مع أغانى الربابة والعود الموشحات ... ولكنى الآن جائع .. لامانع لو تأخرت قليلاً وأكلت مايسند القلب حتى موعد العشاء.

ينهض عبد الحميد إلى المطبخ ... "الحِلَل" كلها مغسولة ومرصوصة تعلن براءتها من حيازة أى طبيخ طازج ... يفتح "النمليّة" .. هنا خزين بقايا الطعام من الأيام السابقة ، لكن ولا طبق يحوى كمية تتكفل بأشباعه ... يفكر فى فكرة مجنونة ! ... يخزى الشيطان –صاحب الفكرة كما ظَنّ- ثم يتعاقد معه ... سينفذها ! ... سيمزج كل الأطباق معاً .. يضحك .. "يخرب مطنّك يا عبد الحميد ! إيه حركات العيال دى .. دا لو الواد عادل عملها كنت كسّرت عليه الخرزانة" ... ثم يشعر بالإثارة التى ترافق الشباب وتدفعهم للمغامرة .. لم يشعر بهذا الشعور قبلاً ، لأنه كان أبعد مايكون فى حياته عن كسر المألوف .. ولكن هو الآن وحده وسيجرب جديداً لم يفعله قبلاً.

يُحضر طبقاً نظيفاص مرتفع الحافة ... ويبدأ بوضع بقايا الأزر ... هو متخصص إعداد الأرز بالمنزل ولم يسمح لأحد –حتى نوال ووديدة- بإعداده غيره ، وجبة ثابتة يومياً تقريباً مع كل أنواع الخضر والطبيخ ، ولم يعرف أحد سر احتكاره للأرز وحرصه شبه اليومى عليه .. مع أن السر ببساطة فى كلمة واحدة ... "رئيفة".

كانت رئيفة تثق فى الأرز ثقة عمياء –تكار ترقى لمنزلة العقيدة- أن الأرز هو الطعام الأمثل والأكمل للإنسان .. كانت تفرضه كلبن الأم على عبد الحميد ونوال ومحسن ... تراه المُسبب الوحيد للشبع والصنف الوحيد الذى بدونه لايمكن أن تسمى وجبة "الغدا" إلا عبث.

رائحة الأرز تذكره بها ، طعمه يذكره بأمومتها وخوفها عليه ... لونه يذكره بوجهها. يعتبر الدقائق التى يقوم فيها بطهو الأرز خلوة معها يناجيها فيها .. لمّا يصب الماء عليه يتخيل أنه يسقيها .. ولمّا ترتفع أبخرته يراها بقوامها الغزلانى تصعد هناك .. يتخيل إنها ترسل له رسائل بتوتيب "الشِعريّة" عى وجه الإناء .. مرة يرى ابتسامتها ، ومرة يرى عصافير ومرة يرى ضفيرة كضفيرتها .. يبدو الأمر هزلياً لذا لم يخبر به أحد ، ولكنه سره الخاص الذى يمنحه الصبر والتعزية على فراق مُكَمِلَته حتى يلتقيا .. "آآآآه .. الله يرحمك يارئيفة".

ثم بلا تردد يضع بقايا المكرونة فوق الارز مباشرتاً. المكرونة وجبة عادل ونعيمة المُفضلة ... يأكلانها بشراهة حتى أصبحا بدينين ... وعليلين ! .. يرفضان الخُضر بشدة .. فأصبحت لا أسمح بها إلا قليلاً مع أنها الأسهل بالنسبة لنوال. يضعها فوق الأرز ويخلطها بهدوء .. كم كنت أتمنى أن يذوق الصغيران حضن أمهما ليعرفا معنى الحب الحقيقى ، والأمان الذى لم يتجلى لنا إلا بين ذراعيها وصدرها ... اللهم لا اعتراض. أشعر أحياناً بروحها تحرسهم وهما نائمين ... توقظنى ليلاً وتنهضنى لأرفع عليهما الغطاء الذى أنزلق أثناء نومهما.

