السبت، 16 فبراير 2013

جدر بطاطا

الشرارة الأولى لفكرة القصة جتلى من تعليق د.مصطفى سيف الدين على البوست دا :

وبعدين كتبت لما قريت قصة "عمر صلاح"  دا اللى كتبت عنها إيفرونيا هنا  ، وفاتيما هنا

القصة إهداء لروح عمر صلاح .. اللى ربنا رحمه ..
ربنا يعزى أسرته ويرحمنا إحنا كمان







برد .. برد .. لا استطيع أن احتمله ، متى سوف أموت أو أفقد الوعى من احساسى بالبرد ؟؟ .. لم يمر علىّ شتاء أشعر فيه "بآلام البرد" كما فى هذا العام .. قدماى وكل عظامى يعذبهما ألم من نوع خاص .. تخطر لى خاطرة أن أهل الجحيم هم الأوفر حظاً .. إن ألام الاحتراق ربما تكون أهوّن مما أعانيه الآن ، بل وأكثر .. أن الدفء حتى الموت أفضل للقلوب من موت تجمُّداً. هكذا البشر من جهة آلامهم .. الكل يظن أن ألمٌه هو الأفظع ، وأن ألم الأخرين مُحتمل عن ما يعانيه .. أتذكر أنى عندما كنت أعانى من الصداع المُزمن كتبت دعاء أن يرحم الله كل مصابى الصداع حول العالم ويرحمنى .. أو يبتلينا جميعاً بأى وجع أخر فى أى مكان فى أجسادنا وليدع رؤسنا سالمة ، إذ هى جعبة أفكارنا ومشاعرنا ولوحة تحكم أجسادنا. الآن أشعر أن البرد هو الأسوأ على إطلاق رغم أنه ليس مرضاً من الأساس !

لماذا أشعر بالبرد الآن أكثر من أى وقت مضى ؟ هل لأنى أخيراً أدركت واعترفت أنى بالحقيقة "عريان" ؟ .. أجل ، عارٍ تماماً رغم طبقات ملابسى المتعددة .. عارٍ من الدفء الأبوى والأخوى وطبقات الأصحاب التى كانت دائما تحوطتنى .. وأخيراً من حرير حب الحبيبة. هل كانت يداى دافئتان طوال الوقت لشعورهما باتزام أن تدفئ يداها ؟ أم أن يدها الصغيرة كانت شعلة الدفء فى قلب يدى تمنح حياتى كلها الحرارة والضوء الهادئ ؟

أسير على غير هدى .. كابوسى ليس فى نومى ، بل فى صحوى .. فى ادراكى لوحدتى .. قدماى تمتثل لردار غامض وتقودانى دائماً لأماكن تجمعات البشر .. استدفئ بأنفاس الازدحام. يعبّر مصطلح "أخلاق الزحام" عن صفات سلبية لمجتمع ما ، أما بالنسبة لى "فاحساس الزحام" هو المعادل النفسى لمفهوم الأمان ..

أسير وأسير .. أفكر فى معنى حياتى وخبراتى السابقة .. أفكر فى كل النصائح التى تلقيتها منذ خروجى للحياة وحتى قبل ساعات قليلة .. هراء .. كل النصائح هراء .. مصطلع "نصيحة" فى جوهره ، هو تغليف لحالة التعذيب السادية التى يمارسها "الكبار" و "الحكماء" على المعَذَبين من أمثالى. لماذا تنصحنى ؟؟ لأنى قد وقعت فى مشكلة ؟ حسناً .. دعنى لألامى إن لم تكن قد أتيت لتضميد جراحى ومداوتى ، لا احتاج نصيحتك الرخيصة .. الآن عندى ذلك الجرح المُشرّف المدعو "خبرة". هل لأنى لم أقع بعد فى مشكلة ، وتريد تجنيبى إياها ؟ .. وفر عنك عناء الكلمات .. الإنسان لايتعلم بما يدخل أدنه ، بل بما يدخل قلبه وعقلة ويمتصه كيانه سواء "بالخبرة" أو أى نوع من أنواع الصدمة. لاتورثنى أيضاً خوف من مجهول ، ربما لايكون عندى –بالفطرة- قدر من الحماقة يوقعنى فيما وقعت فيه ، فالحذر ليس ناتج نصيحة فقط ، بل هو ليس ناتج نصيحة أصلاً. أو قل لى ماذا أنتفعت أنت يا ناصحى مما سمعت من نصائح فى حياتك ؟؟ لماذا إذن تلقننى "خبراتك" ولا تريد لى أن تكون حياتى حاصل خبرات مثلك لأنصح بها أخرين. شىء مدهش أن يستغل البشر حماقتهم وكبواتهم ليمارسوا نوعاً من "الحكمة" على الأخرين الأقل حماقة !

