الخميس، 30 يونيو 2011

نــظــريــة لــلــحــب




*مالك سرحان فى إيه ؟

#ها ؟؟

*يااااااه ، دا أنت كنت غرقان مش سرحان بقى ... بتفكر فى إيه ؟؟

#فى الحب.

*فى إيه ؟؟

#فى الحب.

*فى إيه ؟؟؟؟؟

#الله ! مالِك هو أنا بقول حاجة مش مفهومة ولا إيه ، بقولِك الحب ... الحب ... الحب ... الحب ... مش سامعة ؟؟

*لأ سامعة بس مستغربة.

#ليه ؟ علشان بفكر وأنتى فكرانى خلاص اتكهنت ؟

*لأ علشان بتقول الحب.

#وإيه الغريب فى كدة ؟

*يعنى ... دا لو حد من ولادنا ولا أحفادنا سمعنا هايفتكرك –سورى- بتخرف. كنت متوقعة تقول معاد صرف المعاش ، أخدت حباية الضغط ولا لأ ، الواد الكبير هايجى من برة أمتى ..... لكن الحب ! بصراحة إجابة غير متوقعة بالمرة.

#ليه؟

*علشان أحنا كبرنا على الكلمة دى ، أو يمكن تكون شايفنى أنا اللى كبرت ، وأنت عينك راحت على واحدة تانية ؟

#ماهو دا اللى كنت بفكر فيه.

*نعم !!!

#قصدى كنت بفكر ليه لمّا تيجى كلمة "حُبّ" الناس دماغها وخيالها على طول يروحوا على حب الراجل والست ... البنت والولد.

*أُمال عايزُة يروح على حب الوطن ؟

#أنتى بتهزرى وأنا بتكلم جدّ ، مش هاينفع نكمل كلام.

*لأ خلاص أسفة ، بس بجد مش فاهمة إيه اللى فكرك دلوقتى بالمعانى المُطلقة ... مش كنت بطلت فلسفة من زمان.

#أنا مش بتفلسف ... أنا بس مستغرب إنى فى السن دا وماأدتش لنفسى وقت كفاية أفكر فى الحاجة اللى بعيشها كل يوم مع كل حَدّ وكل حاجة.

*طب ماأديك قلت أهو "بتعيشها" ... إيه لزمة بقى فكرت فيها ولا لأ ؟

#بلاش كلام الأفلام والمسرحيات والروايات ... وماتتفلسفيش أنتى عليا أحنا "قاريّنُه سوا".

*خلاص أنا الحق عليا ... بس أحب أحبطك وأقولك ماتفكرش ، لأنك مش هاتوصل لحاجة جديدة.

#ليه ؟

*علشان الحب دا أهم وأعظم وأكبر وأقدم حاجة كل الناس فكرت وكتبت واتكلمت عنها. كل الأفلام والأغانى والروايات والحكايات ... كل حياة الناس أصلاً بتدور حوالين الحب. أتقالت فيه كل القوالة خلاص من بدء الخليقة فناً وشعراً ونثراً وفلسفة وفكراً .... ولحد رسومات هندسة كمان لو عايز ... إيه الإضافة بقى اللى حضرتك هاتضيفها ؟

#أصلُه ...

*بيجى منين يعنى ؟

#لأ فكرة عملُه ... سِرّه يعنى.

*طب مادى كمان سهلة. لو سألت ملحد أو دكتور نفسى هايقولك هرمونات أو غريزة ، حتى الأمومة وباقى أنواع العواطف علشان ماتزعلش قوى. ولو سألت حَدّ متدين هايقولك مالوش مصدر غير ربنا ... ولو سألت حَدّ أفلاطونى هايقعد يعقدك فى عيشتك ويقولك عمق الفضيلة وغاية الخَلق والخُلُقّ وكلام كدة ... يعنى حتى دى قُتِلت بحثاً هى كمان.

#بس أنا حاسس أنى عندى نظرية جديدة خالص.

*سَمّعنّى.

#هاتفهمينى ؟

*هو فى حد بيفهمك فى الدنيا دى قدّى ؟ ... وعموماً جربنى.

#بصى ياستى ... ماسألتيش نفسك قبل كدة ليه كل حبيب بيحب الحبيبة دى بالذات وبيبقى مستعد يموت علشانها ومش بيشوف غيرها فى الدنيا –طبعاً بتكلم عن الحب الحقيقى مش هبل الأفلام ولا كذب وسطحية ونفعيّة اليومين دول- وهى كمان بيبقى هو بالنسبالها كل الرجالة اللى فى الدنيا ؟

*فكرتنى بالذى مضى ...

#هاقولك على حاجة كمان هاتحسيها قوى ... ليه الأم بتحب ولادها وبتقدم تضحيات خرافية وهى فرحانة ومبسوطة ، مهما كانت شخصيتها الحقيقية أنانية ؟. واشمعنى بتعمل كدة مع أولادها بس ، لكن أى أطفال تانى بيبقى مش بنفس القدر والنوع ؟

*لأ دى سهلة ... علشان غريزة الأمومة ، دى ليها كيميا فى الجسم مش بس حاجة عاطفية.

#عارف ، بس برضه اشمعنى أولادها هى بالذات ؟ وليه الغريزة دى مش بتشتغل مع أى أطفال تانى بنفس قوتها ؟

*علشان هى كدة اسمها أمومة ... من الأم لأولادها بس ... أولادها اللى خلفتهم ورضعتهم وكبرتهم وربتهم.

#يعنى أنتى مثلاً ... لو فاكرة –من عشرين سنة كدة- فى الماتش اللى كان بيلعبُه "فريد" وهو صغير فى دورى المدرسة ... أغمى عليكى لمجرد أنك شفتى الكورة جت فى راسه وهو وقع فاقد الوعى ، مع أن قبليه كان واحد أتكعبل واتفتحت دماغه ودمه ساح وأنتى كان رد فعلك .... "ياحرااااام" ! فى حين كانت أمه بتصوّت وخاربة الدنيا ..... ليه ؟؟

*إيه اللى ليه .... أبنى ! بقولك غريزة لايمكن هاتفهمها علشان أنت أبّ ... والأبوّة بتيجى بالممارسة مش حتة منك.

#لأ مش علشان حكاية غريزة دى...

*الله ! ... المفروض أن الحتة دى بتاعتى ، وأنت مالكش فيها.

#طب حتة الغريزة دى تنطبق على العشاق والحبايب من الجنسين ؟

*لأ طبعاً –قصدى من حيث الاختيار الأوحد من رغبة الارتباط عامتاً- بس كُنّا قرينا رمة مع بعض كتاب كدة يرجع للقرن الـ19 باين بيحكى عن هالة مغناطيسية حوالين دماغ البنى أدم وتجاذب وتنافر ، وكان فى كتاب تانى بيقول كيميا الجسم بتطلّع إشارات استحسان واستنفار وكلام غريب كدة ... أكيد فيه نسبة من الصح.

#طب والصداقة ؟

*مممم ... أظن نفس الحكاية.

#نفس الحكاية إيه ... غريزة ولا كيميا ؟

*لأ أكيد مش غريزة ... أصل مافيش حاجة اسمها "غريزة الصداقة" ... بس أكيد كيميا.

#كيميا مادية ؟؟ يعنى زى مابتقولى حاجة مغناطيسية أو ذبذبات وهرمونات وكدة ؟ لابتقوليها على سبيل المجاز عن التوافق الروحى ؟

*التوافق الروحى ! تصدق حتة التوافق الروحى دى مهمة قوى ! مش عارفة كانت غايبة عنى فين !! .... أه هو التوافق الروحى.

#بتقولى كدة وفى دماغك "مريم" ... صح ؟

*أنت بتقرا أفكارى بقى !!

#دى حاجة لازم تبقِى متأكدة منها ...

*ياسلام ياسيدى ... عموماً أى حد يعرف علاقتى بــ"مريم" كان هايقول نفس الإجابة ... أهى العلاقة دى اللى مالهاش تفسير فعلاً ! كُنّا جيران واصحاب من أول ماوعينا على الدنيا ... لغاية أخر ثانوى ماأفترقناش ... كُنّا بنعمل كل حاجة مع بعض ... حتى الأحلام ! كانت أحلامنا واحدة ! ... لحد ماجيت سعادتك وأتجوزنا ، وجِه "عادل" وهى اتجوزت بعيد عنى بأميال ... كل الناس –حتى أنا- كُنا متوقعين أن علاقتنا هاتتقطع ... ماحدش كان متخيل أن فى الظروف دى كلها نقرب لبعض أكتر وأكتر ... بالجوابات ثم اختراع التليفون العظيم ، ودلوقتى باللاسلكى والموبيل وكل واحدة فى مطبخها بتجهز لعزومة أحفادها.