نوال تحمل شذى من أمومتك ... ألمحه فى نظرتها لهما ... وفى تخيطها لزر هارب من ملابسى وإعداد الشاى لمحسن أثناء مذاكرته. نوال تحب العدس الأسمر ... لذا لأضعه فوق خليط الأرز والمكرونة. لا أعرف لماذا تحبه وحدها فى المنزل بمزاج متفرد ، ولكنى أتذكر مرة أفلت منها اعتراف أنه يذكرها بى! ولمّا طلبت الإيضاح تلعثمت ولم تجب ! .. لم أُلح عليها ، فأنا لن أفصح ابداً عن سرى ... واحترم –رغم فضولى- أن يكون لها سرها.

نسيت أن أضع صلصة طماطم المكرونة قبل العدس فوق المكرونة ! .. هل أضعها الآن ؟؟ .. لِمَ لا .. إذا كان عادل ونعيمة يسكبان من طفولتهما وشقاوتهما علينا كلنا طوال الوقت.

أضيف قليلاً من تقلية البصل المتبقية من وجبة "الكِشك" التى احضرتها وديدة .. تعرف إنى أحب الكِشك جدا ونوال لاتتقنه ، لذا تحضره لنا كلما صنعته لبيتها .. وأحياناً تصنعه لى خصيصاً .. لا أحبه بدون تقليه لذا تُكثر منها حتى تفيض كما تبقت الآن من بعد اتهائنا منه ... وديدة روح تحتوينا كلنا وتشملنا بالرعاية ... تبدو لحياتنا كظواهر الطبيعة –كالشمس والأنهار والهواء- التى لاتنتظر الدعوة لتدخل حياتنا ، أو الشكر بعدما تخدمنا.

لم يتبقى فى النملية شىء إلا كوب من "الحلبسة" .. حمص الشام فى محلولة الملحى مضافاً إليه تلك الإضافات السحرية من الشطة والليمون والتى تجعله يستحق ذلك الاسم المبهم كالتعويذة ... "حلبسة" !. يحضره محروس –ابن وديدة- كلما أتى لزيارتنا .. نتسلى به فى ليالى السمر الشتوية وهو يحكى لنا قصصه الفكاهية المُختَلَقة ، أو الروايات الأفرنجية التى يقرأها.

يصبُ ماء الحلبسة فى الحوض وينثر الحبات على وجه الطبق وهو يغمم مع ابتسامة طفولية .. "ليست الحياة مأساوية وجامدة رغم أى شىء .. فالضحكات التى ينثرها محروس على أفواهنا تجعلها ألذ وأجمل".

ينتهى عبد الحميد أفندى من كل الأطباق وينظر للطبق الجديد الذى بحوزته ... للحظة يشعلا نحوه بالـــ"قرف" ! .. خليط غير متجانس من الأطعمة يبدو فى منظره كصفيحة القمامة وهى تجمع بقايا الطبيخ الغير مرغوب فيه ... ثم يغمض عينيه ويفتحهما فيشعر نحوه بعاطفة جبارة ! ... هذا الطبق هو خليط من كل الحب الذى فى حياتى ! .. يتذكر "دلع" وديدة لعادل ونعيمة وهى تدغدهما فى بطنيهما .. "هاكلكم كلكم هَمّ هَمّ ومش هاسيب منكم حتة" .. كان يصمت إزاء اسلوبها الوحشى فى التعبير عن الحب ! .. يراه أليق بقبيلة همجية من آكلى لحوم البشر .. يتعجب من رد فعل الصغيرين أنهما يضحكان عوضاً عن أن يصابا بلوثة رعب.

الآن سيأكلهم كلهم ! .. يحضر ملعقة كبيرة .. يملأها من الخليط وهو حريص على ألا يُفلِت أى مكوّن من مكوناته ... يغمش عينيه وهو يدسها فى فمه بهدوء ... تضربه صاعقة من السماء ! ... تسرى فى جسده شحنات تغزو كل كيانه ... يشعر بمتعة غريبة تفيض على كل خلاياه ... يمضغ فيشعر إنه يُقلّب عالماً من الأرواح .. يحرث محيطاً من المشاعر ... يموّج فضاءاً ساكناً من الوجود البكر الغير مُكتشَف ... ينزل الطعام إلى جوفه وهو موقن أنه سيصبح بعده شخصاً آخر ! ... فإذا كانت هناك مقولة لايعلم مصدرها تُصرّح بأنه "أنت ما تأكل" .. فاليوم هو سيصبح كياناً جديداً.