يجذبنى صوته فى شرودى .. تأذخنى قدماى إليه .. يختل ردارى ويظنُّه مجموعة –وليس فرداً- لسبب الكورال الذى يغنى خلفه .. يغنى ويرد عليه صوت الكورال فى الراديو على عربة البطاطا. لا أميزه لاختفاءه وراء الفرن على العربة المتواضعة. أدور حولها فأجد طفلاً -يغنى مع الرايو-  ووجهه مضئ كالقديسين ! ، ضوء الفرن الهادئ يضفى عليه هالة من القداسة والغموض الساحر .. ينظر إلىّ وكأنه يبتسم ، أدقق فأجده لايبتسم حقاً .. يطول التحديق ويظهر فى وجهه الاستفهام. "عايز بطاطا" .. كان لابد أن أطلب ، لو انصرفت بعد تحديق –لاأعرف كم زمانه- للعننى فى سِره ، لاتنقصنى لعنة قديس فى حياتى البائسة.

-اتفضل ياباشا
-لأ أنا عايز ده .. خد الخمسة ومش عايز باقى
-جدر البطاطا بجنيه يابيه .. عايز تدينى خمسة خد خمس جدور ، ولو مامعكش فكّة أفوكّلك
-أصلى طلبت واحدة مخصوص
-وماله .. نفس السعر ، بس هاتستنى شوية

فى الحقيقة هذا هو سبب طلبى المخصوص ، كنت أريد الانتظار ولا يوجد مبرر غير انتظار ثمرة نيئة حتى تنضج. لماذا أريد الانتظار ؟ .. هل لأختلس حرارة الفرن ؟ .. هل لأسمع الأغنية القديمة ذات اللونين الأبيض والأسود حتى النهاية ؟ .. لماذا ؟؟

-بس أنت ليه بتقول جِدر بطاطا مش كوز أو زِر زى ماسمعتها فى فلم قبل كدة ؟
يصمت حتى ظننت أنه لم يسمع سؤالى ، أو تجاهله لأن سأم حوارات الزبائن ، ثم قال دون أن يرفع عينيه عن النار الفرن أو يتوقف عن تلقيب الثمار بعصاه.
-أبويا الله يرحمه كان بيقول كدة وأنا خدت الصنعة منه.
تممت مع تنهيده عميقة ..
-الله يرحمه

وكأنما جذبته التنهيدة –بصدقها- فرفع عينيه المحمرتين إلى فجأة بابتسامة ، ابتسامة دافئة من قلب نار مست كل عظامى برعشة. خفتُ أن ينتهى الحديث:

-أنت عارف أن تعبير جدر بطاطا دا أكتر تعبير صح ، علشان البطاطا دى جدر بيبقى تحت الأرض ، زى البطاطس والقلقاس كدة ..

ينظر إلى نظرة طويلة لم أفهم معناها ، حتى إنى راجعت ما قلته ! .. هل له مرادف أخر فى لغة أخرى لايعلمها إلا هو يجعله ينظر إلى هذة النظرة الثاقبة لأخر طبقة فى قعر روحى ؟
-ماأنا عارف ! .. البطاطا دى من جنينة حوش بيتنا ، عارف يابيه ...

حسناً قُل هيا ! .. أريد أن أعرف .. كل ثانية من الصمت يدوى كرباج الألم بألف جلده على نفسى .. أرحمنى وقل ، ما ستقوله الآن هو كل ما أريد أن اسمعه فى حياتى .. نار عينيك جففت أعماقى تماما ، وريّك لعطشى بما ستقوله هو ماسوف ينقذنى من التشقق والانهيار الكامل.

يبدو أن شوقى واضح فى عينى .. لذا أكمَل ..

-أنا لولا الحاجة ، ماكنتش بعت البطاطا دى ، كنت جمعتها وكلتها أنا وأمى وستى وأخواتى ..ناكلها لوحدينا كلها ، عارف ليه يابيه ؟ علشان البطاطا دى فيها من أبويا الله يرحمه ، وإحنا بس اللى من حقنا ناكلُه ..