#شكراً على السرد التاريخى ... بس تقدرى تيدنى تفسير ؟

*علشان بنحب بعض.

#أيوووووووووة ! ... اللى هو إيه بقى ؟

*أقولك أمى –الله يرحمها- كانت بتقول علينا إيه ؟؟ كانت بتقول أنتوا روحكم فى بعض.

#أنتى كدة على عتبة المعنى اللى وصلتله مع نفسى !

*طب قول دوختنى.

#سهل إننا نلاقى تفسير علمى أو روحى لكل أنواع العواطف بس التفسير دا مش هايقولنا ليه الناس دول "بالذات". ليه أنتى بتحبينى "انا" كشريك حياة وماكنش ينفع حد بدالى ، ليه بتحبة أولادك دوناً عن كل الأطفال وحتى لمّا كبروا واستقلوا ... ليه صاحبتك "دى" ومش واحدة تانى.

*علشان –ومعلش يعنى من غير ماتزعل- دول اللى وقعوا فى طريقى أو اللى القدر جمعنى بيهم.

#بس كدا !

*أه ... هو يضايقك أن الاستنتاج يبقى سهل ؟

#لأ ..... بس لو هاتقدرى بقى تكملى بنفس النظرية تفسريلى ليه فى ناس القدر بيرميهم –ويمكن بيلزقهم كمان- قدام بعض ومش "بيحبوا" بعض بمعنى الكلمة ؟ ليه علاقتك بـ"مريم" مش زى علاقتك بـ"منى" أختك ، رغم أنكم توأم ؟؟

*مممم ...

#كمّلى كمان بنفس النظرية على الأكل .. أيوة الأكل مالك !! والأماكن والمزيكا والألوان وغيرها وغيرها .... ليه الإنسان بيحب حاجة قوى ويكره حاجة قوى ! مع أن منطقياً بيبقى مافيش فرق بينهم أو تفسير للعاطفة دى ... تقدرى تفسريها بنظرية القدر بتاعتك ؟

*لأ.

#لمّا كنت بقولِك –تعليقاً على تعليق والدتك بإن أنتى ومريم روحكم فى بعض- أنك قربتى للفكرة اللى حاسس أنها سر من أسرار الكون يتعلق بأهم حاة فيه –اللى هى الحب- كنت عايز ألفت نظرك لحاجة.

*أن الموضوع كله روحانى من أوله لأخره ...

#يعنى مش بس كدة.

*أُمّال ؟

#حاسس أن مش هاتفهمينى.

*ماتغظنيش .... بعد ماجرجرتنى معاك كل المسافة دى تسبنى واقفة كدة على عتبة اللهفة وتقولى مش هاينفع تدخلى ؟؟!!؟؟

#طب هاحاول أشرحلك.

*وأنا هاموت وأفهم ! أنت فعلاً شوقتنى.

#بصى ياستى ... مين اللى خلق الكون دا كله ؟ مش ربنا ؟ وربنا عنده كمال المعانى المطلقة ... الحق ، الخير ، الجمال ... فلما خلق الدنيا دى خلقها بالمعانى دى "مطبوخة فيها" لو جاز التعبير ، زى مثلاً لما يبقى فنان فرحان بيرسم لوحات ... كل اللوحات هاتطلع بتعبر عن درجة أحتراف الفنان ومقدار فرحُه. ربنا بقى مش عنده فرح بس ومش محترف بس ... دا كل المعانى وقدرة فوق الأدراك العقلى ... معايا ؟

*ممم

#وبالنسبة للإنسان على وجه التحديد ربنا أبدع فيه ... معجزة على قدمين كل شوية بيكتشفوا فيها حاجة جديدة. وإداله العقل والحرية ومَلكة الأبداع والنطق والتعبير ... ملاه حاجات كتير قوى هو نفسه –الإنسان- من سموها مش مدركها ... متفقين ؟؟

*أه ! ... كمّل.

#لو ربنا سمح أن كل البشر يدركوا كل حاجة فى كل حاجة فى الكون ماكنش حد هايعرف يعيش.

*وَضّح.

#يعنى أديكى مثل ... مش أحنا ودنّا مثلا بتسمع الأصوات فى حيز ذبذبات معين بس ؟ لكن الموجات التحت سمعية والفوق سمعية مش بندركهم .. صح ؟

*صح ... بس فى كائنات تانى بتدركهم زى الكلاب والخفافيش وغيرها ....

#عليكى نور ... هو دا بالظبط اللى عايز أقوله !

*مش فاهمة !

#أنا قصدى أقول إن ربنا سمح لناس يشوفوا روعة البحر مثلاً ... فكتبوا فيه أشعار وتأملات ، بيقوفوا قدامه فيشوفوا مسحة من صفات ربنا اللى فوق الإدراك –ومش كل الناس بيشوفوا زى بعض طبعاً- وفى نفس الوقت فى ناس تانى روعة وجلال وجمال البحر بالنسبالها ذبذبات تحت أو فوق سمعية ... بيبلبطوا فيه بس !

*مممممم !!

#وكذلك البشر ... بس البنى أدمين بقى موضوع أكبر بكتير ... لأنهم "ناس" ... كائنات عاقلة ربنا نفسه بيحبها ويتعامل معاها بصفة شخصية ... بيحترم أرادتها وحريتها وهايحاسبها عليها. ربنا بيحب كل انسان على حِدّى محبة لانهائية ... بس لو فتح عنين الناس على روعة بعضهم الحياة مش هاتمشى .. هتلاقى الناس كلها فى حالة حب لكل الناس وتنسى تاكل وتشرب ويمكن تتنفس كمان لحد ماتموت.

*بس بس بس ... أنت كدة دخلت فى قصة "أرنى الله" بتاعت "توفيق الحكيم" لمّا واحد –بعد أحداث طويلة- أدرك مثقال نصف ذرة من محبة ربنا فحياته اتوقفت تماماً وبقى قاعد شارد ومتأمل ومش حاسس بأى حاجة حواليه ، والناسك –اللى فى القصة- قال أن ادراكنا لربنا بمقدار نصف ذرة كفيل بإنه يدمر كياننا البشرى.

#أنتى تحفة ! أنا عمّال أقول سمعت المعنى دا قبل كدة فين ؟ بس ماكنتش فاكر !! .. أحنا أخر مرة قرينا الكتاب دا كان من أكتر من عشر سنين !!

*ألعب غيرها.

#بس خلى بالك القصة كانت بتتكلم عن أدراك ربنا ... أنا هنا بستخدم نفس القياس لتفسير حاجة تانى خالص ... ليه بنحب ناس وحاجات بالذات وبنشوفها الأروع فى الوجود ... مع إن ناس تانى مش بتشوفها كدة. وبيبقى عندها بدايل لنفس الاحساس.

*تقريباً فهمت ... يعنى أنت قصدك إن مثلاً كل بنت تستاهل أن كل الناس يحبوها بكل طاقتهم ويتأملوا فى جمالها ورقتها وكل كشتملات الحب دى ، بس ربنا بيفتح عين واحد بس على النوع دا من الحب ... وبتقع الفاس فى الراس.

#أيوة ... وكذلم الأم علشان تهتم بحياة أولادها ، وكذلك الاصحاب علشان المشاركة والمساندة من غير ألتزام رسمى أو حقوق وواجيات محددة ، وكذلك التلميذ والمعلم علشان نقل الخبرات والتلمذة ... وغيره وغيره.

*بس فى نقطة بقى فاتتك وخلت الموضوع لِيه جَوّ الأساطير الإغريقية.

#اللى هى .... ؟

*هو الموضوع دا اختيارى ولا أجبارى ؟

#مش فاهم .....

*يعنى هل أنا اللى بحدد الناس اللى هاتنفتح عينى عليهم والحاجات اللى هاعشقها واستمتع بيها فى حياتى ... ولا ربنا بيدوس على زراير جوة كل إنسان ينوّر بيها اختيارات ويطفى اختيارات ؟

#لأ أحنا أحرار ... كل واحد بيربى ذوقه ، يعنى مثلا اللى بيختار سكة العقلانية ... هايصاحب عقلانيين ويتلمذ على إيد فلاسفة ويحب واحدة عقلانية ، ولو حد اتجهاته روحانية صوفية هاياخد خط تانى فى كل اختياراته ... وهكذا.