يَهِمّ بأن يأكل ملعقة ملعقة أخرى فيستفيقه طرق على الباب ... يترك الطبق على النملية ويعود لواقعه ، يفتح الباب فإذا صبى من ورشة أخيه يخبره أنه –أخوه- "بيستعوقه" .. فهو الوحيد الغائب من أعمام العروسة .. يغمم بكلمات أسف وينظر نظرة طويلة باتجاه المطبخ .. ثم يسحب الباب ويخرج.

***

يكاد يجن ! ... لمدة أسبوع لايشغله إلا هذا الموضوع ، يسحب من تركيزه فى أى أمر أخر .. "مَنْ الذى ألتهم الطبق الذى قام بتركيبه ؟!" .. لم يجروء أن يسأل أولاده ، لأنه لايجروء أن يشرح محتوى الطبق .. لكنه يريد أن يعرف ...

-مالك ياعبد الحميد يا أخويا .. سرحان ليه ومش بتاكل ..

-مافيش ياوديدة ...

-مش عاجبك الطبيخ ؟؟ ..

-لأ العفو ياستى كتر خيرك وتسلم إيديكى ..

-تسلم يا أخويا ..

-إلا بالحق يا ولاد كان فى طبق كدة .. طبق فيه أكل .. كنت سايبه على النملية يوم ليلة حنة بنت عمكم .. حد فيكم أكله ؟؟

-طبق فى إيه يا بابا ..

-مش أنا يا بابا ..

-أنا يا بابا !

مُحسن ! ... أخر ماكان يتوقعه .. كان يظنه أحد الصغيرين ، أو نوال لأن "نِفسَها حلوة" وتأكل أى شىء بلا تذمر ، ولكن مُحسن بمزاجه الضيق فى الأكل ! ... نظرة عينيه ولمعتهما وهو يعترف وينظر فى عينيى أبيه مباشرتاً والابتسامة العجيبة التى أشرقت على ملامحه .. كل هذا يدل على أنه أدرك السر الذى يسكن هذا الطبق ..

-آه .. طيب ... ماشى ..

-هو كان فى إيه الطبق دا يا أخويا ..

-إيه .. ولا حاجة ياوديدة .. شوَيتّ ... يعنى بواقى أكل ..

-لأ قولّى وحياتك كان فيه إيه بالظبط لأنه طالما عجب سى محسن يبقى يستاهل إنى اعرفه واعمله .. دا مابياكلش من إيدى حاجة تقريباً.

-ياااه .. أخيراً عجبت الكِشَرى أفندى اللى عايش دور الزاهدين ..

-أخرس ياواد يامحروس .. ماتقولش على ابن خالك كدة ..

-وهو أنا بتبلى عليه ياأمّا ... ماهو على طول كِشَرى ومش بيورينا سِنانه .. عامل نفسه قاضى من دلوقتى .. دا أنا أول مرة أشوفه بيبتسم دلوقتى وهو بيقول أنه أكل طبق خالى ..

-خلاص يامحروس بزيادة ! .. ممكن اعملكم –ونوال تساعدنى- الطبق دا يوم الجمعة علشان هو فيه كذا صنف فلازم يبقى يوم أجازة .. وأنتى ياوديدة أبقى هاتى تقلية بصل من اللى بتعمليها للكِشك ... وأنت ياواد يامحروس .. هات كمية من اللى ... اللى أسمه إيه دا حمص الشام اللى بتجيبه ..

-الحلبسة ياخال ؟

-أيوة هو دا ..

-يحيا العدل .. دا أحنا شكلنا هانهيص على شرف أكلة الكِشَرى أفندى ...

-وأنا كمان عايز أكل أكلة الكُشَرى يابابا ...

-هاهاهاها ... أسمه الكِشَرى ياعادل ، قصدهم يعنى اللى مش بيضحك ..

-لأ ماليش دعوة يانوال أنا عايز أكل الكُشَرى ..

-طب خلاص خلاص .. تعالى ياوديدة أنتى و محروس سوم الجمعة من بدرى .. وأنتى يا نوال إيدك معايا ..

-من عينى يابابا ..

***

-يالهوى ياخال ! ... هو حضرتك جبت فكرة الأكلة دى منين ؟

-أيوة ياسى عبد الحميد .. بجد حلوة .. دا أنت ياخويا بقيت أحسن منى فى الأكل ..

-الحقيقة دى كانت .. يعنى .. صدفة .. زى ماتقولوا كدة .....

