السبت، 18 يونيو 2016

انجاز!




أُدير المفتاح بالباب ..
ينفتح ..
قبل أن أدلف إلي الشقة أخرج هاتفي وأضغط ثلاث ضغطات ..
send .. send .. send
أدخل وأغلق الباب واستند عليه بظهري ..
أغمض عيني وأتنفس كما لم أتنفس من قبل.
***
الرسائل الثلاث كتبتهم في طريق العودة من العمل.
الرسالة الأولي كانت بريد ألكتروني رسمي بالاستقالة،
مرفق مع مكان كل الملفات التي بحوزتي وأخر ماجري فيها.
سوف لأّذهب إلي هذا المكان مرة أخري!
المدهش ليس إني أخذت القرار ونفذته في نص ساعة،
بل كيف اسمريت في هذا المكان لأكثر من عام!
كيف تركت نفسي لكل هذة المهانة والاستهلاك!
ومقابل ماذا؟ حفنة من الجنيهات، وسراب ال"كارير باث" وباقي الألفاظ التافهة المستحدثة؟
حبيبي كان عنده حكمة حين كنت أشكو له حالتي وأنا منطفئة تماما،
قلت له أنا أخسر نفسي "وماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟"(1)
فرد بسخرية .. "لكنك لاتربحين العالم كله ..
أنتِ تحاولين عبثًا مقايضة وظيفة متواضعة بعقد مؤقت مقابل نفسك!"
كان علي حق .. لو إني ربحت العالم كله لبدا هذا منطقيًا! لكني لم أربح شيء!
الرسالة الأولي كانت الاستقالة وسوف لاأرد علي أي "ميلات" أو اتصالات ..
سوف لايصلون إلي مرة أخري أبدًا، وليس في حيلتهم مايفعلون.
العقد المؤقت بلاشرط جزائي.
كنت مسحوبة الرقبة بحبل وهمي.
وهاقد نزعته.
***
الرسالة الثانية كانت له ..
حبيبي ..
"سوف لااستمر في علاقتنا.
أرجو ألايبدْ هذا صادمًا لك، لكنه حقيقي جدًا علي أي حال
لاتحاول الاتصال بي.
هذا قرار نهائي وليس محاولة استعطاف.
شكرًا علي الوقت والمشاعر وكل شيء انفقناه سويًا.
أكرر .. لاتحاول التواصل معي بأي شكل مباشر أو غير مباشر مرة أخري.
هذه الرسالة أخر شيء يربط اسمينا معًا.
دمت بخير."
هكذا .. بلامقدمات .. بلاخناقات .. و"بلا ولا شي .."
علاقتنا قياسية، وهو "عريس لُقطة" .. تمامًا كوظيفتي ..
لكنه علي نفس الدرجة من الاحباط أيضًا.
هو يدرك أنه "عريس لُقطة" لذلك لم يحاول أن يكون أبدًا "حبيب جيد" ..
بحق كل المكالمات التي لم يرد عليها ..
الأفلام التي يختارها وحده كي ندخلها دون أي يعرف رأي ..
الهدايا التي لايشتريها ..
والهدايا التي يقبلها دون أن يتذكر أن يقول لي رأيه فيها بعد يفتحها وهو وحده.
السخرية من كل مايخصني .. ملابسي .. شعري المجعد .. وألوان طلاء أظافري.
ولايعرف أن هذه الأشياء تبهجني أكثر منه، بل تعوض التحطيم الذي يفعله فيّ!
 بحقهم كلهم أبتداء من اليوم أنت غير موجود في حياتي ..
وشكرًا لأنك بغيابك تشعرني كم ستكون حياتي جميلة من بعدك.
***
الرسالة الثالثة لصديقتي الوحيدة
أخبرها كم هي رائعة وجميلة ومهمة بالنسبة لي.
أخبرها أني تركت الشغل وانفصلت عن حبيبي وأني بخير جدًا .. جدًا!
أكثر من أي وقت عرفتني فيه طوال العامين الماضيين.
أخبرها أنه لولا وجودها لصدقت إني سيئة،
وغير قابلة أو مستحقة لأي نوع من المحبة ..
وإنها لولا الأوقات الطويلة التي استمعت فيها إلي -حتي ولو بنصف أو ربع تركيز-،
لربما كنت الآن جثة غارقة في النيل، أو متحللة بأثر سُمّ في دمها الناشف.
أخبرها أنها مهمة عندي جدًا .. وإني أحبها.
لليس فقط لأني احتاجها ..
بل لأني رأيت روحها وقلبها وأحببتهم من روحي وقلبي.
أطلب منها ألاتحاول أن تصل إلي خلال هذا الأسبوع.
ولاتحاول أن تكلم حبيبي -سابقًا- لتعرف منه أي شيء -لأنه لايعرف-
ولالتحاول إعادة التوفيق بيننا.
فقط أسألها أن تدعو لأجلي لأن الله يسمع ويجيب للمحبة.
***
أفرغت أكياسي في الحمام ..
صابون برائحة الفانليا لصنع فقاعات في "البانيو" الممتلئ بالماء الدافيء،
وزيوت عطرية،
وبخور،
وزجاجاتان من العطور الفاخرة.
أجلب الغلاية من المطبخ مع "ماج" كبير
أضعها علي طرف "البانيو" مع أكياس المشروبات الساخنة سريعة الذوبان
والأعشاب التي تساعد علي الاسترخاء وتطرد السموم من الجسم
بعض المواد الطبيعية الأخري ساستخدمها كــ"مسكات" لوجهي وجسدي،
وسأكلها وأشربها أيضًا!
كبرطمان العسل الأبيض هذا، والبُن الفاتح ..
كم كلفني كل هذا ؟؟
بعض مئات.
من إين جئت بهم؟؟
ثمن قسط السيارة الشهري.
وكيف سأدفع القسط؟!
سوف لاأدفعه .. سأبيع السيارة.
ناضلت عام كامل في تقشف رهيب لكي أوفر ثمن مقدمها،
والآن كنت أستعبد نفسي عام أخر لأدفع أقساطها ..
فلتذهب هي وأقساطها للجحيم .. وتعطني مقابل ذهابها النقود اللازمة لأحيا.
إيجار الشقة؟
لاأعرف .. لأُجل التفكير أسبوع ..
ربما أذاب بخار الحمام مع الزيوت والعطور الدهون التي علي قلبي مع جسدي،
فألين وأصالح أمي الأرملة حادة الطباع،
وأعود لأسكن معها في "بيتنا" الذي أوحشني جدًا!
سأقضي هذا الأسبوع عارية ..
عارية من كل شيء ..
فقط أحاول أن استعيد الشعور بنفسي ..
بجسدي ..
باحساسي ..
بحواسي ..
لأني ولأول مرة منذ أعوام،
أشعر بالكنز الغامض الذي كنت أجري وراءه لاهثة حتي انقطعت أنفاسي بلاجدوي يفج في كياني ..
أشعر بالانجاز.

