الاثنين، 4 أبريل 2011

نِــســبــيّــة

قصة رومانسية من زمن الماضى الجميل للأجيال الجاية ... تكتسب قيمتها التاريخية فى تاريخى الأدبى أنها أخر قصة رومانسية أكتبها قبل قيام الثورة ... وياعالم الواحد هايجيله نفس يكتب رومانسى تانى ولاخلاص ...

صاعقاااااااا صعقاااااااا صاعقاااااااااااا

-----------------------------------------------------------------------------

فتح عينيه فجأة! ... كم الساعة الآن؟ ... يشعر أنه استيقظ متأخراً عن موعده ... فى هذه الحالة سيتغيّب عن العمل اليوم ... يعتدل فى سريره ويضئ الغرفة ، ينظر لساعة الحائط ... قد استيقظ ساعة مبكراً ! ... خاب أمله ، كان يتمنى سبب قهرى ليتغيب عن العمل. يغمض عينيه ويجول باحساسه فى جسده لعله يجد أى عضو يئن أو يشتكى من أى مرض ليعين فوراً مُلازمته للفراش ، وبالتالى غيابه عن العمل ..... سليم تماماً. لكنّ قدماه تؤلماه من البرد ... و ... يشعر برغبة فى البكاء ... حَلُمَ بها اليوم أيضاً ... أصبح يتمنى ليلة واحدة لاتأتى فيها فى أبهى صورها .. برقة صوتها .. وسحر ابتسامتها .. ودفء لمساتها وحلاوة حديثها.

تجلس إليه كل مرة فى أروع أماكن الكرة الأرضية ... يستيقظ فلا يتذكر حرف واحد من كلامها ... ولكن تنتابه تلك الرغبة فى البكاء القادمة من الأعماق ... بكاء كانفجار الآبار الجوفية لاسقوط الأمطار الصيفية. هى التى تركته بقرار لم يفهمه ... فترك المدينة كلها بقرار لم يتردد فيه ، وسكن وحده فى تلك المدينة الساحلية. أقنع الجميع أنه على مايرام ، وأنه تخلص من عبء كان يثقل كاهله وسيبحث عن فرصة عمل أفضل فى مدينة أكبر من مدينته تعطى فُرص أفضل للطموحين.

بالتأكيد ليس هذا هو السبب ، ولكن كيف لايغادر منزله وشرفته مقابلة لشرفتها ... يراها يومياً ؟؟ ... كان هذا فوق احتماله ... حتى وإن لم ينظرها هى شخصياً ... سيرى ملابسها المُعلقة لتجف والتى طالما احتضنها وعَطّرتُه.

والآن مازال يراها يومياً ... ما الحل ؟؟. يأخذ قرار سريع ... سوف لا يذهب للعمل اليوم! ... قدماه متجمدتان ... لايبدو عذراً مقبولاً لموظف فى بداية ألتحاقه بعمل وغير مسموح له بالأجازات ، ولكن من يقنع طفلاً تسحبه أمه للمدرسة سحباً ... أن لايفلت من يدها ويجرى هارباً إذا اُتيحت له الفرصة ، وأنّ المدرسة مهمة ليتعلم ويصبح ضابطاً كما يريد !.

يقوم ليُعد أى مشروب ساخن ... ويشعل التلفاز ليتابع الأخبار الصباحية ... يرفع الصوت ويدخل المطبخ. يسمع المُراسل الأخبارى من المدينة التى فيها يعلن إغلاق الشوارع الرئيسية لغرقها بالأمواج ، وإغلاق مناطق أخرى أغرقتها الأمطار وتسببت فى تلفيات بالمبانى ... يطل براسه بسرعة ليشاهد الشاشة كمن يتلصص على سِرّ خطير ، ثم يخرج حاملاً "براد" الشاى وفى اليد الأخرى الملعقة ، "يُطبّل" عليه صائحاً مُهللاً قافزاً فى الهواء ... كأنه شاهد هدف تحديد مصير فى نهائى كاس العالم لصالح مُنتخَبَهُ ... على الشاشة يظهر فى خلفية المراسل شركته التى ألتحق بها منذ أسبوعين ... أغلقوا الشارع الرئيسى التى هى فيه ... اليوم أجازة رغم أنف الجميع.

يفرح فرحة مُبالَغ فيها ثم يجلس على كرسى قريب و ... يضع ماكان بيده جانبه ... يدفن وجهه بين كفيه ويبكى بشدة ... يرفع صوته ... وحده ولن يسمعه أحد ... يكف عن البكاء. لم تعرف مدينته الأمطار إلا رزازاً خفيفاً والمشهد يبدو فى التلفاز غريباً. كطفل – مرة أخرى – تحاول أمه أن تلهيه عن البكاء ... يقوم مشجعاً نفسه ويفتح النافذة ليشاهد على الطبيعة ما رأه على الشاشة.