*طب تفسر بإيه إن حد يسيب بلده اللى أتربى فيها ويعشق مكان تانى مختلف تماماً ... زى الفرنساويين المجانين اللى عندهم "إيجيبتومينيا" ، وتلاقى الستات بتعمل عمليات تجميل علشان يبقوا شبه "نفرتيتى" و"كليوبترا". وتفسر بإيه أخين اتربوا نفس التربية فى نفس البيت وكل واحد يطلع لِيه توجه مختلف تماماً عن التانى ؟ ثم إن الأمومة والأبوّة مش اختيار ،ماحدش بيختار عياله ، وبالتالى كمان عاطفة البنوّة. وتفسر بإيه حاجة زى الانتماء الوطنى والثقافى والروحى .... وغيره وغيره ؟؟

#ماعرفش !

*ها ؟ ... هاتلغى نظريتك ... ولا هاتعلن قصورها ؟

#قصورها طبعاً ... أحنا مش هانفهم كل حاجة عن الحب إلا مقدار نصف ذرة ... لو أدركناه.

*أنت رجعت تانى لقصة "توفيق الحكيم" اللى عن "الله".

#لأ أنا لسة بتكلم عن الحب ... أنتى مش سامعة الست أم كلثوم فى الراديو "الحب نعمة مش خطية .. الله محبة .. الخير محبة .. النور محبة" .... الله محبة ! حقيقة مش صياغة أدبية ... ممكن تعلى الصوت شوية ؟ دى أغنية "ألف ليلة وليلة" ... كنتى بتحبيها قوى زمان مش كدة ؟

*ومازلت ! ومازلت كمان بحبك ... أشرب الشاى زمانُه برد.
بس هو ياترى اللى عينه بتتفح على حاجة ممكن تتقفل تانى ؟ وليه فى ناس بقت بتخرم عنيها بمسمار أصلاً وتعيش من غير ماتحب حد أو حاجة حب حقيقى ؟

#أشربى أشربى وكفاية كدة ... وعلى فكرة ، الشاى وهو بارد لسة طعمه شاى ... الطعم اللى هافضل أحبه ، وأحبك.






11-6-11

الأربعاء، 15 يونيو 2011

المركز الرابع فى ساقية الصاوى :) عن قصة يد واحدة


يـَــدّ واحـــدة !

حسناً ... أنه يوم جديد .. وغالباً بلا جديد ... فقط إطار جديد لنفس الصورة ... نفس الأحداث والحياة ، مع تغيير الأرقام فى عداد التاريخ. فلأبدأ إذن رياضتى اليومية ، التى لولاها لمُت مختنقاً من الملل والضجر. رياضتى الرياضة الوحيدة التى يمكن ممارستها "متشعبطاً" فى "الماسورة" الوسطى فى طُرقة "أتوبيس" ... أمارسها خلال الساعة التى أقضيها فى هذا الوضع "النسناسىّ" فى رحلة ذهابى للعمل ، بعد سنتين من الممارسة اليومية – باستثناء أيام الجمعة ، والعطلات الرسمية - أعتقد أنى أصبحت أمهر اللاعبين على مستوى العالم ... هذا إذا كان هناك من يلعب هذه اللعبة التأمليّة فى أى مكان فى العالم غيرى !! ... رياضة "تأمل الأيدى".

رياضة ذهنية نفسية تأملية ممتعة ، فلا مكان فى هذه العجينة البشرية لأى حركة جسدية إلا مساحة محسوبة لتمدد القفص الصدرى لعملية حيويّة لا إرادية. وأحياناً تكون ترفاً غير متاح فيحل محلها حركة روحية تصاعدية تسمى اصطلاحاً "طلوع الروح" ... وقد حدثت مراراً. قواعد اللعبة تنحصر فى رفع العينان والتركيز ، من باطن هذه العجينة البشرية البائسة – المُعذبة صيفاً بالحرارة الشديدة ورائحة العرق ، وشتاءاً بصفعات عواصف رخامية باردة قادمة من فتحات النوافذ المهشّمة – إلى أرض الملعب العُلويّة ... العمود الأفقى المخصص للتشبث.

نسبة الجلوس فى الحافلة لاتتعدى العشرين فى المئة من مُجمَل عدد الركاب ... أما السواد الأعظم فيقف فى ثلث مساحة الحافلة الأوسط رافعاً يد واحدة إلى تلك الأسطوانة العبقرية الوجود !. لو كان الأمر بيدى لمنحت مخترع هذه "الماسورة" جائزة نوبل ، متجاهلاً مخترع الحافلة نفسها. فهذه القطعة المعدنية الصماء تجمع من البشر أهم جزء فى أجسادهم فى تركيز يخلبنى ... "أياديهم".

أجل ... "يد" الانسان أهم جزء فى جسده ... تحديداً كف يده ... مَن يستطيع أن يقول غير ذلك ؟؟ ... إن كل انسان هو "يده" ... هذا ما اكتشفته من رياضتى هذه – التى لم أُكمل بعد باقى تقنياتها وتفاصيلها – فالانسان يفعل كل مايفعل تقريباً بيده ، يأكل ... يشرب ... يكتب ... . إننا عندما نتحدث عن عمل الإنسان – إياً كانت طبيعة العمل – نتحدث عن "عمل يده" ... ومايقدمه لنا الفنانون هو ناتج أياديهم ، العازِفة إذا كانوا موسيقيين ... والراسِمة أو الناحِتة إذا كانوا تشكيليين ... والكاتبة إذا كانوا أدباء ... وهكذا. كل مانأكله مُصاغ بأيادى ... ومانلبسه كذلك ... كل شئ. بل إن شخصية الإنسان هى أيضا تتركز فى يده ... فقط!. وما الذى يميز إنسان عن غيره مِنْ كل مَنْ سبقوه وعاصروه وسيأتوا بعده غير بصمة أصابعه ؟!. عندما يتزوج الناس أو يغيرون وضعهم الاجتماعى ، يضعون الحلقات المعدنية حول أصابعهم ... وقديماَ كان الملوك يضعون أختام مملكتهم فى خواتم أصابعهم. أما أغلب الحِرف والأعمال فتترك أثراً مميزاً لها فى أصابع أصحابها.

حتى النساء أدركن تلك الحقيقة مبكراً ... فبالغن – كعادتهن – فى تجميل أياديهن ، واخترعن طلاء الأظافر ، والحلى ، ورسومات الوشمّ والحناء ، ومرطبات خاصة ... فقط لأياديهن. وعن نفسى لاأظن أن للمرأة جمال غير فى يديها ! ... أجل ، فجمال روحها لايظهر بجلاء من خلال شاشة وجهها أو جسدها ... فقط كفيّها ! ... ولِما لا واليد تحوى قدراً لا بأس به من الأعصاب الناقِلة. إن المرأة الحنون لا تملك أن تشعر بحنيتها إلا من خلال يدها ولمساتها الحانية. والرقيقة لاتلمس رِقّتها – بمعنى تلمس – إلا من خلال سلامها الذى يشبه هفّة جناح الفراش ، وكذلك العمليّة ... والاجتماعيّة. فاعذرينى يا إلهة الجمال "فينوس" ، لأنى أراكِ منزوعة الجمال ... فمهما كنتِ فاتنة فأنتِ بالنسبة لى ميتة لأنك بلا ذراعين. أو قولى لى ... حتى لو أُجبِرت على تقدير جمال وجهك وجسدك ، فأى طريقة أُعبّر بها عن افتتانى بهذا الجمال الكاذب ، وطريقتى الوحيدة لأصبّ خالص حُبى وتقديرى عند امرأة هو أن أنزل على ركبتى وأُقبّل يدها؟.

أما لعبتى – وأعود للحديث عن رياضتى – فهى أنى أتأمل الأيادى بطول العمود الأفقى مُخمناً جنس وسن و وظيفة وحالة صاحبها الاجتماعية ، ومؤخراً أصبحت أصيغ مواقف من حياته وربما بعض أسراره !! ... لايبدو هذا صعباً لمن تدرّب على هذا يومياً وعرف كل المفاتيح.