الثلاثاء، 7 يونيو 2016

لااستطيع أن أحبك في القاهرة ..



حبيبي ..

أسفة.

أجل وعدتك أن أحبك طوال العمر،

وأن اتمسك بك مهما واجهنا من عقبات.

لكن أتعلم؟ ليست المشكلة في تحديات تواجه حبنا الذي يكبر،

بل في حبنا الذي لم ولن يكبر أو يصمد ..

لأننا في القاهرة!

***

حبيبي ..

كنت أحسب المسافة إليك بمقياس الأغاني.

تفصلني عنك أغنتين أو ثلاث ..

تهاتفني فأخبرك أنه بقي لي علي مكان لقاءنا أغنية لعمرو دياب ..

وموشح أندلسي ..

كنت أشرب الحب من الأغاني في الطرقات،

حتي أقابلك فألتهم عينيك كطبق رئيسي.

لكن أنظر!

حتي أم كلثوم صارت تغني .. ثم تتنحنح وتفارقني مللًا قبل أن أصل!

أم كلثوم التي يسخر جيلنا كله من طول أغانيها الذي يتعدي الساعة أحيانا تمل من طرقات القاهرة!

تُنهي وصلتها قبل أن تقطع الحافلة بضع كيلو مترات في العاصمة الممهدة!

الزحام يشوش علي وصايا المطربين لقلبي.

صرت أعلق سماعة وأترك الأخري تسكب موسيقاها علي صدري،

حتي ألتفت لأصوات السيارات ومعاكسات المارة .. فيكون حذري حاضرًا.

صرت أُسكِت الأغاني والموسيقي التي تعطي للحياة معني،

وتضعها في إطار كـ"كادر" فلم ..

حتي تصمد بطاريات الهاتف!

كيف يموت الهاتف فلا نلتقط مع بعضنا صورًا احتفالا باللقاء؟؟

لكن انتظر!