هززت رأسى بأنى فهمت ، وهممت أن اُعزيه ، لكنّ –للعجب- هزة رأسى جائت برد فعل غير متوقع .. إذ بدا أنها استفزته جداً !

-على فكرة يابيه أنت مش فاهم يعنى إيه البطاطا دى فيها من أبويا ..
-لأفاهم .. فاهم .. يعنى أن أبوك الله يرحمه كان بيشتغل نفس الشغلانة فــ
-لأ فيها من أبويا فى لحمها .. فيها من جِتِتُه ..

تنوعت الانفعالات على وجهى من تقطيبة عدم فهم .. ثم انفراجة رعب .. وهو يراقب

-إز .. إزاى .. يعنى .. هو .. إزاى ؟؟
-البطاطا فى الجنينة اللى جنبيها مدفون أبويا فى الأرض ، والبطاطا فى الأرض بتبقى مدفونة جنبه و ....
-مدفونة جنبه ؟؟!! ... هو أنتوا دافنين أبوكم فى جنين بيتكم ؟؟!!
-لأ يابيه إحنا ساكنين فى المدافن ..

اصمت وتسكن ملامح وجهى .. واضطرب داخلى كبركان على وشك تدمير قارة بأكملها .. يحدق فىّ ، ثم يستفيق ويتذكر البطاطا التى نسيها داخل الفرن .. ويحرك عصاه بسرعة وقلق محاولاً انقاذها ..

-ماتتخضش ياباشا .. البطاطا زى الفل ، مش هاقولك حلوة زى العسل ، هى حلوة زى البطاطا ..

هو الآن يحاول ممازحتى ، ربما ندم على حواره السابق والآن يبحر بى خارجا مرة اخرى لشاطئ السطحية .. لكنى أجدف فى الاتجاه العكسى بسرعة ..

-وليه كان نِفسَك تاكلها لوحدك أنت وأسرتك ومش عايز تبيعها ؟؟
ينظر لى محاولاً تقدير قوة احتمالى لما سيحكيه ..
-علشان أبويا ...
 -ماله ؟؟

ينظر للفرن ويقلب بقوة وعصبيه وقد قرر –وقراره بَيّن- أنه سيحكى ، أفهم أو لا أفهم .. احتمل أو لا احتمل .. لايهم.

-أبويا بيكلمنا فى البطاطا .. روحه فيها ياباشا .. عارف أزاى ؟؟ .. لونها بلون إيديه السمرا من الشمس وحريق الفرن .. دافية زى حضنه الدافى .. مش سخنة يابيه ، دافية .. مش بتحرق ، حلوة ومسكرة زيه .. أبويا كان "تِمُّه زى السكر" زى ما بتقول سِتّى .. بحس أنه بيبعتلى فى البطاطا النصايح والحكايات اللى مالحقش يقولهالى فى حياته .. عارف يابيه .. أستغفر الله العظيم أستغفر الله العظيم .. لولا أنى عارف أن البطاطا ربنا خلقها زى كل الزرع كنت قلت أن أبويا هو اللى خلقها .. علشان أبويا كان .. أنت بتعيط يابيه ؟!

فقت ! .. لماذا استفقتنى ؟؟!! .. أبكى أو لا أبكى مالك وتفاهتى !

-لأ ...
-أنا أسف يابيه ، لمؤخذة ضايقتك ، عارف يابيه حضرتك أول حد أقوله الكلام دا ، بخاف الناس تتريق علىّ ، أو تقرف أو تتشائم من البطاطا لما تعرف أنها مزروعة فى مدافن .. اتفضل الجدر بتاعك ..
أخده منه وأنا أرتجف ..
-أنت بردان يابيه ؟؟ لو بردان ممكن تفضل واقف جنب الفرن تتدفى ، بس كدة لما تيجى تمشى هاتستهوى.

أرتجف من حبور اللحظة ، من جلال الموقف .. أشعر  أنى أحمل رفات نبى لا ثمر نبات.

-أنت قرفت من كلامى يابيه ؟
-لأ ... لأ خالص بالعكس ..
-أمال ماكلتش البطاطا ليه ، علشان اتلسعِت فى الفرن ؟
-لأ هاكلها أهو ..

اُقشرها بهدوء .. اضع القشر فى ترتيب تحت الثمر ولا ألقيه فى السلة المجاورة ، وأغمض عينى وأشرع فى الأكل .. اُحدّثه فى أعماقى ..