يفتح النافذة بوجهه المُبلل فيتلقى صفعة قوية على نصف وجهه الأيسر ! ... يغلق النافذة بسرعة ... الطقس لايمزح هنا ... موجة من الهواء البارد ضربته بعنف حتى أنه مازال يشعر بالألم فى أذنه اليُسرى يَسرّى إلى نصف وجهه. يتذكر مرضاً أصاب زميله وهو فى المدرسة الابتدائية بسبب البرد أفقده الحركة فى نصف وجهه ... كان شكله مريعاً وهو يبتسم بنصف فمّ ولا يستطيع تحريك جفون أحدى عينيه ... يشعر بالخوف ... هل سيصاب بهذا المرض الآن ؟ ... يزداد الألم فى نصف وجهه وقدميه ... يرتدى "روب" صوفى ثقيل ويذهب للمطبخ مرة أخرى ليُعدّ المشروب ... يبكى بصوت عالى يغطيه التلفاز الذى أنتقل من الأخبار المحلية للعالمية ... يبكى ... يشعر بضيق.

يعد مشروبه ويجلس به أمام التلفاز وهو شارد لايسمع ، يرى فقط صوراً لبلاد غطاها الجليد ... صورة لأطفال يصنعون تماثيل بالثلوج ... وأخرى لمنزل يسقط عليه عمود للأنارة ... سيارات مدفونة الإطارات فى شوارع غطاها الثلج. يفوق من شروده على نداء الألم فى وجهه وقدميه ... يخاف ... لو ألمّ به أى مرض هنا لن يجد من يأتى إليه بكوب ماء ... فهو غريب ... يبكى لأنه تذكر أمه وهى تبكى مُودّعة ... وهو يتحاشى النظر فى عينيها. متأكد أنها الوحيدة التى تعرف السبب الحقيقى لأرتحاله ، ولكن ذكائها وحفاظها على كبرياء وحيدها منعاها من الافصاح حتى بعينيها.

تظهر على الشاشة لقطة لمَعلَم سياحى شهير فى دولة أوروبية والثلوج تغطيه ، يعلن المراسل درجة الحرارة الغير مسبوقة وحالات الوفاة الناجمة عنها وخسائر أخرى. يتذكر ! ... صديقه الوحيد فى تلك المدينة ... أخر مرة هاتفَهُ منذ أكثر من أسبوعين ... كان يحكى له فاجعته ويبكى بشدة ... هو الوحيد الذى لايخجل أن يحكى له أى شئ ... والوحيد الذى يكون على سَجيته معه تماما ... هو "توأم روحه" كما يقولون. كيف حاله الآن؟ ... فى المرة الأخيرة هذه كان يبدو على غير طبيعته ... حكى له كل شئ بالتفاصيل وهو يبكى ... ولكنه لم يناقشه ... فقط واساه بكلمات قليلة. لم يكن ينتظر منه رداً ... المهم كان أن يحكى ويبكى ، وهو يسمع كعادتهما ، ثم يغلق الهاتف وهو مستريح كأنه كان مع أروع طبيب نفسى.

لِما لايتصل به الآن ليستطلع أخباره فى هذا الصقيع الغير مسبوق؟ . صديقه شديد الحساسية للبرد أيضاً ... يبتسم وهو يتذكر كيف كان يوقظه بنزع الغطاء عن جسده مرة واحدة وهو نائم ... أنهما أصدقاء منذ الطفولة. رائع أن يكون للإنسان صديقاً كهذا ... علاقة لايمكن تعويضها أبدأ ، فثمنها العمر كله بكل أفراحه وأحزانه. يتذكر كيف كانت أسعد لياليه على الأطلاق يوم تزوج صديقه ... لم يقولها مجازاً أو تهويلاً أنه فرح أكثر مما لو كان هو العريس.

زوجته كثيرة الطلبات ... ولاحدود لطموحها المادى ... ، تحت ضغط تذمرها وإلحاحها هاجر ، مع أنه كان يعلن منذ تخرجه أنه يرفض فكرة الهجرة تماماً. "لا نساء .. لابكاء" ... يضحك ... هذة جملة صديقه المفضلة من بعد الزواج ... كان يظنه يمزح ، والآن أدرك أنها الواقع ولا شئ سواه ......

يحضر الهاتف ويتصل ... يرنّ الهاتف طويلاً حتى كاد ييأس من الرد. كم الساعة الآن هناك؟ ....

يرد صوت خافت مختنق لايعرفه ... يعتذر بالإنجليزية ويستأذن فى أن يهاتف "...." . يرد صديقه بالعربية "أنا يا ...."....

-أنت ؟! .. مالك ؟!

-تعبان شوية ، أنت أزيك..

-تعبان مالك ؟!...