عدد الأيادى على العمود الأفقى يجعل لللعبة مُعدّل زمنى يثير فىّ التحدى ... فأيادى تنسحب وأيادى تضاف مع كل محطة ... فى بداية ممارستى لهذه اللعبة كنت أقوم بحركة تشبه حركة كشف الورق فى لعبة "الكوتشينة" عندما أفشل فى تخمين جزء من البيانات سالفة الذكر. فعندما أجد يَدّ صماء عن أن تحكى لى عن صاحبها أنزل إلى وجهه وباقى جسده – فى حدود ما يظهر منه فى الزحام – فأُكمل ماكان ناقصاً عندى من خانات ... وأحياناً – فى البدايات أيضاً – كنت اتبّع حركة "كشف الأوراق" هذه لأتأكد من صحة تخمينى ، أما وقد أصبحت محترفاً فنادراً ما أجد يداً تتحدانى وترفض الإفشاء بكل أسرار صاحبها لى ...

لا أعرف لماذا كنت أتذكر فى أول مراحل لعبى – الحافلة بأخطاء المبتدئين – ذلك الفيلم الذى كان فيه البطل الكوميدى مولعاً بأحذية النساء ، يفتن أول مايفتن بها ، ويجمعها من كل حدب وصوب ... فإذا بصديقه عندما يسير على دربه ... ينجذب لحذاء مثير ويغازل صاحبته ، فيجد المرأة التى فوقه بالغة البشاعة ... فيردد فى هلع "لامؤخذة ياخالتى" ! ... ردّدتها كثيراً فى سِرى وأنا أدفن ابتسامتى فى كتفى المرفوع لما كانت تخميناتى يجانبها الصواب ..... تماماً.

الآن الأمر بالغ السهولة – وتقريباً – بلا أخطاء . فهذه اليد السمينة المشعرة ذات "الدِبلة" الفضيّة ، هى لموظف متزوج وأغلب الظنّ أن لديه لحية صغيرة و "ذبيبة" غائرة فى جبهته.

وهذه اليد اليمنى الأنثوية ذات الحلقة الذهبية والطلاء الكامل اللامع لفتاة مخطوبة وشديدة الاعتزاز بجمالها. تلك اليد المعروقة نافرة الأوردة لعجوز على المعاش ... وتلك اليد ذات البقع الفاتحة والأظافر الطويلة المُعتَنى بها لامرأة تحاول استبقاء ما أوشك على الذهاب من أنوثتها.

هذه اليد ذات الأظافر الغليظة المُشقّقة والجلد المُتيبس فى مناطق والمحترق فى مناطق أخرى لعامل ... على الأرجح عامل حدادة أو نجارة أو بِناء. وتلك المزدحمة بخواتم ذهبية متعددة الأحجام لأمرأة نرجسية لاتجد ما تتفاخر به أكثر من غنى زوجها ... الغير متعلِم !! ... يبدو هذا من ذوق الخواتم ... فن قليل ... كُتَل كبيرة.

هذه اليد لفتاة تُرغمها أمها على التزين ... ربما لاجتذاب "العِرسان" ، بينما هى لا تكترث لهذا !! ... أجل عرفت هذا كله فقط من يدها ... أكثر ما يزعج الفتيات – شديدات الالتفات لزينتهن – هو تَقَشُر طلاء الأظافر ... أما من تجد الطلاء وقد صنع على أظافرهن خرائط لقارات لن تُكتَشف أبداً فأعلم أنهنّ يسكُنّ قاراتهن الخاصة. أو أنهنّ عمليات ، يرين ضغط أمهاتهنّ وحرصهن على زيناتهن هراء ... يرضخن مرة بأن يضعن طلاء الأظافر ... ويتمردن مرات بأن يتركنه يتقشّر.

هذه اليد الشابة ذات آثار القلم الرصاص على طول الأصبع لطالب كلية الهندسة قضى الليل كله فى تصميم لوحة ، أو نقلها. وهذه الملوثة بالألوان لزميله طالب الفنون. تلك لفتاة تعانى مشكلات فى أسرتها ، ربما كان والِداها منفصلان ... فلا يمكن أن تكون مشكلة عاطفية فقط هى المُتسبّبة فى كل هذا القلق الذى يجعلها تقضم أظافرها حتى تنزف أناملها ، ويتجلط الدم بشكل بشع مأساوى عليها.

وهذه اليد ... هذه اليد ... آه من هذه اليد !! ... لأول مرة تلفت يد أنثويّة انتباهى لهذا الحد !! ... كم هى جذابة ومُحيّرة ... بسيطة ومزدحمة !! ... كبيت الشعر السهل الممتنع. يد بيضاء غضّة مقصوصة الأظافر كأطفال المدارس ... بلا خواتم أو طلاء ، ولكنها تبدو شديدة النعومة ... تبدو وكأنّ صاحبتها دللتها كثيراً ، أما ما يثير فيها فعلاً هو ذلك الجرح – أو قُلّ الخدش – أسفل الأبهام الأيمن ... ، لأول مرة أشعر بألم جرح فى غير جسدى ، يبدو معذِباً – لى - أكثر مما لو أجريت جراحة فى قلبى ... ولِم لا ؟ وهذا القلب ماهو إلا آلّة ... سمعت حتى أنه لايوجد به عصب للاحساس ... من هو ذلك الجاهل الغبى الذى جعله رمزاً للحب؟ ... هل الحب بلا احساس؟ ... هل الحب – إن وُجِد – يمكن اخفاءُه فى أعماقنا خلف الحواجز العظميّة؟ أم أنه "يعمل" كل مايستطيع بأجمل مايستطيع لمَن نحب متخذاً لذلك العمل "اليد" كأداه ؟ ...

سامحنى يا "كيوبيد" إله الحب ... يبدو رمز الحب – كقلبين يخترقهما سهم واحد – شديد الدمويّة والبشاعة و الغباوة ... هل الحب هو حالة من العذاب المشترك؟ ولماذا نربطه بأدوات الحرب وقوسك هذا بعيد كل البعد عن سلام الحب وبرائته. يبدو أن رياضتى هذه ستُسقِط كل آلهة الأغريق عن عروشهم.

والآن أنا أسقط فى الحب !! ... لا بل اُحلّق !! ... أجل اُحلّق وأنا فى وضع الطيران الذى أنا فيه هذا ... ذراعى مفرودة معلقة فى العمود ،وعينى معلقة بيدها ... أتمنى الآن شيئاً واحداً ... أن أخترق الزحام ... أصل إليها ... وأطلب "يدها" !! ... أجل فقط "يدها" ... أستأذنها فى أن أجربّها فى حضن يدى ... تماماً كما فعل الأمير مع "سندريلا" عندما جرّب قدمها فى الحذاء الذى لديه ... مرة أخرى أربط مابين الأحذية والآيادى – كما فى بداية رياضتى !! – ربما لأن أطرافنا أكثر صدقاً من كلامنا و وجوهنا ... ولكنى أتذكر صيحة الـــ "لامؤخذة ياخالتى" ... فأهبط إلى وجهها. أكاد اطلقها لولا أنى أتمهل قليلاً ... وجهها كأظافرها ... طفولىّ بلا طلاء ... وعيناها محلقتان خارج الحافلة.

تلح علىّ فكرة أن اُجرب يدها فى يدى ... فأنا أؤمن بمبدأ التوافق فى اختيار شريكة الحياة ... توافق اليدان اللتان ستظلان متشابكتان لآخر العمر ... تعملان معاً ... تحتضنان بعضهما ... وتصفقان وقت الفرح.

أفوق من شرودى على يدها تزحف على الأسطوانة الأفقية للحافلة ناحية الباب الأمامى ... ستغادر المحطة القادمة !! ... ازحف خلفها بسرعة ... ليس فى ذهنى ما سوف افعله لكنى لن اُضيّعها. أصل للباب قبلها ... فهى كانت تتشبث فترات أطول فى عصبية بالعمود حتى تتفادى الاصطدام بالأجساد ... أو قل الغوص فيها ... أما أنا فكنت فدائىّ يتخبّط ولا يخشى ما تخشاه الأنثى فى رحلة الاختراق هذه من مُضايقات.

تتوقف الحافلة ... أنظر خلفى فأجدها تهمّ بالنزول ... أنزل وانتظرها ... يدفعها النازلون يميناً ويساراً فى وحشيّة لاتليق بتلك الأميرة التى تحتضن حقيبتها فى أمومة وتتشبث بطرف الباب خشية الوقوع ... تتحرك الحافلة !! ...

يزداد الهلع فى عينى وعينها لسببين مختلفين تماماً ... أمد يدى لاإرادياً وأجذب يدها ... ترتمى يدها فى يدى دون أن تنظر فى وجهى ، وكأنها الغريق الذى وجد أخيراً يد النجاه ... تلقى بنفسها خلف يدها ... تنخفض يدى شِبر تحت ثقل جسدها ، ثم ارفعها بكل قوة شبابى التى ادخرتها لموقف كهذا ... تلتقى عينانا وأنا ارفعها وأمنعها من السقوط ... بل أدفعها للتحليق.