"انصحنى .. اعطنى من عندك أيها الأب الحكيم .. أعطنى من قبص روحك ياشعلة الإنسان المتقِدة وهى مطمورة .. يابذرة بركان حياة .."

افتح عينى وأنا أكل وأناجى فأجد الطفل فاغراً فاه فى دهشة ..

-أنت بتعيط كدة ليه يابيه !
-أنت ولد حلو خالص .. ربنا يخليك لأهلك ، أنت على طول بتقف هنا ؟
-لأ مش دايماً .. بروح فى المواسم الحِتت الزحمة ..
-مممم .. أصلى حبيت البطاطا بتاعتك جداً ونفسى أبقى أجى أخد من عندك على طول ..
-ربنا يخليك يابيه ..
-أنا بتكلم جد مش بجاملك .. أنت ولد شاطر خالص وبتعمل شغلك كويس قوى
-مع أنى بكرهُه.
-ليه ؟؟

رمقنى ملقياً فى وجهى كل احباط العالم .. سحقنى ، فاحتقرت ذاتى ..

-أه أسف .. فاهم فاهم .. يعنى فهمت قصدك ، قصدى كنت .. يعنى معلش ..

هنا جائت سيدة بطفلتين توأمتين تطلب منه لأبنتيها ..

-لو سمحت كوزين بطاطا بس يكونوا قد بعض بالظبط علشان البنات مايتخنقوش ..
-أمرك ياهانم
-كام ؟
-أتنين جنيه
-ليه؟ دى حتى البطاطا صغيرة ودا الموسم .. كفاية جنيه ونص قوى ، وأتوصى بسرعة علشان باباهم راكن صف تانى مش ناقصين ياخد مخالفة ..
-اللى تشوفيه ياهانم ..

مدّ عصاه للفرن يسحب ثمرتين ورمقنى بنظرة جانبيه متمادياً فى تعذيبى .. نظرة "أرأيت ؟ - أفهمت ؟ - أنت تعرف أكثر مما يجب – ما رأيك فى مزاد بيع أبى ؟- أذهب ودعنى لألمى – أعد لى أبى الذى معك .."

-أقسى وأرهب لحظات حياتى الفاصلة هى الآن .. ألملم باقى ثمرتى مع قشرها .. احتضنها بشدة وأهرب ...

الجمعة، 8 فبراير 2013

ماك وعربة البطاطا






لأنهم أوهموك بأراءهم –كما فى مقال لأحمد خالد توفيق- أن المطاعم الأمريكيّة فى مصر هدفها ثقافى بحت ! ..

ولأن آخرين أوهموك أن "عربات البطاطا" هى مستعمرة لوسائل الاحتراق السامة ، وتتصدر قائمة الأطعمة المُمِيتة ..

ولأن آخرين –غير هؤلاء وأؤلاءك- اختزلوا ثقافتك الأصيِلة فى نصف رغيف فول ، وطبق كشرى والبطاطا و "الحلبسة" الساخنة و "الممبار" والكوارع وغيرها .. وكتبوا وتباكوا وغنوا ..

ولأن فئة أخرى تماماً أوهمتك أن هؤلاء الذين يرتدون زى موحد ويعطونك "الأوردر" وهم يخبرونك بآلية أنك "شرفت المكان يافندم .. وإحنا دايما فى خدمتك" ينتمون لأكبر شبكة تآمرية فى العالم ، ويدسون لك عقاقير مريبة لتدمن مايقدمون، رغم أنه ليس شهياً ولا مفيداً كطعام الأمهات ..

ولأنى اليوم أجلس فى ساحة الطعام المكشوفة لمطعم أمريكى وأمامى عربة بطاطا .. فقد تخلصت من كل أوهامى التى أوهموك وأوهمونى بها ، ونفذ إلىّ "المعنى" بتلك الطريقة التى أميزها دائماّ.


ربما تكون هناك سياسات علوية سمحت بانضمام دول شرقية -ذات مزاج خاص- لقطار العولمة والاندماج فيه تماماً ومواكبة سرعته ..

وربما تكون هناك سياسات علوية ارغمت شاب يعانى البطالة أن يعمل على عربة بطاطا بدائية كأخر حل كابوسى لكسب القوت ..