أي صور يجب أن ألتقطها وأنا قادمة من معركة المترو؟؟

حبيبي ..

هل تري الصور الرومانسية التي اشاركها علي صفحتي في "فيس بوك"؟

دعك من الخلفيات الخضراء، أو خلفيات الشواطئ ..

ألا تري كل الفتيات الجميلات فيها يرتدين الفساتين؟؟

هل أنا جميلة؟ ..

إذن لماذا لا استطيع أن أرتدي أبدًا فستان في القاهرة؟

هل يجب أن انتظر ليوم زفافنا كما تمزح؟

لكني لاأريد فستانًا أبيض .. أريده قصيرا مزركشًا ..أجري به أمامك وأدور وأغمز إليك وأنا أخبرك بحركة شفتي فقط أني أحبك ..

تري هذا المشهد مستحيل التحقيق في العاصمة؟

أما أنا فأتخيل نفسي دايمًا أقولها هذا فقط!

بينما أنا أقولها بصوت مرتفع تكاد لاتسمعه رغم حدته بسبب الزحام ..

أقولها وأنا لاأنظر في عينيك حتي لاأتعثر في المارة،أو في حُفّر الأرض ..

حتي إذا جلسنا في "كافيه"،فلا أستطيع أن أقولها لأني أراني في مشهد مبتذل!

قنوات الأغاني الهابطة هي الخلفية ..

والزحام مرة أخري ..

اتنهد .. وافتح "المنيو" ..

دائمًا صفحة المشروبات لأنها الأرخص

أمرر أصبعي علي صف أسعار الحجم الصغير، لااسماء المشروباتواختار الصنف الأرخص ..

أغلب الوقت هو الشاي الذي لاأحبه.

أعرف أنك تدخر لتجهيز بيتنا المُؤجر الذي سيلتهم مرتبك بالكامل!

أشرد فتلمسني فانتفض!

كل اللمسات أصبحت بالنسبة لي "تحرش" إلي أن يثبت العكس!

لمستك جنة!

حضن أم، وأمان أب، ودعم صديق، وغزل حبيب ..

لكن جهازي العصبي أصبح متحفزًا لايُحسن الاستقبال ..

لاتتذكر المرة التي ضربتك فيها في المترو أثناء النزول،لأني ظننتك غريب ينتهز الزحام ..

وأنت كنت الحضن الذي يحميني من الخلف،بالوضعية التي طالما حلمت بها وخجلت أن اطلبها!

لكني لم أخجل أو أتردد أن اسحقها تمامًا ..

أتذكر أنا أن جسدي ظل لآخر اليوم يرتعش،صدمتًا وقهرًا.

حبيبي ..هل تذكر السلسلة التي تحمل قلبان صغيران متداخلان؟

تلك التي رايناها في "المول" المرة التي ذهبنا فيها للسنيما ثلاثية الأبعاد؟

هل تذكر كيف لمعت عيني عندما رأيتها ..

وكيف ألتقطتها أنت بفراستك، من بين عشرات المعلقات 

عرفت التي أنعكست علي قلبي فعيني ..

قَلبناها في إجراء روتيني لنعرف سعرها ..

ولأنها لم تكن ذهبية أو فضية لم يتوقع أحدنا أن يتجاوز ربع راتبك!

وأن شراءها يعني أن ينفض كلانا جيبه عن آخره،

وأن نعود لبيوتنا الملقاه علي حدود العاصمة هناك وهناك سيرًا علي الأقدام.

يومها كسرتُ خجلك وامتقاع وجهك بمزاح أني لاأريدها،

لكني انكسرتُ!

كنت أريدها بشدة

في اللحظة التي رأيتها فيها كنت قد امتلكتها!

رأيتنا معًا وأنا أرتديها وألمسها وأنظر إليك بطرف عيني،فأختصر كل شيء ..

حتي مجرد سلسلة "فالصو" قد بخلت علينا القاهرة بها لارتديها،بعد أن أفسدت علي كل الخلفيات والملابس والأجواء.

حبيبي ..أنت الآن معي ولست معي،

يحملك نفس القطار الذي يقلني مع المئات تحت الأرض،

ولكننا مفترقان لأنك تخاف علي من التحرش ونظرات الرجال في العربة المختلطة،

فالآن أنا من عربة السيدات التي تكدس أجسادًا أفسدت قوامها الدهون،

وأفسد رائحتها العرق،

وأفسد بشرتها التلوث،

وأفسد مزاجها الزحام،

وأفسد قلوبها همّ العاصمة ..