تلك النظرة لن أصفها ... فقط اسألوا عنها عامل مطافئ أنقذ "إنساناً" – وأقول إنساناً لارجلاً ولا أمرأة – هارباً به من ألسنة اللهب ... ماذا قالت عيناه وعين الضحية عندما ألتقتا ؟؟ ... أو منقذ يحمل غريقاً ... أو امرأة تحتضن طفلاً تائهاً تبحث به عن أمه. تلك اللحظة التى يتجرد بطلاها من جنسيهما وسنيهما وثقافتهما و ..... و كل شئ ، فقط تصرخ إنسانيّة أحدهما "أحتاجك" وترد الأخرى "لن أفعل أى شئ إلا أن أساعدك ... لن احيا اللحظة القادمة إلا لكَ" ... فتختم الأولى "وسأمنحك السعادة" !!.

الآن كفّانا متعانقان ... هذا هو رمز الحب الأول والأخير ... الأقوى والأقدر تعبيراً. أرسل لها فى كفّى "لا أريد أن تنفصل يدانا أبداً ... وأنتِ؟" . الآن هى استعادت توازنها على الأرض ... ورحلت الحافلة ، ولكنها لم تسحب يدها من يدى ... بل تَشدّ عليها أكثر ... "حسناً ... وصَلنى الرَدّ".

الاثنين، 6 يونيو 2011

دوامات العيش الحاف


خيانة! اتعشوا من غيرى...رغم إنى اكدّت عليهم يصحّونى اتعشى معاهم..،مش مصدقة أنهم حاولوا يصحونى وأنا ضربتهم بالمخدات والشباشب زى ما بيقولوا....،ومش دليل كافى إن المخدات فى الطرقة وإن الشبشب مازال مفقود.
قمت حافية القدمين والمعدة أدور على باقى غنايمهم بعد ماشبعوا وناموا...................... جراد؟!!.....أطباق مطاعم فاضية...عظم فراخ...علب سلطة وطحينة مقلوبة بتدور على غطاها...أو جوة بعض مرتبة حسب الحجم...علب مشروبات غازية كل الأنواع كأنها أتعرضت لأنفجار خلخل الهوا اللى جواها.....جرااااااد!
منظر أطباق الحلّو وعلب جاتوه الفاضية تدل على أنهم بدأوا فعليا فى أكل الأطباق و"عضعضتها" وتوقفوا لسبب الما....أرجح انه سدّة النفس!
خلاص؟ استسلم للغنوة التراثية لعصافير بطنى لحد ماتطلع الشمس ويطلّع معاها البواب بالجرنال أقوله يجيبلى أى حاجة؟ بس الشغل اللى طلبه المدير بكرة لازم يخلص....عليا بالقهوة....الحمد لله أنهم مافكروش يدخلوا المطبخ،ويحيا "الدلفرى"....السكر آخر معلقة.....و......عيش طازة؟!....دا هلوسة جوع ولابجد؟!....لأ دا بجد...أكيد طبعا جه بليل كالعادة بس سقط من معركتهم....ياه احلى عشوة – أو فطار...وإحنا قربنا على الفجر -..قهوة مظبوط و............."عيش حاف"


قعدت على مكتبى....قدامى فنجان القهوة وبين صوابعى وشفايفى رغيف العيش.....،أمتع من طعم القهوة.....ريحتها. غمضت عنيّا وبدأت اقطم حافة رغيف العيش زى الفيران....لفيت بين صوابعى رغيف العيش دايرة.... وسنانى بتمسح خط المحيط.... فجأة حسيت أن رغيف العيش بيلف بسرعة....بسرعة جدا ....ماحولتش افتح عينى .....ريحة القهوة كانت خدرتنى ....حسيت من كتر سرعة الرغيف أنه اتحول لدوامة هاغرق فيها ....ريحة القهوة طمنتنى
واستسلمت لدومات العيش الحاف......

الدوامة الأولى

"ياه....أول مرة أدرك إنى باكل عيش ، مع أنى بكله كل يوم كذا مرة من غير ما ادرك. ....لو سألت حد اكلت إيه امبارح هايقولك مثلا "فطرت فول... اتغديت ملوخية ...اتعشيت بيض وجبنة"..... مش هايذكر العيش مع أنه كان موجود فى التلات وجبات. ليه مش بنلاحظ وجود العيش ، مع أنه نادرا مابنستغنى عنه؟!"

-أنا بقيت لمراتى وأولادى....بنك....سواق...،أى حاجة غير زوج وأب.
-بحسّ إن بنتى بتجيبلى عيالها أقعد معاهم.....وترجع من شغلها تاخدهم ،وتشوف طلباتى ،وتدينى الدوا......من غير ما تشوفنى!
-بخرج من بيتى الصبح اتنقل من زحمة المواصلات..لزحمة المكتب..لزحمة العمال..مع ذلك الوحدة قتلانى..ومفتقد وشوش البنى أدمين.
-رغم إنى بقالى تلات سنين بمشى كل يوم من نفس الطريق لكن أول مرة أخد بالى إن هنا فى جنينة!


الدوامة التانية

"مش عارفة إيه اللى كان زارع فى دماغى إن العيش زى المية....مالوش طعم ولا ريحة!.... مع أنى حاسة دلوقتى إنه ليه طعم .... طعم لذيذ قوى كمان. ياترى باقى الناس زىّ لما ماكنتش "بتذوّق" العيش؟ ولا زىّ وأنا حاسة انه لذيذ؟"

-جوازنا بالنسبة لك مشروع ....زى أى مشروع من مشاريعك ،المهم أنه ينجح ... أنا أو أى واحدة تانى مش مهم ...المهم "زوجة مناسبة".
-المدير بيعدّى كل يوم على مكاتب الموظفين ويطبطب على المهندسين وهما بيرسموا ...،لكن إيده بتبقى ساقعة ومتخشبة.... عرفت أنه بيطبق نظرية فى الأدارة درسها برّة.
-الميس كل يوم بتدخل الفصل تقول أزيكم يا حبايبى وحشتونى خالص .... بس بتبقى مديانا ضهرها وبتغيّر التاريخ على السابورة.
-لما براجع مكالمات التليفون بلاقى إن السلامات والسؤالات اللى فى أول عشر دقايق ممكن نستغنى عنهم ، لأننا مش بنفكر فيهم ولانقصدهم.


الدوامة التالتة

"هو ليه دايما العيش سندوتشات أو تغميس؟ ليه نحط فيه حاجة حادقة مثلا واحنا عارفين أنها هاتعطشنا ، أو نحط مربى أو حلاوة وبعديها ندوّر على زتونة ولاحتة طرشى تكسر احساس مضايقنا؟ ليه مانجربش ناكل العيش حاف؟"

-نفسى لما أقابلها بكرة مانتكلمش عن لون قماش تنجيد الصالون واقتراحات صاحبتها للسجاد والستاير ... نفسى عينى تيجى فى عينيها وإيدى فى إديها من غير ما نتكلم.
-أراهنك إن ماما دلوقتى لما تخش تبوسنا قبل ما ننام هاتسأل: حليتوا الواجب كله؟ وغسلتوا رجليكم وسنانكم؟ ويمكن تنسى تبوسنا....
-لما اتعينّا فى نفس الشركة كنا هانموت من الفرحة أننا هانتقابل كل يوم ...دلوقتى حتى قاعدة الشلة آخر الأسبوع اللى كانت وقت صداقتنا المقدس بقت شغل!
-أكّدت على ابنى لازم يكلمنى كل يوم يطمنّى على مشروعه اللى حطيت فيه مكافأة المعاش كلها .... مش بفهم حاجة من اللى بيقوله ....ومش فارق معايا لافلوس ولامشروع .... بس بستنى اسمع صوته.