-أبداً دور برد كدة ... المهم ... أنت عامل إيه دلوقتى ؟!

-لأ ... دا مش دور برد بس ... هو أنا هاعرفك النهاردة !

ينفجر صديقه فى بكاء هيستيرى ... يتنفس بصعوبة ويسمع هو صوت شهقاته!! ... ينهض واقفاً ... يجرى فى أنحاء الحجرة كالمجنون وهو لايعرف ماذا يفعل ... كأنه يريد أن يُحضر كوب ماء ... أو كأنه يبحث عنه وسيجده فى مكان الما ليعتصره احتضاناً حتى يهدأ ... يستجمع اعصابه ...

-أهدا ... أهدا ... فى إيه ياحبيبى أهدا ... على مهلك كدة واحكيلى أنا سامعك ... أنا على فكرة بقيت كويس جداً ، بس أنت مالك ؟؟

تمر لحظات تهدأ فيها أنفاس صديقه تدريجياً ...

-أنت كويس بجد ؟

-أيوة بأمانة أحلفلك ؟؟ ... أنا دلوقتى بشتغل فى شركة كبيرة ماكنتش أحلم أتزحلق على درابزين سِلّمها ، وعزّلت لشقة زى القصر فى بلد تجنن ومبسوط قوى ... أنت مالك؟ ... أنا من أخر مرة كلمتك كنت حاسس أنك مش تمام ... بس قلت أنت أتأثرت علشانى ... خير ؟

-مش خير ... أنا فعلاً أتأثرت علشانك ... أنا فرحت علشانك. أُشكُر ربنا مليون مرة أن الموضوع خلص بدرى بدرى. أنت عارف أنا كنت فين لما كلمتنى؟ ... كنت راجع من عند المحامى ... كنت ... كنت ... بخلّص إجراءات الطلاق .....

-طلاق!!! ... طلاق إيه؟ ... طلاق ؟؟ ... طلاق مين؟

-هايكون مين يعنى ... أنا و البرنسيسة مراتى ... أو ... طليقتى.

-طا .... طا ... إيه ؟؟ ... أنت بتهزر ... بلاش هزار فى الحاجات دى لوسمحت أنا بتشائم.

-هزار إيه يابنى أدم ... وهو أنا هاهزر فى حاجة زى كدة ، خلاص ... خِلصِت كل حاجة ... وأنا بصفّى شغلى هنا وراجع مصر الأسبوع الجاى ...

-..............................

-ألو ... أنت لسة ع الخط ؟

-آه....

-أنت مش مبسوط إنى راجع مصر ولا إيه؟ دا أنت عيطت أكتر من أمى يوم ماسافرت من سنة ... ماوحشتكش؟

-........................

-أنا عارف أن الموضوع صدمة بالنسبالك ... أنا حتى لسة ماقلتش لحد من أهلى ، مستنى لما آجى وأقولهالهم وجهاً لوجه علشان مايقلقوش علىّ ومايتكهربوش زيك كدة.

-.................................

-يووووووه ... مالك يابنى أدم ... الله! ... هو مين اللى المفروض يواسى مين ... هو أنا اللى هواسيك ولا إيه ... مممممم ... الظاهر كدة إنى أنا اللى هواسيك فعلاً ... وماله ... ما أنا طول عمرى أخوك الكبير رغم إنى أصغر منك بشهرين ... فاكر كنت بتذلنى أزاى ياغتت بالشهرين دول ؟!

-......................

-فاكر ؟

-أيوة فاكر ..... فاكر ..... طبعاً ..... أنسى أزاى

-إيه دا أنت بتعيط ؟؟ ... ماتخلينيش أندم أنى قلتلك. الحكاية كلها يا سيدى أنها اتغيرت معايا من فترة ... قلت يمكن علشان الغربة ... أو علشان سايبها ليل نهار وبشتغل ... بس بعد كدة بدأت تلمحلى أن أحنا مابقناش بنحب بعض زى الأول ... وإنى اتغيرت من ناحيتها ... وكنت ببقى مش عارف أرضيها ازاى ... وهو أنا بعمل كل دا علشان مين ... مش علشانِك؟ ... وبعدها فجّرت فِىّ قنبلة الطلاق ، وقالتلى أننا اتسرعنا بالجواز ... وأننا لازم ندّى فرصة لبعض كل واحد يبدأ من جديد! ... كنت فاكرها بتتقل ولابتتدلع علشان أخد بالى منها أكتر ... ماهى على طول زى البحر تحب الزيادة ... واتمسكت بيها وحاولت أغيّر تفكيرها ... بس ولاد الحلال قالولى أنها أتعرفت على صاحب "بزار" سورى ... غنى جداً جداً ... وأنها ...

صمتْ ودموع على الطرفين ....