أكتب إليك لاعتذر لك عن أني سوف لااستطيع أن أحبك ..

 في القاهرة.


الثلاثاء، 23 فبراير 2016

ضع خلفية هاتفك المحمول صورة طفلة تبتسم



لتبتسم أنت أيضًا كل صباح

رغم الصداع الذي يلازمك

ورغبة الهروب من العالم لنوم أعمق وأعمق.

فابتسامتها ستجعلك

–وأنت تغلق منبهك المزعج،

رغم نغمته المختارة بعناية-

تبتسم ..


***


ولأن عيني الطفلة المبتسمة هما الجمال

الجمال كما ستراه لاحقًا مجزأ في الطبيعة والبشر

كل الصفاء والصدق والهدوء والاغواء فيهما

ليس كعينيّ فتاة الإعلان التي تنتظرك

بحجم مبالغ فيه،

وألوان ملطخة ومعدلة بالـ"الفوتوشوب"

علي لوحة الإعلانات في محطة الأوتوبيس.

لكن بلمعة يستعيرها ممثلوا الأوسكار

في بعض التعبيرات النادرة

ومع ذلك لاتُستحضَر بكل هذا الوضوح

الذي في عيني الطفلة.


***


ولتملك الحافز لتعمل

تعمل أي شيء وكل شيء

لأجل أن يكون العالم أفضل

كبيئة تضمن سلامة تلك الابتسامة

ولأجل الحفاظ  علي لمعة العينين من أن تخبو


***


ولأن ابتسامة وجه الطفلة

بجرعة المرح والفرح فيها

احتفال قائم بذاته


***


ولأجل الخزي!

الخزي الذي يلازمك مع عقدة الذنب

لأنك كذّاب

ومنافق

ومخادع

وتبتسم كل يوم في وجه الناس لأجل المنفعة

حتي لو كانت المنفعة أن يتركوك لحالك

بينما هي تبتسم بصدق يكفي أن يفضح البشرية كلها

لو تَملّك منها

فلربما تقتادك ابتسامتها للتوبة.


***


ولأجل الإيمان

والفرح

والرجاء

الذي يهبه الله للإنسانية ولم يجفف منابعه

في وجه طفلة لايمكن أن يدفعها أحد

 –ولاحتي نفسها-

أن تتصنع ابتسامتها

من دون أن تشعر في قلبها الصغير

بتلك المعاني، حتي وهي لاتدركها

باسماء وتعريفات منفصلة مفصلّة

لكنها تعرف التعبير عنهم بوضوح

في ابتسامتها.


***


حتي إذا أتتك المكالمة تلو الأخري

تحمل الأخبار المزعجة

والأوامر الضاغطة

والحكايات المرهقة

وحتي إذا تصفحت شبكاتك

ودفعت باصبعك السطور والصور لأعلي

فإذا بها تلقي في روحك أثقالًا وتطير.

يكفي أن تنظر في النقلات

بين المكالمات والرسائل والتطبيقات

لخلفية هاتفك المحمول

وتطالع وجه الطفلة التي تبتسم

فتلمس أعماقك ..


وتبتسم.


الأحد، 22 نوفمبر 2015

السامري الصالح المتابع لنشرات الأخبار



أشغل التلفاز بعد أن وضع كوب الزبادي ورغيف الخبز علي المنضدة أمامه، ليتسلي أثناء عشاءه .. غدا ينتظره يوم سفر طويل، يتحتاج أن ينام مبكرًا ليكون منتبهًا أثناء القيادة.
     تظهر أمامه صورة الطفل "إيلان" علي خلفية الخبر .. يتسمم الطعام في فمه، يشعر بالغثيان، ينهض ليفرغ ماوصل للتو معدته. يبكي بأنهيار أمام الحوض .. يضع رأسه تحت الصنبور المفتوح ويتذكر أبن أخته الذي يماثل "إيلان" في السن، وعنده ملابس تشبهه .. للوهلة الأولي ظنه هو!
     في الصباح استيقظ وهو يشعر بإعياء .. صداع شديد وغثيان. سوف لايسافر من أجل العمل اليوم، لاطاقة لديه للقيادة .. سيرسل بريد إلكتروني يعتذر فيه.
     علي طريق السفر كان ينتظره شريكهُ في القصة ..، لكنّ القصة سوف لاتكتمل لتغيير الذي طرأ في مسار الأحداث.