ولكنّ شيئاً يخصنى وحدى وينتمى لسياسة التكوين النفسى الإنسانى للمصرى المعاصر التى تحركها أصابع عدة تحقق فقط مايسمح هو لنفسه به ..

خلايا جسدى وعقلى وثقافتى تنتمى للأثتين بشدة. لاتحارب إحداها الأخرى كالسرطان ، بل تتجانس وتصنعنى حتى أنه يستحيل الأمساك بأحد أصابعى أو تحديد جزء من بشرتى يتميز عن باقى الجسد ويعلن مصدر تغذيته ومكوّن مادته الأصلية .. كذلك أفكارى ومعتقداتى.

أنا تلك المصرية العصرية التى لاتتصنع "الكجولة" المود الغربى ، وإن كانت تحيا بعض تفاصيله .. وأنا هى هى التى مازالت تحتفظ بشرقيتها ومصريتها وأصالتها ومعتقداتها ، ولاتخجل من أن تجاهر بها وتعيش بنقتضاها ، وإن اتُهيمت بالرجعية والتخلف.


أحب كل "السندوتشات" السريعة ، والبطاطس المقلية و "الكاتشب" ومشروبات الصودا ..
وأحب رائحة البطاطا ودفئها وطعمها الحلو وشكل عربتها وابتسامة بائعها ..

لاأريد أن يغلقوا كل سلاسل المحلات والأمريكية فى مصر ..
ولا أريد أن تطارد البلدية عربة البطاطا وتمنع انتشارها .. هى وكل ماهو شعبى وعشوائى.

أحب كل "التنوع" حولى ولا أراه "اختلاف"
لأن وجبة "ماك" لا تتعارض مع "البطاطا الساخنة"
بل يتكاملا معاً فى صناعة بهجة ومعنى من نوع خاص بطعمى أنا.

الخميس، 17 يناير 2013

مشهد –غير إباحى- لأمرأة تستحم






      لأنها لاتلبس الأسود لتعلن حداد ... أو تلبس ثوباً غالياً يضعها فى قالب يدلل على طبقتها الاجتماعية .. لأنها لاترتدى فى هذة اللحظة مايصف ثقافتها أو ديانتها أو جنسيتها ... فقط تتسربل بالماء ! .. تتسربل من أعلى رأسها حتى أخفض قدميها ، كما لاتفعل أشد النساء تخفظاً فى أغلق المجتمعات.


     ولأنها تُحتَوى فى غلالة دافئة .. تلك الحالة التى لم تلتمسها من وقت سُكنى الرحم .. تتغلّف بالدفء الجارى ، حتى لتشعر أنه لايوجد مكان بارد فى العالم أكثر من قلبها .. لاتوجد تيارات هوائية أو عواصف هوجاء إلا فى فضاء روحها .. لاتوجد قضباناً باردة أكثر عظامها .. وكل الأعماق السحيقة للمحيطات كأعماق أكواب اللبن الدافئة الصباحية الشتوية لتلاميذ المدارس ، بينما البرد الحقيقى يكمن من عمق مليمتر واحد تحت سطح جلدها .. وحتى أعماقها المتجمدة الغير متناهية.

     لأنها فى حالة تشّم فيها الحنان من دفء وملمس الماء ، وتلمس الأبخرة وتقبضها بأنفاسها. ترى من خلال شفافية أجفانها المغلقة لون المياه القاتم ، إذ لايريد له الاحساس أن يكون شفاف ليعبر من خلاله لأى شىء أخر .. بل أن يكون شديد القتامة ليمتص كل أشعة النفس الهاربة .. لايتركها تهرب للمجهول فزعة ، أو يعكسها لنفسها فتعود خائبة تطعنها بالمرارة.


     ولأنها تتذوق على لسانها مذاق النار الذائبة فى الماء ، وتسمع دغدغات القطرات لبعضها .. صوت رقرقة الضحكات الوقور.


      ولأنها تتجرد من المساحيق وقصعات الشعر الرسمية والمجنونة ، الكل ينسدل فى تعبد وخشوع لقانون الجاذبية .. الجاذبية الأرضية التى تأخذنا بلاتوقف حتى نستقر فى أعماقها بعد طول نضال ضدها فى نمونا.
     ولأنها تعرف أن النصرة دائماً للأرض ضد مقاوميها ، فهى تمتثل لها باستسلام لتصبح شريكة فى النصرة حين تجىء.