-عارف ... أنا مش زعلان إنى سبتها ... أنا زعلان على كل لحظة أدتهالها من حياتى ... يشبع بيها وأكيد هايدوق من الكاس اللى دقت مِنّه ... أصل الخاين الخيانة بتجرى فى دمه ... أنت عارف؟ ... أنا بشكر ربنا ... بشكر ربنا أن مافيش بينا طفل علشان مايتعذبش وأتعذب بسببه. لأ وهى فيها الخير عملتلى عرض خاص ومش هاتاخد نص الفلوس اللى عملتها هنا زى ماقانون البلد بيقول ، علشان أنجز فى أجراءات الطلاق ... وأدينى هارجع بقرشين كويسين ... فيها الخير مش كدة ؟!

-أنت واحشنى قوى ياحبيبى ونفسى أخدك فى حضنى.

-وأنت كمان ... أنت طبعاً هربان من ست الحسن جارتك ... فَضّيلى بقى أوضة عندك علشان أنا كمان عايز أبدأ فى حتة تانى بعيد عن أهلى وأهلها ... مش ناقص وجع دماغ.

-بجد؟؟ ... أنت هاتيجى تقعد معايا؟؟ .... هيييييييييييييييييييييه

يجرى فى كل الشقة ويدور كراقصات الباليه ...

-بجد ضحكتنى ... هاتفضل عيّل زى ماأنت ... بس بجد أنا ارتحت قوى لما حكيت معاك ، ياااااااه ... أنت كنت فين يابنى أدم من زمان. قولّى بقى ... هاتيجى تستقبلنى فى بلدنا ولا أنت حالف ع الأرض ماتدوسها؟

-لأهاجى طبعاً ... الشركة قافلة اليومين دول علشن ظروف الجو ... وكمان ماما وحشتنى قوى ... وأنت لازم تقعد شوية مع أمك علشان تطمنها عليك ... وبعدين نرجع سوا ...

-خلاص أتفقنا ... هاكلمك أأكد عليك معاد وصولى.

-تيجى بالسلامة يا حبيبى ... وأنا هانزل البلد من النهاردة ... ربنا معاك ... تيجى بالسلامة...

-الله يسلمك ... مش عايز حاجة اجبهالك من هنا ؟

-مش عايز غير أنى أشوفك ...

-ماشى يابكاش سلام.

-سلام.

يغلق الهاتف ... يقف للحظات يحاول أن يثبت لنفسه أنّ اللحظات السابقة لم تكن مخض خيال ... يتحسس جسدع ليثبت لنفسه أنه لايحلم ... يجد نفسه مُتعرقاً !! الحركات البهلونية التى قام بها فى انفعاله أدفأته تماماً.

والآن سيفعل شيئين ... أولاً سينزل ليكتشف أماكن "الفُسَحْ" فى هذه البلدة الجميلة !! ... أجل الناس يقصدونها للسياحة وهو لايعلم أى مكان يمكن أن يُرفّه فيه عن صديقه عندما يأتى معه ... يريد أن يستعيدا مغامرات الشباب ويعوّضا العام الذى سُرق من كليهما ... البرد ؟! ... أى برد ؟ ... على الأقل توجد ثلوج هنا ... الأمر لايحتاج إلا ملابس مناسبة وحذاء جلدى مُحكَم لايسمح بتسرب المياه ... فقط!. ثانياً سيُرتب حقائبه عندما يعود ليلحق بقطار اليوم ولا ينتظر للغد.

تخطر بباله جارته – حبيبته سابقاً – وهو يتجه ليغلق التلفاز ... يجد النشرة الجوية قد عادت مرة أخرى للأخبار المحلية بسبب عاصفة ترابية طارئة على بلدته وستستمر لأيام ... يرى الشاشة صفراء ... لاتوجد خسائر ولكن يُنصح للمسافرين على الطُرق السريعة توخى الحذر.

-هيييييييييييييييييييييه....

يقولها مرة أخرى وهو يقفز فى الهواء ويضحك ... سوف لاتُعَلّق أى ملابس على الحبال لتجف ... وإلا ستتسخ تماماً ... أمامه فرصة ليستعيد توازنه قبل أن يرى فستاناً أو تنورة أو معطف لست الحسن.

يخرج وكله نشاط ... يقضى أغرب أيام حياته مع أغرب خواطر ... يسأل نفسه إن كان هناك مايستحق البكاء حقاً ؟؟ ... يشعر أنه أكثر الناس حظاً فى الكون برصيد النعم التى طرأت عليه فى الفترة الأخيرة ... وبشهادة صديقه أيضاً. يتمنى أن لايعود منزله من فرط استمتاعه واحساسه بالصفاء ... ولروعة الأماكن وهدوءها الساحر ... ولكنه الوقت.