-بابا .. بابا ... أنا عايزة كُشَرى كل يوم ..

-ياعيب الشوم البت نعيمة لسانها أتعوج زى أخوها .. الله يجازى شيطانك يامحروس ، كان لازم تتريق على ابن خالك ؟؟

-طب ياخالى إيه رأى حضرتك أن الأكلة دى أختراع مش أقل من الراديو ..

-ياه .. الراديو مرة واحدة ! ... بطّل بكش ياواد يا محروس ...

-ياخالى انا بتكلم جد .. طب حضرتك تسمح تبيعلى الفكرة ؟ .. أنا عندى دكان أبويا مش عارف أعمل فيه إيه ... مش عايز أشتغل تاجر "مانيفاتورة" وأبيع قماش للحريم .. الحريم دول أصلهم دماغهم بعيد عنكوا ...

-ولد ... أختشى ... بنات خالك قاعدين ..

-خلاص ياأما ... كنت بقول اعملُه مطعم .. الأكل أكتر حاجة بتكَسّب فى البلد اليومين دول .. الناس بقت بتخرخ تشتغل من صباحية ربنا ماعندهمش وقت يرجعوا بيوتهم يكلوا عند حريمهم ... العيشة مابقتش مريحة زى زمان ...

-يابنى أنت جرا لعقلك حاجة .. مين هايرضى ياكل "العَكّ" دا !!

-ياخالى ماهو عجبنا كلنا أهو ... وبعدين دا لذيذ وبيشبع جدا وحاجته كلها رخيصة ومتوفرة .. وأهو يبقى بالطلب .. اللى بيحب الرز زيادة نزودهوله .. واللى يحب العدس ناقص ننقصهوله .. واللى بيحب الصلصة نغرقهوله .. وكله بتمنه ...

-يابنى ماتسيبك من التخريف دا وتدوّر على شغلانة ميرى ...

-ياأما ماأنتى عارفة إنى لو كنت عايز أشتغل فى الحكومة كنت اشتغلته من زمان .. أنا مش عايز ابقى أفندى .. لمؤخذة يا خالى ...

-أمال عايز تبقى إيه ياروح أمك ..

-عايز أبقى أبن جنيّة ياوديدة ياعسل ..

-ولد أختشى !

-خلاص .. هاياخال .. إيه رأى حضرتك ؟

-هاقولك غيه يامحروس يابنى .. أنت راجل مسئول عن نفسك مش لسة عيل .. ، أعمل اللى أنت عايز تعمله ..

-وهاسمّى المحل والأكلة دى "الكُشَرى" كرامة لمحسن وعادل ونعيمة ..

-هيييييييه ... بجد يا أبيه محروس ؟؟

-بجد ياعادل .. إن شالله يكون عجَبِك الاسم يانوال ، لو مش عاجبك أغيرُه علشان عيونك ، واختارى الاسم اللى يعجبك ..

-لأ حلو يامحروس .. ربنا يوفقك ويزيدك من نعيمُه ..

***

نجح محل محروس نجاح ساحق منقطع النظير .. أحبَ الناس "الكُشَرى" وأقبلوا عليه كما الفول والخبز ... أصبح جزء من تكوينهم الغذائى .. وامتد كالنار فى الهشيم من الحارات الضيقة للميادين والمدن فى كل مصر. لم يلاحق محروس افتتاح دكاكين لبيع الكُشَرى فأقتبص –بعقله الجهنمى- فكرة عربات الفول .. ودشّن فكرة عربات و"نصبات" الكشرى وأطلقها لتخترق الأزقة والأحياء الصغيرة الضيقة ...

فى غصون سنوات صار محروس من الأعيان ، وعبد الحميد أفندى يتابعه بأنبهار .. تزوج محروس من نوال التى كان يحبها فى صمت واحترام لخاله الذى فتح له بيته وأئتمنه على شرفه .. وأغدق عليها من حبه وحنانه وجنانه وغناه .. ماجعلها أسعد نساء الأرض ..