     لأنها وحدها فى امتزاج مع العنصر الأساسى والضرورى للحياة .. ينسكب عليها ويحيطها ويكتنفها كالموسيقى .. فالتجربة ليست إباحية للمتأمل على أى حالة ، بل هى حالة –إن جاز التعبير- صوفيّة .. شديدة الخصوصية.

الأحد، 30 ديسمبر 2012

انفجار ليلة رأس السنة ...





ينهض من فراشه محاولاً عدم إيقاظ زوجته .. يسير بقدمه الحافية على البلطات الثلجية .. يمر فى الطريق من حجرته لـغرفة البنات بشظايا الزجاج المكسور منذ أسبوع .. قدمه المخدرة من البرد لاتشعر باختراق قطعة زجاج لها .. يكمل سيره الهادئ وهو ينزف..
يرفع الغطاء المنزلق عن الصغريتين ، ويلحق دمعة الهاربة الدافئة ، كى لاتحرق جدلهن الناعم بخوفها وحسرتها ..
يعود لغرفته ليجد "ماجدة" جالسة على السرير شاخصة إليه بعينتين معبأتان بدموع لهما نفس التركيبة العاطفية ..


***

-ينفع يوم عيد تنكد على مامتك أكتر ماهى متنكدة كدة ؟؟
-أنا خدت القرار دا علشان ماتتنكدش أكتر ..
-ياعاطف .. أنت بس بتقول كدة علشان الحادثة لسة طازة ومشاعرك متأثرة ، لكن بعد ...
-مافيش لكن ..
يصرخ ويطوح حذائه الذى كان منحنياً لنزعه ..ويقف فى مواجهتها ..
-لكن إيه ؟؟؟ ماسمعتيش عن الأب اللى بناته الأتنين ومراته ماتوا فى الأنفجار ؟؟ وأمى اللى دمعتها على خدها مانشفتش من ساعتها وهى ماتعرفش حد فى كل اللى ماتوا وأتصابوا .. لو كنت أنا أو واحدة من البنات اللى "روحها فيهم" زى مابتقول .. مش كانت زمانها ماتت بحسره قلبها ؟؟ إذا كنتى أنتى مش خايفة على بناتك أنا ماعنديش أغلى منهم .. مش هاستحمل أشوفهم جثث مقطعة ؟؟ إحنا مالناش عيش فى البلد دى .
(تجرى لتغلق باب الحجرة .. وتلتفت إليه)
-أهدى يا عاطف .. أهدى أرجوك .. أكيد أنت عارف أنا بحبك أنت والبنات قد إيه .. أنتوا كل دنيتى .. بس أزاى بسهولة كدة تاخد قرار الهجرة ! .. دا أنت وحيد أمك !! .. وبعدين هانروح فين وهانشتغل إيه ؟؟ ..ماأحنا هنا مستريحين فى شقتنا التملك اللى ع البحر اللى كل الناس ...
-شقتنا اللى قزازها أتكسر م الأنفجار ؟؟ شقتنا اللى فيها كل حاجة إلا الأمان ؟؟ هاخد أمى معانا نروح أى حتة بعيد .. إن شالله نروح لبيا عند أبن عمى .. وأهو مهندس زىّ وهايعرف يلاقيلى شغل معاه.
-عاطف أنا مقدرة مشاعرك بس لازم نفكر بهدوء و ..... إيه الجرح اللى فى رجلك دا ؟؟؟

***
تحتضن حماتها وتبكى ...
-كانوا زى اليومين دول بالظبط من سنتين ... كان هربان م الانفجار .. قلتله نفكر .. قلتله بلاش .. صدقينى يا ماما قلتله بلاش .. كان بيهرب ؟؟ أهو سابنا بنفس الطريقة اللى هرب منها .. هانعمل إيه لوحدينا دلوقتى .. نقول للبنات إيه ؟؟ .. ماما .. ردى علىّ .. ردىّ علىّ قوليلى أقول للبنات إيه ؟؟ قوليلى أقولهم العيد فى مصر وبرة مصر مش بيجى ليه ؟؟ .. وقوليلى أقولهم فين بابا.
________________________________________________
http://www.el-balad.com/354094
"موضحًا أن التفجير استهدف مبنى الخدمات المجاور للكنيسة وأسفر عن مقتل شخصين من خدام الكنيسة أحدهما من سمالوط والآخر من الإسكندرية وإصابة آخرين"

الجمعة، 28 ديسمبر 2012

قال يعنى بكتب خبرات ... وكدة.