يُصفّر وهو يرصّ الملابس فى حقيبته داخل منزله الجديد – الذى أعاد ترتيبه خصيصاً ليكون جاهزاً لاستقبال صديقه – ويشرد للحظة ... ثم يضحك بصوتٍ عالٍ ... سؤال خطر على باله ... سيسأله لصديقه عندما يصل ... من العبقرى صاحب هذه الفكرة؟ ... ومن القوى الذى حافظ على احتكارها ، ومنع تصديرها؟ ... لماذا مصر هى البلد الوحيد الذى تعلق فيه الملابس خارج الشرفات لتجف ؟؟ ... ألم يعرف مخترعنا العظيم كم أن هذا مؤلم عاطفياً ... ومُحرِج اجتماعياً ؟؟

22-12-2010

الاثنين، 7 فبراير 2011

عن الرجل الذى قهر الداخلية بالملوخية ...



الصورة دى من بلكونة بيتنا ... من موقع الحدث اللى عليه الكلام


المرة دى مش قصة ... حكاية







آه فرق كبير طبعا ... دا توثيق لموقف حدث بالفعل











المكان : تحت بيتنا بالظبط ... قدام كنيسة العائلة المقدسة ... النص الشمال من ميدان ناصر.















الزمان : الجمعة 7 يناير 2 0 1 1

الساعة داخلة على واحدة الضهر ... معاد خروج صلاة الجمعة.















الحدث : حالة غير مسبوقة فى تاريخ الميدان من التوتر ... من أمبارح بليل زهُما مِفضّيين رصيف الكنيسة كله من العربيات التى بتركِن "صف موازى للرصيف" ... والجديد اللى محصلش قبل كدة أنهم فَضّوا الرصيف اللى قُدامُه من العربيات الراكنة "عمودى على الرصيف" ... أول مرة أشوف الميدان –اللى ماهو إلا جراج كبير- فاضى ، حتى ولو جزئياً بالشكل دا ... دا يوم مادخّلوا الغاز الطبيعى ماعرفوش يفضوه كدة .....







من وقت حادثة ليلة راس السنة بتاعت التفجيرات كنيسة الأسكندرية والدنيا قلق ... شالوا قوالب الطوب –اللى كانت أضيفت بعد تهديدات تفجيرات القاعدة- وحَطّوا أقماع فسفورية والحواجز الحديد بتاعت كماين المرور ... ، أول ماشفت الأقماع اتحطِت بدل القوالب عرفت إن الخطر بقى بجد ... ويوم ماجت الحواجز الحديد أتأكدت إن الداخلية مش بتهزر. جِه مخبُر بلبس مدنى شبه "أنا ميمو ياض" بتاع فلم "أنا وهو وهى" وعدد فى حدود صوابع الإيدتين أمن مركزى كقوة إضافية على العسكريين –هما كانوا أتنين- بتوع الكنيسة الأصليين. كدة الداخلية جابت أخرها بتطليع ورقة رجل الأمن المركزى أبو عصاية !.









ليلة العيد الناس كانت بتصلى وماحدش فاضى ... والأمن كان متشنج على الفاضى. بس النهاردة العيد ... ولأول مرة فى تاريخ أعياد المنيا السعيدة –وأعتقد مصر كلها- تتقفِل الكنايس فى وِشّنا الصبح ! ... قرار من الأمن ... طب هانتجمَع فين وهناخد عيدية من مين ؟ ... وهانخرج أزاى خدماتنا وفسحنا وأحنا اصلا مااتجمعناش ؟! ..... نهايتُه.





من البلكونة بتابع ... صلاة الجمعة شغالة ... الكنايس مقفولة صحيح بس احتمال الاشتباك لسة وارد رغم عدم وجود تجمعات لشباب مسيحى ، ممكن يطلعوا من تحت الأرض –بالذات إن كان فى كلام عن وقفة احتجاجية بتى شيرتات سودا على الكورنيش- مع اللى طالعين من الجوامع هاتبقى زيطة.









فجأة ظهر رتبة ! ... كان حاطط كرسى وقاعد فى الشمس من بدرى وماحدش كان واخد باله مِنُه ... أكيد هو حَدّ مُهم رغم أنى مش شايفة اللى على كتافه ... بس البالطو الأسود والنضارة الشمس واللاسلكى والعصبية اللى بيزعق بيها ... كلها حاجات تنتمى لـ"تيمة" معينة ... واحدة بس منها كفيلة بأنها تقولك أن صاحبها راجل مهم ... مهم مهم يعنى مش كدة وخلاص.