الدوامة الرابعة

"فرق كبير بين العيش الطازة والبايت ...... العيش البايت بارد ،بيفرول ويتكسر .....حوافيه ناشفة تجرح فى الزور .....كأنه موظف قاعد بعد معاد شغلّه الرسمى وبيؤدى دوره من غير نفس. لكن العيش الطازة دافى ...طرى ....كأنه معمول مخصوص علشانك ، ظابط معاد خروجه من الفرن على جوعك لابدرى ولا متأخر"

-مافرقش معايا فى ثانوية عامة الناس اللى جت بركتلى وهدايا النجاح ... لكن فرق معايا قوى اللى كانوا بيتصلوا يشجعونى قبل الأمتحان ،ويطمّنوا عليّا بعده.
-لمّا كلمتنى ليلة عيد ميلادى كنت سهرانة بفكر فى اللى فات واللى جاى .... كنت جزء من تفكيرى وسرقت باقى الليلة لوحدك ،لكن رسالتك يوم عيد ميلادى تاهت وسط رسايل الباقين.
-ليه بابا مش فاهم إنى لمّا ببجح وأقوله مالكش دعوة بيّا أنا بقيت راجل مش لسة عيّل .... ببقى محتاج جدا ياخدنى فى حضنه؟
-كنت خايفة جدا من العملية رغم أن الكل طمّنى أنها بسيطة ... عارفة إن اصحابى وعيلتى كلها برّة بتدعيلى ... بس أكتر حاجة هدتّنى الممرضة اللى فضلت ماسكة إيدى ومبتسمة لى بحنان لحد ما رحت فى البنج.

الدوامة الخامسة

"العيش أساسى على سفرة الأغنيا وطبلية الفقرا ... ومهما اختلف مزاج الناس فى الأكل أعتقد مافيش حد بيستغنى عن العيش...... الغريبة إن فى ناس فاكرة إن الساليزونات والكرواسون ممكن يسدوا مكان العيش......... مخدوعين"

-وردة إيه اللى عايزانى أقطفهالك ..... أنتى جرا لعقلك حاجة؟! هابعتلك الجواهرجى تختارى منه اللى أنتى عايزاه .... وابقى قولى لصحباتك أنها هدية عيد جوازنا.
-دا أمتى الوقت ده إن شاء الله اللى أقضيه مع الولاد .... الحمد لله مش ناقصهم حاجة .... وعلشان احافظ على المستوى ده لازم اشتغل ليل نهار.
-طب بوكيهات الورد فى الأفراح وفهمناها .... لكن فى الجنازات بقى؟ بحس الورد مكسوف من الاسم اللى فى الكارت اللى شايله وبيقول معلش هو ماعندوش دم بعتّنى وماجاش .... سامحوه.
-جرحنى قوى إن معايدة العيد توصلنى جواب رسمى من مكتب سعادته مكتوب بحروف كمبيوتر باردة .... كان أهون عليا إن صديق عمرى ينسانى ،من أنه يحولنّى لاسم فى كشف عند سكرتيرته.

الدوامة السادسة

"بسمع أنهم بيدعموا العيش ده بفلوس كتير ... مخابز متخصصة بس فى أنتاج العيش ... لأ وكمان توصيله للبيوت ... أغلب الناس – إن ماكنش كلهم - بيوصلهم العيش جاهز ... وبيوت قليلة جدا هى اللى بتخبزه. سمعت كمان إن نسبة الهدر فى العيش مهولة ، الناس – لأنه رخيص - بتشتريه بكميات وبعدين ترميه ...دا غير اللى بيشتروه لأغراض غير الاستخدام الأدمى! ... بيتهيألى لو ماكنش مدعوم وبيوصل لحد عندنا جاهز وبوفرة ...كانت نظرتنا ليه هاتتغير خالص....."

-أكتر من عشرين سنة بعانى من الأرق كل ليلة بسبب شخير أخويا ...ياما ضايقته واضطريته ينام فى الصالة .... ومن يوم ماسافرت الإعارة مش بنام... مفتقد جدا صوت شخيره!
-من وأنا طفلة ماكنتش بحب دوشة الأطفال ... ولما خلّفت أبنى كنت بحس أنه بيستفزنى بصوت عياطه .... ربنا مايحرم أم من ضناها من وقت مافارقنى وأنا مش فى ودانى غير صوت عياطه وبدور عليه.
-كانوا بيقولولى استمتعى بوقتك لأن وقت الجامعة احلى أيام ... وكنت بأبتسم بسخرية وأقول هاعصر على نفسى لمونة لحد ماتعدى ... دلوقتى بحنّ قوى ليوم من أيام الجامعة.

-الجيران بيظبطوا ساعاتهم علينا ... معاد رجوع جوزى من شغله..معاد بداية الخناق ....، بس يوم الحادثة الشهيرة على الطريق كنت هاتجنن ....... من البلكونة للموبيل للتليفزيون ..... وأول لما دخل حضنته قوى ،ومن بين ضلوعى ودموعى قلتله ...بحبك.

الدوامة السابعة


"هو صدفة إن رغيف العيش ........... دايرة؟"

-اصحاب من أمتى؟ مش فاكر طبعا ... بس حاسس أننا مولودين اصحاب.
-لما قابلتك صدقت الأسطورة اللى بتقول إن كل انسان ليه نصّ تانى مع واحدة وبيكملوا بعض.
-الجدّ والجدّة روحهم فى احفادهم ... لأن حياتهم من حياة اللى حياتهم منهم....
-صحيح كلكم موظفين عندى فى الشركة بس بالنسبة لى زى أرقام الساعة وأنا عقربها ... يومى مايعديش غير لما أعدّى عليكم .
-أنت.............................

***

-بنقول صباح الخيييييير.
-أنتى نمتى وأنتى بتشتغلى ولا إيه؟
-ها! .....لأ مانمتش دا........
-عموما مش مهم .... يلا ياهانم اعتذريلى واعتذيرلها علشان تستردى فردتين شبشبك اللى اتحدفنا بيهم ...ههههههه
-إيه ده ..ياعينى! أنتى بتاكلى عيش حاف ..... احنا شلنالك نصيبك من الأكل امبارح فى التلاجة ........ ماشفتيهوش؟
-مش هاتصدقوا لو قلتلكم إنى أكتر مرة استمتع بأكل فى حياتى كان رغيف العيش الحاف ده....
-دا على أساس إيه إن شاء الله! ....هو العيش الحاف دا أكل أصلا؟
-هو فعلا مش أكل ...مش أكل بس،ماعلينا. ممكن بقى تدونى شبشبى لحسن الأرض بقت باردة.....باردة قوى......


الاثنين، 4 أبريل 2011

نِــســبــيّــة

قصة رومانسية من زمن الماضى الجميل للأجيال الجاية ... تكتسب قيمتها التاريخية فى تاريخى الأدبى أنها أخر قصة رومانسية أكتبها قبل قيام الثورة ... وياعالم الواحد هايجيله نفس يكتب رومانسى تانى ولاخلاص ...

صاعقاااااااا صعقاااااااا صاعقاااااااااااا

-----------------------------------------------------------------------------

فتح عينيه فجأة! ... كم الساعة الآن؟ ... يشعر أنه استيقظ متأخراً عن موعده ... فى هذه الحالة سيتغيّب عن العمل اليوم ... يعتدل فى سريره ويضئ الغرفة ، ينظر لساعة الحائط ... قد استيقظ ساعة مبكراً ! ... خاب أمله ، كان يتمنى سبب قهرى ليتغيب عن العمل. يغمض عينيه ويجول باحساسه فى جسده لعله يجد أى عضو يئن أو يشتكى من أى مرض ليعين فوراً مُلازمته للفراش ، وبالتالى غيابه عن العمل ..... سليم تماماً. لكنّ قدماه تؤلماه من البرد ... و ... يشعر برغبة فى البكاء ... حَلُمَ بها اليوم أيضاً ... أصبح يتمنى ليلة واحدة لاتأتى فيها فى أبهى صورها .. برقة صوتها .. وسحر ابتسامتها .. ودفء لمساتها وحلاوة حديثها.

تجلس إليه كل مرة فى أروع أماكن الكرة الأرضية ... يستيقظ فلا يتذكر حرف واحد من كلامها ... ولكن تنتابه تلك الرغبة فى البكاء القادمة من الأعماق ... بكاء كانفجار الآبار الجوفية لاسقوط الأمطار الصيفية. هى التى تركته بقرار لم يفهمه ... فترك المدينة كلها بقرار لم يتردد فيه ، وسكن وحده فى تلك المدينة الساحلية. أقنع الجميع أنه على مايرام ، وأنه تخلص من عبء كان يثقل كاهله وسيبحث عن فرصة عمل أفضل فى مدينة أكبر من مدينته تعطى فُرص أفضل للطموحين.

بالتأكيد ليس هذا هو السبب ، ولكن كيف لايغادر منزله وشرفته مقابلة لشرفتها ... يراها يومياً ؟؟ ... كان هذا فوق احتماله ... حتى وإن لم ينظرها هى شخصياً ... سيرى ملابسها المُعلقة لتجف والتى طالما احتضنها وعَطّرتُه.