***

     ينهره صديقه علي سذاجته، يخبره ألا يكون "غشيمًا" ويتعاطف مع كل المرضي والشحاتيين. يحاول إقناعه بحسبة بسيطة أن الطفل القذر ذو العيون البريئة يُدرّ دخلًا يساوي دخله هو بمقدار الخمس أضعاف، وهو الذي تدرج في المناصب طوال ثمان سنوات، هذا فقط إذا اعطاه كل عشرة اشخاص يمرون عليه جنيهًا واحدًا .. وإذا جلس علي الرصيف لمدة خمس ساعات فقط يوميًا.
     يريه مرة في حارة جانبية الفتاة وهي تنزع كيس البول المعلق بشكل مُلفّق يظهرها كمريضة بمرض مزمن يخص الكلي. يبتسم بسخرية ويرجوه أن يكون أمينًا علي نقوده ولايعاطف مع كل نصاب.
     في حوار آخر يستبصره بأن كل إعلانات الجمعيات والمستشفيات التي ترقق قلبه في التلفاز تتلقي تمويلات، وتنفق مرتبات مبالغ فيها لموظفيها.. ثم أن الدور الذي تقوم به هو دور الدولة وليس دور الافراد.
     يمر "سمريُّنا" الجديد أمام رجل مسن خرج للتو من عيادة الطبيب، ولم يستطع أن يسير حتي طريق المواصلات .. خارت قواه وسقط، تضررت رأسه فنزفت وألتوي كاحله. شعر بعجز الدنيا وذلها كله عنده .. بكي بدموع الشيوخ العزيزة. كان من المفترض أن ينزل السامريّ من السيارة ليساعد الرجل ويأخذه إلي أقرب مركز يعتني به ويدفع له هناك .. لكنه كان مشحونًا بكلام أصدقاءه .. رمقه وتمم ليُسكت قلبه "نصاب" .. عبر به وتركه .. ولم تكتمل أحداث القصة.

***

     يقرأ في "بوست" علي "فيس بوك" عن السيدة الوحيدة، أو الشاب الذين يستوقفوا السيارات بزعم أنهم تائهون، أو سياراتهم معطلة .. يطلبون المساعدة في الانتقال أو يتغيير إطار السيارة .. يطعنون السائق أو يخدرونه ويسرقون السيارة، وكل مقتنيات قائدها. البعض يحكي نفس القصة مع احترافيه أكبر لللصوص، بأجبراهم لقائد السيارة علي توقيع عقد بيع وشراء قبل التخلص منه.
    ترعبه القصص من هذا النوع الموثقة بصور وشهادات! هو كثير السفر علي الطريق وحده!
     تحاول هذه السيدة أن تستوقفه وعيونها دامعة .. ترجو من الله أن يكون شريفًا ولايفكر في إذائها هي أو أطفالها الذين أغلقت عليهم السيارة بإحكام. تعطلت بهم سيارتها أثناء عودتها من عند والدتها، واستنفذ هاتفها المحمول شحنه كعادة المفارقات السيئة. تحاول أن تتصدر الطريق ليراها .. لكنه كاد يصدمها! .. تجاوزها وشعر بأفراجه في صدره أنه –الحمد لله- نجي! .. هذه السيدة هي شريكته في القصة، لكنّ القصة لن تكتمل بسبب ضغطة البنزين القوية بدلًا من الفرامل، وتغيير مسار الأحداث.

***

     أخبره زميل القهوة بشيء مروع عن صديق له وهو يضرب كفًا بكف ويردد بين الجملة والأخري "صحيح خير تعمل .. شر تلقي". ساعد هذا الصديق فتاة فاقدة الوعي في الشارع .. أوصلها للمستشفي، وأدخلها ببياناته، ودفع لها ثمن العلاج، فساومته الفتاة –التي اتضح أنها مدعية- علي ملبغ مقابل عدم الإبلاغ عن تحرشه بها ومحاولة خطفها! .. عرف –هذا الصديق المجهول- بعد ذلك أن هذا نوع جديد من النصب. يصل أحيانًا لخطف المتعاطف وطلب فدية. النصابون ينتمون للأطفال والفتيات الذين يصعب ألا تتعاطف معهم، ويستحيل أن تتوقع من جهتهم سوءًا.
     هذا طفل الذي صدمته سيارة وهو عائد من المدرسة بدي أنه يحتاج لعلاج، وأن يصل لأهله في أسرع وقت، كان في حالة هلع ويبكي بهستريا. نزل "السامري" من سيارته وأشتري له عصيرًا ومناديل ليمسح الجروح والسحجات التي أصابته. بدي الطفل كعصفور هَلِع .. رفض أن يشرب أو ياكل أي شيء، رفض أن يلمسه أحد .. كان فقط يصرخ "ماما" ..
     كاد أن يشرع في توصيله لمنزله لمّا تذكر أنه ربما يكون مُدرّب كي يستميل الشفوقين أمثاله، نظر إليه فوجده طفلًا جزعًا بريئًا .. هل يمكن أن يكون هذا الملاك شريكًا في تشكيل عصابيّ؟ لكنه تذكر أن النصابون مقنعون جدًا .. وإلا لمّا اصطلح تسميتهم هكذا ..
     ربت علي رأسه ومضي .. ومع أن هذا الطفل كان شريكه في القصة، لكنّ القصة لن تكتمل.