بيتجمع شباب من سكان الأبراج اللى قادمنا ساندين على العربيات –برّة حدود المنطقة الواسعة المتقفلة- بيشربوا ساقع من البقال ... فبيكلمهم واحد من الأمن المركزى وبيبعدوا شوية مالهومش لزمة !. ظابط أو لوا أو مش عارفة هو إيه ، المهم أنه حد بلبس ملكى من سكان الأبراج جاى بحُسن نيّة يركن العربية فيجرى عليه المُخبِر ضخم الجثة –"أنا ميمو ياض"- ويقوله بصوت يليق بجسمُه بيسمعنى بوضوح وأنا فى الرابع ... "لمؤخذة ياسعادة البيه ... معلش تعليمات ماأنت عارف ، ممكن حضرت تركن هناك عند قصر الثقافة ... بس معلش لمؤخذة ... هتاخد ورا وتلف علشان ممنوع نفتح هنا ... لمؤخذة تعليمات".







أبو بالطو ولاسلكى بيتكلم بصوت عالى وعمّال يزعق فى العربيات الداخلة الميدان علشان ماحدش يفتح معاه موضوع أنه يفتح الحواجز ويعديها ... نُص الميدان مقفول لأول مرة حاجة تعمل قلق ... كانوا قفلوا الميدان كله أسهل مايقفلوا نُصّه ويقنعوا اللى دخل فى نُصّه أنه يلف من ورا ... وماحدش عارف "ورا" دى منين على فين!.







كل الناس –الأمن- واقفة وحالة توتر مالهاش أى مبرر ... مافيش مشكلة أمنية غير اللى هُمّا عاملينها بالحواجز !. أتنين بموتوسكل عايزين يعدوا علشان معاهم "كومبرسور" هوا تقيل لمحل بيتوضب داخل فى كردون الإخلاء ... بياخد ظابط الأمن المركزى أذن المُخبِر ... اللى بياخد أذن الرتبة ... وكل واحد بيفهّم التانى بالأشارات ويرجع يشاور على الموتوسكل الى بيقوم الراجلين اللى عليه بدورهم بالمشاورة على "الكومبرسور" على أساس أن أكيد الكلام عليه. فيشاور الرتبة بـــ"لأ" ... وبيديهم ضهره تانى ويكمّل كلام فى اللاسلكى ، بينهى المخبر الموضوع بــ"لِفّ من ورا" !! ... ورا فين ؟؟ ... أما المحل أهو على بُعد خطوتين ! ... بينزل الأتنين الصنايعية ويشيلوا "كومبرسور" على قلبهم يدخلوه المحل وأمرهم لله ... بيعدوا بـ"الكومبرسور" عادى مع أن شكله قنبلة قنبلة ! ... يعنى هى المشكلة كانت فى الموتوسكل ؟!.









بيجى واحد بعجلة وهايعدى من بين الحواجز علشان المسافة أصلاً تعديه وهو مش حاسس أنه بيعمل حاجة غلط –عادى عجلة- بس واحد من عساكر الأمن المركزى اللى كان واقف زهقان من بدرى حَبّ يعمل حاجة بدل ماهو واقف كدة فزعق للراجل وهو بيشاور فى الأربع اتجاهات الأصلية "من ورا" !!. فيلف الراجل ويختفى عن الأنظار ! ... غالباً مش من هنا وتاه .....







فجأة يظهر البطل فى الأفق ! ... مش فى الأفق لأ ... دا قدام الحواجز الحديد بالظبط ... كأنه طلع من تحت الأرض. "آآآآملوخية" ... بيقولها بلحن موزون صوت عالى وهو حاطط إيده جنب وشه وبيقسّم ... "آآآآملوخية". راكب على مقدمة العربية الكارو ورافع راسه وبيقول من قلبه وهو قافل عينيه –لزوم السَلطَنة- وسايب القيادة للحمار ... ومن سواه ؟؟ ... بيوصل الحمار لبين الحاجزين اللى قافلين الميدان بالعرض ويعدى راسه ... بس أكتر من كدة مابينفعش يعدى ... فبيقف.







بينتبه الراجل –أبو جلبية وعِمّة كبيرة ووَش أسمر يستحيل وصف ملامحه من كُتر الكسرات والتقطيبات- إلى توقف الرَكب ، وغالباً الحمار بيحس بإهانة لا يرضاها له صاحبه ، فبينزل بسرعة وثقة ويشيل الحاجز الأول يحُطّه على جنب!.









الحركة كانت جريئة ومفاجأة وفوق توقع أى حَدّ !! ... بتوع الأمن المركزى اتلموا يتفرجوا من على الرصيف وهُمّا مادين راسهم زى الأطفال اللى بيشوفوا عمو صياد السمك وهو بيطلّع سمكة بتلعب وخايفين يقربوا لتفُطّ فى وشهم ، والمخبر -"أنا ميمو ياض"- اتسمّر فى مكانه وحَطّ إيد فى وسطه والتانية على راسه زى اللى نايم على البلاج !. الراجل بكل براءة وعزم وقف نادى "آآآآملوخية" ... وبعدين لفّ علشان يشيل الحاجز التانى !!.