والآن مازال يراها يومياً ... ما الحل ؟؟. يأخذ قرار سريع ... سوف لا يذهب للعمل اليوم! ... قدماه متجمدتان ... لايبدو عذراً مقبولاً لموظف فى بداية ألتحاقه بعمل وغير مسموح له بالأجازات ، ولكن من يقنع طفلاً تسحبه أمه للمدرسة سحباً ... أن لايفلت من يدها ويجرى هارباً إذا اُتيحت له الفرصة ، وأنّ المدرسة مهمة ليتعلم ويصبح ضابطاً كما يريد !.

يقوم ليُعد أى مشروب ساخن ... ويشعل التلفاز ليتابع الأخبار الصباحية ... يرفع الصوت ويدخل المطبخ. يسمع المُراسل الأخبارى من المدينة التى فيها يعلن إغلاق الشوارع الرئيسية لغرقها بالأمواج ، وإغلاق مناطق أخرى أغرقتها الأمطار وتسببت فى تلفيات بالمبانى ... يطل براسه بسرعة ليشاهد الشاشة كمن يتلصص على سِرّ خطير ، ثم يخرج حاملاً "براد" الشاى وفى اليد الأخرى الملعقة ، "يُطبّل" عليه صائحاً مُهللاً قافزاً فى الهواء ... كأنه شاهد هدف تحديد مصير فى نهائى كاس العالم لصالح مُنتخَبَهُ ... على الشاشة يظهر فى خلفية المراسل شركته التى ألتحق بها منذ أسبوعين ... أغلقوا الشارع الرئيسى التى هى فيه ... اليوم أجازة رغم أنف الجميع.

يفرح فرحة مُبالَغ فيها ثم يجلس على كرسى قريب و ... يضع ماكان بيده جانبه ... يدفن وجهه بين كفيه ويبكى بشدة ... يرفع صوته ... وحده ولن يسمعه أحد ... يكف عن البكاء. لم تعرف مدينته الأمطار إلا رزازاً خفيفاً والمشهد يبدو فى التلفاز غريباً. كطفل – مرة أخرى – تحاول أمه أن تلهيه عن البكاء ... يقوم مشجعاً نفسه ويفتح النافذة ليشاهد على الطبيعة ما رأه على الشاشة.

يفتح النافذة بوجهه المُبلل فيتلقى صفعة قوية على نصف وجهه الأيسر ! ... يغلق النافذة بسرعة ... الطقس لايمزح هنا ... موجة من الهواء البارد ضربته بعنف حتى أنه مازال يشعر بالألم فى أذنه اليُسرى يَسرّى إلى نصف وجهه. يتذكر مرضاً أصاب زميله وهو فى المدرسة الابتدائية بسبب البرد أفقده الحركة فى نصف وجهه ... كان شكله مريعاً وهو يبتسم بنصف فمّ ولا يستطيع تحريك جفون أحدى عينيه ... يشعر بالخوف ... هل سيصاب بهذا المرض الآن ؟ ... يزداد الألم فى نصف وجهه وقدميه ... يرتدى "روب" صوفى ثقيل ويذهب للمطبخ مرة أخرى ليُعدّ المشروب ... يبكى بصوت عالى يغطيه التلفاز الذى أنتقل من الأخبار المحلية للعالمية ... يبكى ... يشعر بضيق.

يعد مشروبه ويجلس به أمام التلفاز وهو شارد لايسمع ، يرى فقط صوراً لبلاد غطاها الجليد ... صورة لأطفال يصنعون تماثيل بالثلوج ... وأخرى لمنزل يسقط عليه عمود للأنارة ... سيارات مدفونة الإطارات فى شوارع غطاها الثلج. يفوق من شروده على نداء الألم فى وجهه وقدميه ... يخاف ... لو ألمّ به أى مرض هنا لن يجد من يأتى إليه بكوب ماء ... فهو غريب ... يبكى لأنه تذكر أمه وهى تبكى مُودّعة ... وهو يتحاشى النظر فى عينيها. متأكد أنها الوحيدة التى تعرف السبب الحقيقى لأرتحاله ، ولكن ذكائها وحفاظها على كبرياء وحيدها منعاها من الافصاح حتى بعينيها.

تظهر على الشاشة لقطة لمَعلَم سياحى شهير فى دولة أوروبية والثلوج تغطيه ، يعلن المراسل درجة الحرارة الغير مسبوقة وحالات الوفاة الناجمة عنها وخسائر أخرى. يتذكر ! ... صديقه الوحيد فى تلك المدينة ... أخر مرة هاتفَهُ منذ أكثر من أسبوعين ... كان يحكى له فاجعته ويبكى بشدة ... هو الوحيد الذى لايخجل أن يحكى له أى شئ ... والوحيد الذى يكون على سَجيته معه تماما ... هو "توأم روحه" كما يقولون. كيف حاله الآن؟ ... فى المرة الأخيرة هذه كان يبدو على غير طبيعته ... حكى له كل شئ بالتفاصيل وهو يبكى ... ولكنه لم يناقشه ... فقط واساه بكلمات قليلة. لم يكن ينتظر منه رداً ... المهم كان أن يحكى ويبكى ، وهو يسمع كعادتهما ، ثم يغلق الهاتف وهو مستريح كأنه كان مع أروع طبيب نفسى.

لِما لايتصل به الآن ليستطلع أخباره فى هذا الصقيع الغير مسبوق؟ . صديقه شديد الحساسية للبرد أيضاً ... يبتسم وهو يتذكر كيف كان يوقظه بنزع الغطاء عن جسده مرة واحدة وهو نائم ... أنهما أصدقاء منذ الطفولة. رائع أن يكون للإنسان صديقاً كهذا ... علاقة لايمكن تعويضها أبدأ ، فثمنها العمر كله بكل أفراحه وأحزانه. يتذكر كيف كانت أسعد لياليه على الأطلاق يوم تزوج صديقه ... لم يقولها مجازاً أو تهويلاً أنه فرح أكثر مما لو كان هو العريس.

زوجته كثيرة الطلبات ... ولاحدود لطموحها المادى ... ، تحت ضغط تذمرها وإلحاحها هاجر ، مع أنه كان يعلن منذ تخرجه أنه يرفض فكرة الهجرة تماماً. "لا نساء .. لابكاء" ... يضحك ... هذة جملة صديقه المفضلة من بعد الزواج ... كان يظنه يمزح ، والآن أدرك أنها الواقع ولا شئ سواه ......

يحضر الهاتف ويتصل ... يرنّ الهاتف طويلاً حتى كاد ييأس من الرد. كم الساعة الآن هناك؟ ....

يرد صوت خافت مختنق لايعرفه ... يعتذر بالإنجليزية ويستأذن فى أن يهاتف "...." . يرد صديقه بالعربية "أنا يا ...."....

-أنت ؟! .. مالك ؟!

-تعبان شوية ، أنت أزيك..

-تعبان مالك ؟!...

-أبداً دور برد كدة ... المهم ... أنت عامل إيه دلوقتى ؟!

-لأ ... دا مش دور برد بس ... هو أنا هاعرفك النهاردة !

ينفجر صديقه فى بكاء هيستيرى ... يتنفس بصعوبة ويسمع هو صوت شهقاته!! ... ينهض واقفاً ... يجرى فى أنحاء الحجرة كالمجنون وهو لايعرف ماذا يفعل ... كأنه يريد أن يُحضر كوب ماء ... أو كأنه يبحث عنه وسيجده فى مكان الما ليعتصره احتضاناً حتى يهدأ ... يستجمع اعصابه ...

-أهدا ... أهدا ... فى إيه ياحبيبى أهدا ... على مهلك كدة واحكيلى أنا سامعك ... أنا على فكرة بقيت كويس جداً ، بس أنت مالك ؟؟

تمر لحظات تهدأ فيها أنفاس صديقه تدريجياً ...

-أنت كويس بجد ؟

-أيوة بأمانة أحلفلك ؟؟ ... أنا دلوقتى بشتغل فى شركة كبيرة ماكنتش أحلم أتزحلق على درابزين سِلّمها ، وعزّلت لشقة زى القصر فى بلد تجنن ومبسوط قوى ... أنت مالك؟ ... أنا من أخر مرة كلمتك كنت حاسس أنك مش تمام ... بس قلت أنت أتأثرت علشانى ... خير ؟

-مش خير ... أنا فعلاً أتأثرت علشانك ... أنا فرحت علشانك. أُشكُر ربنا مليون مرة أن الموضوع خلص بدرى بدرى. أنت عارف أنا كنت فين لما كلمتنى؟ ... كنت راجع من عند المحامى ... كنت ... كنت ... بخلّص إجراءات الطلاق .....