حكى عبد الحميد أفندى لمُحسن سَرّ الكُشَرى ، وحكى محسن لأبيه كيف أنه يحبه ويحترمه ويُقدّره ويعتبره قدوته الوحيدة فى الدنيا وأن صمته ليس إلا محاولة للتوحد مع نموذج أبيه وتركيز أرادته وطاقاته لتحقيقه فى نفسه. كشف له أنه يُقدّر الجزء العاطفى فى شخصيته والذى يراه فى الوفاء لأمه المتوفاه وعنايته لأبناءه بحب وحنان ، وهو لا يرى أبداً أن هذا ينتقص من قوته هيبته –كما يظن عبد الحميد عن رأى أبنه فيه- بل بالعكس ... هذا يجعله رجلاً .. ليس ككل الرجال.

يشعر عبد الحميد بالامتنان للكُشَرى الذى كان السبب فى غنى محروس ، وعليه جاء زواج أبنته ممكن أحبها وأحبيته وعيشتهما الرغدة. كما كان السبب فى كسر الحواجز النفسية –الجليدية العملاقة- بينه وبين محسن –وهو الإنجاز الأكبر فى حياته كلها- وكان أيضاً رفيقاً لبلوغ عادل ونعيمة ، إذ صار وجبتهما المفضلة ، من يد ابيهما أو فى دكاكين محروس أبن عمتهما وزوج أختهما.

***

فلت الزمام من يد محروس .. وأخاره هو بكل رضا –وإن كان لم يكن يستطع منع انفلاته- وصار الكُشَرى فكرة أروج من أن يقدر أثبات نسبها له ... أصبحت فكرة شعبية ككل الأطعمة التى تنتمى للمصريين ولايعرف أحد أين وُلِدَت وما ظروف نشأتها ..

أصبح "الكُشَرى" وجبة تكاد تكون أزلية فى ضمير المصريين .. يحفظون صورة ذهنية وشعورية لها كثمرة من ثمار الجنة التى تجاهلها آدم ، والتى لو كان التفت إليها لسببت له السعادة والصحة ومنحته الجنسية المصرية –دون غيرها- بكل تفاصيلها الكثيرة التى تميز آكلى الكُشَرى وتوحدهم.

***

-ها ياشباب .. هاناكل فى "ماك" ولا "بيتزاهت" ولا نطلع "الفودكورت" فى المول وكل واحد يختار اللى يحبه بدل مانقعد سنة على مانتفق ؟

-نطلع "الفود كورت" ناحية الأكلات الشعبية ... فى هناك واحد بتاع كشرى "واو" جداً

-آه ماشى ياشعنونة ... أنا موافق ، أنا كمان بحب الكشرى ..

-تامر .. بما أنك مثقف الشلة .. تعرف الكشرى دا أصله إيه ؟ ... يعنى إيه "كُشَرى" أصلاً ؟؟

-ممم .. لآ الحقيقة ياأبو محسن ماعرفش .. ماأنت مزروع طول اليوم ع النت مادورتش ليه ؟ ... ولا قاصد تحرجنى قدام البنات ...

-بنات إيه ياعم ، هما اللى فى شلتنا دول بنات .. لأ انا بتكلم جد .. الموضوع دا فعلاً شاغلنى ياأبو محروس ، ومين قالك إنى مادورتش .. لقيت شوية رغىّ صغيرين مالهمش لزمة على ويكيبديا ... وباقى المواقع فيها وصفات بس. بيقول أنه أكلة مصرية وفى تسريبات للشام والعراق أخدت طابعهم .. بس برضه عايز أعرف .. مين أول واحد فكر يعمل كُشَرى ؟ وليه سماه بالاسم دا ؟

-يعنى أنت عارفة مين أول واحد عمل تورتة "الملفاى" وليه سماها الاسم دا ؟ .. مابلاش فزلكة.

-أنا برضه مش عارف أشمعنى الكشرى اللى شاغلنى كدة .. بس حاسس أنه وراه سِرّ مش عارف ليه ...

-سِرّ .. سِرّ إيه يا أبو سِرّ ... دا تلاقى واحد فقير كان عنده باقى تموين وبقول لخبطهم وأكلهم وإحنا من هبلنا بنقلده ، عموماً الموضوع دا أكيد قديم قوى .

-يعنى "أبو طارق" مش هو اللى أخترعه ..

-ممم ... مش عارف ... أنا سألت مامى بس برضه ماكنش عندها فكرة ، ولقيتها عايزة تعرف زىّ

-ياعم طنط نوال دى عسل .. سيبك أنت ، نطلبلك دقّة شطة زيادة معانا ولا هاتكله ع البارد ؟