أول واحد اتخلص من تأثير الصدمة كان المُخبر... من مكانه "أنت ياعم ..... يا أبويا ...." ... الصوت كان عالى وبيجسّم حجم المأساه لدرجة لفتت نظر "الرتبة" فى أول المنطقة المحاصرة وهو بيتخانق فى عربية ... ماكنش واخد بالُه ، وأخد زمن أكبر من زمن تجمد العساكر والمخبر ، والمخبر مستنى رد فعله والراجل واقف مستنى يشوف أخرة وقف الحال دا إيه !!.





أنا عن نفسى توقعت أنه يطَلّع طبنجتُه وينشّه رصاصتين أقل حاجة !! ... دا فك الحصار يارجالة !! ... دا بيتحدى الداخلية !! ... استغفر الله !! ... لأ كله إلا كدة .....









بَصّ "الرتبة" للمخبر وقاله بعصبية "سيبه ... سيبه" !!!. مابيستناش الراجل المخبر يقوله حاجة ... بيروح يشيل الحاجز التانى! ... كدة فتح الميدان ع البحرى !! وبيسحب الحمار بهدوء وود فيه اعتذار –لشخص الحمار طبعاً- ويحط إيده على خدُه ويرفع راسه ويغمض عينيه "آآآآآملوخية".







بيعدى المنطقة المُفرغة من العربيات ... بيقف كل خطوتين وينادى ويبص على العمارات والأبراج يدوّر على "سَبتْ" نازل أو مشبك غسيل فيه فلوس علشان يدّى الحزمة للبواب يطلعها ... ينتبه واحد من عساكر الأمن المركزى أن الحواجز ماحدش رَجّعها مكانها فيجرى يرجعها ... والغريبة أنه كان فى عربية صغيرة بتاعت ساكن من سكان الميدان ورا الكارو مأتجرأتش تاخد عجلة لقدام ... صاحبها كان بيتفرج وبعدين لَفّ غلشان ياخد مارش ويشوف رَكنّة ... "ورا".





مشى الراجل بسرعته العادية وهو بينادى –وطبعاً ماحدش أشترى- لحد ما وصل لأول الحصار الناحية التانية ... وكرر عملية فتح الحواجز مع وجود أقماع إضافية فى الناحية دى ... شال واحد وزَقّ التانى برجلُه !! وعدى هو والحمار ، وكل الناس –العساكر والمخبر والرتبة- بيودعوه بعنيهم ... بينادى وهو بيحود ويختفى ... "آآآآآآآآ ملوخية". بيختفى وبيختفى صوته ... وبيجرى واحد تانى أمن مركزى يقفل المعبر –آه المعبر- من الناحية التانية.





ماقدرتش أمنع نفسى من ضحكة مندهشة عالية رَنّت فى الميدان لدرجة أن "الرتبة" أبو نضارة شمس رفع راسه هو والمخبر ، فدخلت بسرعة ورديت الشيش. كملت ضحك لحد مادمعت !! ... مسحت دموعى وأنا بفكر ومش قادرة أصدق اللى شفته !! ... لو عنيا دول ماكنوش عنيا –أنا المواطنة السلبية الغلبانة- وكانوا عنين أرهابى من اللى الهيلمان دا كله معمول علشان سواد عيونهم ، كانت هاتبقى استفادته إيه من المشهد دا ؟؟ . ولو الراجل الذى قهر الداخلية دا ماكانش بتاع ملوخية وكان من اللى عايزين البلد تبقى ملوخية أكتر ماهى ، كانت هاتبقى الخطة دى كلها لزمتها إيه ؟؟ ... هو صحيح الداخلية عاملة احتياطات أمنية وحالة تأهب ماتخرش المية ؟؟ ... مش متأكدة ... بس اللى أتأكدت منه أن خطة الداخلية يتخُرّ ملوخية.


الاثنين، 1 نوفمبر 2010

أتـلـهـى ! ... ثلات قصص بعنوان واحد

(1)