+غالباً الحوار اللى بيبدأ بتبادل عبرات الاتضاع والمدح والمجاملة .. بيكون دا أخر ظهور ليها فى الحديث .. الحاجة اللى بنصرح عنها بذِكر جوهرها، بتهرب هى من نفاقنا بذاتها وروحها.

+اكتشفت أنى بتعصب جدااااا لما أبقى مع حد –ماما مثلاً- فى مشوار ويجليها تليفون ، وهى كمان بالنسبة لى ! .. تبقى مش عارف توريله الحاجة اللى بتتفرجوا عليها فى محل سوا .. ولا تطلعوا ولا إيه ؟؟ .. ولو صحاب قاعدين فى مكان بتطلبوله أى حاجة كأنه مش موجود علشان معاه تليفون ، إضافة للازعاج اللى بيعمله اللى بيجيله تليفون .. وياسلام بقى لو اللى قدامه مش سامعه كويس.
وعلى الطرف الآخر بتعصب جداً لما أكلم حد ويبقى فى محل أو مع حد فى مشوار .. تبقى بتشرح حاجة بمنتهى الانهماك وتلاقى الطرف التانى " مم .. مممم ... ممم .. لأ نفس اللون بس مقاس أكبر بقى" !!!!!!!!
كدة التلت أطرف (المتصل والمتصل به واللى معاه) –بخطين العلاقات (اللى على التليفون واللى فى نفس المكان)- متأزمين .. أمال الموبيل كدة خدم مين ؟؟
الخلاصة اللى وصلتنى "الموبيل يساعد بسهولة على التواصل / الموبيل يدمر بسهولة التواصل".

+الحاجة اللى بتقدمها / الكلام اللى بتقوله / عمل الخير اللى بتعمله / الهدية / الحفلة المفاجأة بتاعت عيد ميلاد حد / ..... كل الحاجات دى جمالها وتأثيرها مش فى جودتها أو إنها تبقى "متكلفة" –مادياً أو معنوياً- لكن فى أنك تبقى "شايف" الإنسان اللى بتقدمله الحاجة دى ... آه "شايفه" بس ! .. لكن "شايفه" كويس.

+كنا معديين جنب مقلّة .. شفت شوال "الدوم" .. رد فعلى –اللى كان معتاد- هو أنى اجرى على الشوال وأبدأ أختار الأطرى والأكبر .. وأسيب ماما تواجه احراجها قدام البياع ، وتدفع تمن اللى اخدتهم ، المرة دى كان الحوار التالى :
أنا : الله ! إيه دا دوم .. عايزة دوم.
ماما: خلاص طيب بعدين ..
أنا : ماشى .. أنا أصلاً مش متشجعة .. مش عارفة بقيت بخاف على سنانى قوى ليه .. مع انى زمان ماكنتش بخاف.
صاحبة ماما: علشان عرفتى الخوف أصلاً.
أنا: ...... !!! .... (بفكر) ... أصلى لما عرفت الدوم المكسر جاهز بقيت عارفة ان فى حاجة أسهل.
ماما : بس الدوم اللى على بعضه ليه متعة أكبر.
طنط : ليه ؟؟
أنا : علشان كنت بنفضل ناكل لحد ما لثتى تنزف.
الفترة الجاية هحاول أطرد كل الخوف اللى اتسربلى .. يارب.

+الناس –وأنا- مابقتش متوقعة أن حد ممكن يكلم حد لمجرد أنه يسأل عليه بس .. تلاقى المكالمة فيها ترقب ورتابة فى الأول لحد ما الطرف التانى يسكت علشان الأولانى يسأل عن الحاجة اللى متصل يسأل عليها. المقدمة غير حماسية "كلاشيهية" مافيهاش معلومات حقيقة "أزيك .. تمام .. نشكر ربنا .. صحتك ؟ .. كويسة .. الشغل .. المدام .. طب الحمد لله". ياسلام بقى لو الناس تتصل تسأل على بعض .. هاتبقى مفاجأة رغم الاتصال اليومى !