***

     ربما هذه بوادر ذبحة صدريّة .. ألم يحتل كتفه الأيسر، مع تنميل وخدر في أطرافه. يغلق التلفاز والحاسوب. سوف لايتابع أخبار تفجيرات "باريس" .. المدينة التي طالما حلم بقضاء أجازة أسطورية فيها .. مدينة النور. تخيل نفسه أحد رواد المسرح أو الأستاد أو المطعم الذين يقضون وقتًا رومانسيًا أو ترفيهيًا ممتعًا .. فإذا بهم ضحايا! ..
     فكر ربما لو صلي لأجلهم لشعر ببعض الراحة. نهض ليصلي .. رفع عينيه فظهر له في سقف الغرفة "البوست" الذي رآه للتو يسخر مِن مَنْ يطلبون الصلاة لأجل باريس، بينما أوطانهم تتمزق، وبها من المآسي مايفوق أنفجارًا عابرًا .. شعر بألم صدره يزداد وعرق بارد يتفصد من مسامه .. يعدل عن قرار الصلاة ويفكر أنها فكرة ساذجة.
     كان من المفترض أن يصلي لأجل كل المتألمين –كما تعود- ولأجل أعداءه أيضًا حتي تكتمل القصة، لكنها لم تكتمل.

***

     "السامري الجديد"سامريًا صالحًا في قلبه .. ليس كاهنًا ولا لاويًا ولا رجل دين رفيع المستوي، وربما ينتمي لذوي الإيمان الفاسد (لأنه سامري، وليس يهوديًا) .. لكنه رحيم.
     ربما ماكان علي سامرينا أن يتابع نشرات الأخبار، ويستمع لنصائح الأصدقاء، ويصدق "بوستات" مواقع التواصل الاجتماعي ليحافظ علي مسار القصة .. ليحيا بالحب .. ويرث الحياة الأبدية .. ولكن ماذا لو كان كلامهم صحيحًا مقنعًا؟ هل سيفتقد عالمنا السامريين الصالحين للأبد؟

***

النص الأصلي لمثل السامري الصالح:
 "وإذا ناموسي قام يجربه قائلا: يا معلم، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟
فقال له: ما هو مكتوب في الناموس. كيف تقرأ؟
فأجاب وقال: تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك، ومن كل فكرك ، وقريبك مثل نفسك.
فقال له: بالصواب أجبت. افعل هذا فتحيا.
وأما هو فإذ أراد أن يبرر نفسه، قال ليسوع: ومن هو قريبي؟
فأجاب يسوع وقال: إنسان كان نازلا من أورشليم إلى أريحا (يفترض أنه يهودي لأن اليهود كانوا يسكنون أورشليم، وهم أعداء السامريين) ، فوقع بين لصوص، فعروه وجرحوه، ومضوا وتركوه بين حي وميت
فعرض أن كاهنا نزل في تلك الطريق، فرآه وجاز مقابله
وكذلك لاوي أيضا، إذ صار عند المكان جاء ونظر وجاز مقابله
ولكن سامريا مسافرا جاء إليه، ولما رآه تحنن
فتقدم وضمد جراحاته ، وصب عليها زيتا وخمرا، وأركبه على دابته، وأتى به إلى فندق واعتنى به.
وفي الغد لما مضى أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق، وقال له: اعتن به، ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك.
فأي هؤلاء الثلاثة ترى صار قريبا للذي وقع بين اللصوص
فقال: الذي صنع معه الرحمة. فقال له يسوع: اذهب أنت أيضا واصنع هكذا."

(أنجيل لوقا الاصحاح العاشر)