-طلاق!!! ... طلاق إيه؟ ... طلاق ؟؟ ... طلاق مين؟

-هايكون مين يعنى ... أنا و البرنسيسة مراتى ... أو ... طليقتى.

-طا .... طا ... إيه ؟؟ ... أنت بتهزر ... بلاش هزار فى الحاجات دى لوسمحت أنا بتشائم.

-هزار إيه يابنى أدم ... وهو أنا هاهزر فى حاجة زى كدة ، خلاص ... خِلصِت كل حاجة ... وأنا بصفّى شغلى هنا وراجع مصر الأسبوع الجاى ...

-..............................

-ألو ... أنت لسة ع الخط ؟

-آه....

-أنت مش مبسوط إنى راجع مصر ولا إيه؟ دا أنت عيطت أكتر من أمى يوم ماسافرت من سنة ... ماوحشتكش؟

-........................

-أنا عارف أن الموضوع صدمة بالنسبالك ... أنا حتى لسة ماقلتش لحد من أهلى ، مستنى لما آجى وأقولهالهم وجهاً لوجه علشان مايقلقوش علىّ ومايتكهربوش زيك كدة.

-.................................

-يووووووه ... مالك يابنى أدم ... الله! ... هو مين اللى المفروض يواسى مين ... هو أنا اللى هواسيك ولا إيه ... مممممم ... الظاهر كدة إنى أنا اللى هواسيك فعلاً ... وماله ... ما أنا طول عمرى أخوك الكبير رغم إنى أصغر منك بشهرين ... فاكر كنت بتذلنى أزاى ياغتت بالشهرين دول ؟!

-......................

-فاكر ؟

-أيوة فاكر ..... فاكر ..... طبعاً ..... أنسى أزاى

-إيه دا أنت بتعيط ؟؟ ... ماتخلينيش أندم أنى قلتلك. الحكاية كلها يا سيدى أنها اتغيرت معايا من فترة ... قلت يمكن علشان الغربة ... أو علشان سايبها ليل نهار وبشتغل ... بس بعد كدة بدأت تلمحلى أن أحنا مابقناش بنحب بعض زى الأول ... وإنى اتغيرت من ناحيتها ... وكنت ببقى مش عارف أرضيها ازاى ... وهو أنا بعمل كل دا علشان مين ... مش علشانِك؟ ... وبعدها فجّرت فِىّ قنبلة الطلاق ، وقالتلى أننا اتسرعنا بالجواز ... وأننا لازم ندّى فرصة لبعض كل واحد يبدأ من جديد! ... كنت فاكرها بتتقل ولابتتدلع علشان أخد بالى منها أكتر ... ماهى على طول زى البحر تحب الزيادة ... واتمسكت بيها وحاولت أغيّر تفكيرها ... بس ولاد الحلال قالولى أنها أتعرفت على صاحب "بزار" سورى ... غنى جداً جداً ... وأنها ...

صمتْ ودموع على الطرفين ....

-عارف ... أنا مش زعلان إنى سبتها ... أنا زعلان على كل لحظة أدتهالها من حياتى ... يشبع بيها وأكيد هايدوق من الكاس اللى دقت مِنّه ... أصل الخاين الخيانة بتجرى فى دمه ... أنت عارف؟ ... أنا بشكر ربنا ... بشكر ربنا أن مافيش بينا طفل علشان مايتعذبش وأتعذب بسببه. لأ وهى فيها الخير عملتلى عرض خاص ومش هاتاخد نص الفلوس اللى عملتها هنا زى ماقانون البلد بيقول ، علشان أنجز فى أجراءات الطلاق ... وأدينى هارجع بقرشين كويسين ... فيها الخير مش كدة ؟!

-أنت واحشنى قوى ياحبيبى ونفسى أخدك فى حضنى.

-وأنت كمان ... أنت طبعاً هربان من ست الحسن جارتك ... فَضّيلى بقى أوضة عندك علشان أنا كمان عايز أبدأ فى حتة تانى بعيد عن أهلى وأهلها ... مش ناقص وجع دماغ.

-بجد؟؟ ... أنت هاتيجى تقعد معايا؟؟ .... هيييييييييييييييييييييه

يجرى فى كل الشقة ويدور كراقصات الباليه ...

-بجد ضحكتنى ... هاتفضل عيّل زى ماأنت ... بس بجد أنا ارتحت قوى لما حكيت معاك ، ياااااااه ... أنت كنت فين يابنى أدم من زمان. قولّى بقى ... هاتيجى تستقبلنى فى بلدنا ولا أنت حالف ع الأرض ماتدوسها؟

-لأهاجى طبعاً ... الشركة قافلة اليومين دول علشن ظروف الجو ... وكمان ماما وحشتنى قوى ... وأنت لازم تقعد شوية مع أمك علشان تطمنها عليك ... وبعدين نرجع سوا ...

-خلاص أتفقنا ... هاكلمك أأكد عليك معاد وصولى.

-تيجى بالسلامة يا حبيبى ... وأنا هانزل البلد من النهاردة ... ربنا معاك ... تيجى بالسلامة...

-الله يسلمك ... مش عايز حاجة اجبهالك من هنا ؟

-مش عايز غير أنى أشوفك ...

-ماشى يابكاش سلام.

-سلام.

يغلق الهاتف ... يقف للحظات يحاول أن يثبت لنفسه أنّ اللحظات السابقة لم تكن مخض خيال ... يتحسس جسدع ليثبت لنفسه أنه لايحلم ... يجد نفسه مُتعرقاً !! الحركات البهلونية التى قام بها فى انفعاله أدفأته تماماً.

والآن سيفعل شيئين ... أولاً سينزل ليكتشف أماكن "الفُسَحْ" فى هذه البلدة الجميلة !! ... أجل الناس يقصدونها للسياحة وهو لايعلم أى مكان يمكن أن يُرفّه فيه عن صديقه عندما يأتى معه ... يريد أن يستعيدا مغامرات الشباب ويعوّضا العام الذى سُرق من كليهما ... البرد ؟! ... أى برد ؟ ... على الأقل توجد ثلوج هنا ... الأمر لايحتاج إلا ملابس مناسبة وحذاء جلدى مُحكَم لايسمح بتسرب المياه ... فقط!. ثانياً سيُرتب حقائبه عندما يعود ليلحق بقطار اليوم ولا ينتظر للغد.

تخطر بباله جارته – حبيبته سابقاً – وهو يتجه ليغلق التلفاز ... يجد النشرة الجوية قد عادت مرة أخرى للأخبار المحلية بسبب عاصفة ترابية طارئة على بلدته وستستمر لأيام ... يرى الشاشة صفراء ... لاتوجد خسائر ولكن يُنصح للمسافرين على الطُرق السريعة توخى الحذر.

-هيييييييييييييييييييييه....

يقولها مرة أخرى وهو يقفز فى الهواء ويضحك ... سوف لاتُعَلّق أى ملابس على الحبال لتجف ... وإلا ستتسخ تماماً ... أمامه فرصة ليستعيد توازنه قبل أن يرى فستاناً أو تنورة أو معطف لست الحسن.

يخرج وكله نشاط ... يقضى أغرب أيام حياته مع أغرب خواطر ... يسأل نفسه إن كان هناك مايستحق البكاء حقاً ؟؟ ... يشعر أنه أكثر الناس حظاً فى الكون برصيد النعم التى طرأت عليه فى الفترة الأخيرة ... وبشهادة صديقه أيضاً. يتمنى أن لايعود منزله من فرط استمتاعه واحساسه بالصفاء ... ولروعة الأماكن وهدوءها الساحر ... ولكنه الوقت.

يُصفّر وهو يرصّ الملابس فى حقيبته داخل منزله الجديد – الذى أعاد ترتيبه خصيصاً ليكون جاهزاً لاستقبال صديقه – ويشرد للحظة ... ثم يضحك بصوتٍ عالٍ ... سؤال خطر على باله ... سيسأله لصديقه عندما يصل ... من العبقرى صاحب هذه الفكرة؟ ... ومن القوى الذى حافظ على احتكارها ، ومنع تصديرها؟ ... لماذا مصر هى البلد الوحيد الذى تعلق فيه الملابس خارج الشرفات لتجف ؟؟ ... ألم يعرف مخترعنا العظيم كم أن هذا مؤلم عاطفياً ... ومُحرِج اجتماعياً ؟؟

22-12-2010