+كنت بتكلم مع واحدة بطريقتى اللى تغيظ –بعترف- بقولها دا كفاية أنك تبتسمى فى وش حد .. قاطعتنى فى الكلام –وأنا لو مكانها كنت قاطعتنى خالص- وقالتلى بلاش الكلام دا بقى. معاها حق. بس بجد اليومين دول بالذات فى مصر .. لو ابتسمت فى وش حد رد الفعل اللى بيبقى على وشه لحد ما تسيبه هو
 "التتنيح -> الاستغراب -> ابتسامة موجسة -> ابتسامة من اللى أنت ابتسامتهاله الأول بتزود ابتسامتك تلقائى ->(بعد ماتمشى) ابتسامة متوجسة -> الاستغراب -> التتنيح" .. غالبا مش بتلحق كل الانفعالات لأخر الخط .. بس من ملاحظتى هى كدة.

+مش لازم كلنا نركز مع الاستاد الكبير ونتفضل نهلل ونشتم و ..... إحنا اتخلقنا كلنا لاعبين بس مش واخدين بالنا ! ... كل واحد ينزل يلعب فى ملعبه يلا.

+دور دايماً على السلك العريان فى الإنسان .. وحاول تلمسه من غير أبداء انزعاج غطيه ولو بطبقة صغيرة ، كلنا مكهربين ياعزيزى.

الخميس، 20 ديسمبر 2012

ياشموع العالم .. فوقوا !





مش حاجة غريبة جداً أن شمعة تشتكى م الضلمة !


أمال حضرتك جاية تشتغلى إيه ؟؟



وإذا كانت الشمعة بتشتكى من الضلمة ، أمال التايه اللى بيدور ع النور وماعندوش مصدر ولاإمكانية يعمل إيه ؟؟ (جبتك ياعبد المعين ...)

اللى فاتح شركة وبيدور على شغل وبيسعاله .. بيرقص م الفرحة لما يلاقى الشغل جايله لغاية عنده ، والشمعة المركونة العاطلة لما تلاقى الضلمة حلت عليها وعلى اللى حواليها المفروض تفرح وتستعين ع الشقا بالله وتشوف شغلها .. مش تقلبها مناحة !

من أول ما أعلنت أنها شمعة وهى ضمنياً المفروض عارفة أنها "طوارئ الضلمة" .. بديهى يعنى .. رقاصة وبترقص !

هاتسيح ؟؟ هاتتألم ؟؟ .. هاتحس بحرارة الاحراق وحدها والناس يادوبك هاتحس بدفا وضوء ؟؟ ... هايعاد تشكيلها .. وتتشوه وتتحول ؟؟ ... إيه الجديد ؟؟؟ ماهى عارفة أنها شمعة م "الشمع" مش فولاز ولاصخر ، وخيط "قلبها" اللى بيتحرق رماد هو مصدر النور والدفا .. اللى صنعها ماخدعهاش ..


هاتخلص ؟؟ .. وهى كانت م الأصل ناوية ع الخلود بصورتها دى ؟؟ .. الشموع مش بتفنى .. بتنور السكك لحد ما قامتها تسمح وتمضى انصراف لوطن النور الدايم .. وطنها اللى لو مش مدركة أنها واخدة منه قبص .. هاتنطفى ومش هاتلاقى اللى ينورها .. مافيش شمعة بتعرف تنور نفسها مهما كانت واثقة فى نفسها.

وياسلام بقى ياسلام .. لو مع النور والدفا –الاساسيين الضروريين- تبقى شمعة معطّرة ... ماهو طالما كدة كدة هاتتحرق ليه ماتبقاش مبهجة ومبدعة ومميزة بريحتها .. الإحراق مزاج مش عقاب !

الغريبة أن فى شموع كتير فى العالم بقى عندها "اضطراب هوية" !!

ياشموع العالم .. فوقوا !

الخميس، 13 ديسمبر 2012

النهاردة "عيد" ميلادها ...




كل سنة وأنتِ .. أنتِ ! .. أصل أنتِ مش طيبة بس .. أنتِ روح حب وسلام وإبداع وعمق ملكوتى أخذ فى الزيادة ...

الست دى بتشتغل مطربة .. وبتغير حياة البشر -الزمنية والأبدية وبتجيب من هنا لهناك ومن هناك لهنا- وبتقول الكلام أنها بتجتهد تكبر بإنسانيتها مش مهنتها .. فكبرت بكللللللل حاجة ، لأن اللى بيطلب دى الباقى كله يزاد له ... مافيش بنى أدم أو أشباه بنى أدم يعتبروا فى باقى أدوار الحياة ؟؟

ربنا يخليكى ملح ونور للأرض ♥