كنت ماسكة إيدُه وماشية معاه بنتفرج على فتارين محلات لعب الأطفال علشان يختار هدية لعيد ميلاده الرابع ، ماخدناش بالّنا أحنا الأتنين من قالب الطوب اللى فى نُصّ الرصيف ... اتخبط فيه جامد واتعوّر ... وِقع على الأرض بيعيط وبينزف ! ... ماكنتش عارفة أعمل إيه؟ ... أول مرة أواجِه حاجة كبيرة زىّ كدة مع أبنى ... نسيت حتى الاسعافات الأوليّة اللى كنا بناخدها زمان فى المدرسة من الخضّة.
دلقت شنطتى على الأرض بأرتباك أدوّر على مناديل ... حاجة أربط بيها الجرح ... برفان أطهرُه بِيه ... أى حاجة. لقيتُه فجأة بَطّل عياط وقالى "ماما .. فين السواق بتاع عربيتى؟" ، بصيتلُه لقيتُه ماسك عربيتُه اللعبة اللى كان مديهانى أشيلهالُه فى شنطتى وبيشاور على مكان السواق ... استغربت أنه بَطّل عِياط ومش حاسس برجلُه! ، بس لأنه كن هايعيط تانى بسبب غياب السواق ... فدورت بسرعة وسط الحاجات اللى أدّلقت من الشنطة لحد مالقيتُه ... رَكِبُه مكانه وربطلُه الحزام وقام علشان يجرّب العربية ، جرى بيها يشوفها سليمة ولا لأ! ... كنت بَبُصلُه بذهول وأنا مش مصدقة أنه نسى الخبطة تماما وأن الجرح بطّل ينزف لوحدُه! .
من الموقف دا عرفت مفتاح فى تربية أبنى وتعاملى معاه ، ألا وهو أنه "يتلهى"! . استخدمته بعد كدة كتير ... فلما مثلا يعيّط أنه عايز عجلة زى اصحابه ، أقوله إنه لو وضّب أوضته هاخده النادى يوم تانى غير بتاع الأجازة ... فيجرى يوضب الأوضة وهو مبسوط ويتقفل موضوع العجلة.
ولمّا يعيّط من مغص جامد مخليه مش قادر يروح المدرسة ، أقوله إن كدة مادام تعبان يبقى غالبا مش هايقدر يروح حمام السباحة بكرة ... فيروح المغص فى لخظة ، وتتبخّر دموعه ، ويلبس هدومه كمان من غير مساعدتى.
لمّا كبر ودخل الجامعة واتخرّج سلّمتُه مفتاحُه وحل أغلب مشاكله - اللى بتبقى فعليا مش عايزة ، أو ملهاش حل - فى إيدُه ... أنه "يتلهى".
وبقى حتى لما ينسى المفتاح دا ويجى من شغله يحكيلى وهو متضايق ومُحبَط ... عن زميله اللى بيحاربه علشان يسبقُه ... أو مديره اللى بيمُص دمُه ... أو ... أو ... ، أفكّره ... "حبيبى .. اتلهى" ، فيبتسم كأنه كان ناسى حاجة وأفتكرها ويقولى "طب جهزى نفسِك علشان هانروح سوا السينما ، وبعديها عزمِك على العشا".



(2)

قصة حُبّنا كانت أروع من أى رواية أو فلم ... استخدمنا فيها كل أبيات الشِعر الل أتكتبت عن الحب من أول ما اخترعوا حاجة اسمها كلام! ... كنت ببعتلّها كليبات و "رينج تون" الأغانى أول بأول مابتنزل لأنى كنت خَلّصت كل حاجة تانى ممكن أعبّر بيها عن حُبى الكبير. بس لمّا خِلص رصيدى وبطلّت ابعت قالتلى أنها مش هاتقدر تكمّل معايا! ... وأنها مش هاتقدر تسعدنى لأنها مش واخدة على عشية الفقر ، وأنا رغم طموحى مستوطن فيها. ماكنتش مصدق أن هى دى اللى ياما وعدتنى ووعدّتها أننا هانفضل مع بعض للنهاية ... بس هى قالتلى أن دى النهاية خلاص ... وحمد الله على السلامة! .
أتصدمت وأكتأبت والدنيا أسودّت فى وشى ... ، بقيت إنسان بائس ويائس وشكلُه يغُمّ ... ولمّا زميلتى فى المكتب كانت تقولّى "مالك بس؟" ... وكنت أقولها جُمل من نوع ... "حاسس بعبثيّة الحياة" ... "مش متفاعِل مع ماهيّة الأشياء" ... "فقدت رونق التجديد" ، و"نفسى يبتلعنى الثقب الأسود" ... كانت تفتح بُقّها ... وتتدفق من عينيها كل بلاهة الدنيا ... وبعدين تمصمص شفايفها وتحرك إيدها كأنها بتهِشّ دبانة وتقول "ياشيخ أتلهى"! .
كانت فعلا أكتر كيان تافه قابلته فى حياتى. كانت قارئة دؤوب لمجلات الطبيخ والموضة ...بس!. وحاجة زى "الألياذة و الأوديسة" ممكن بالنسبلها تكون اسم الدلع لــ"ريّا وسكينة" أو "بكيزة وزغلول"! ... كنت بَحكّى معاها –بس- بدل ما أموت من القهر ، وبعد ما بِعت كلبى اللى كنت بحكّى معاه وأشوف فى عينه تأثُر وفهم أكبر بكتير من اللى بشوفه فى عنيها. بعتُه لأنى ماكنش معايا أصرف عليه ، وبقيت بستمتع بتعذيب نفسى كل مرة احكيلها ... وهى تسمعنى –وغالباً بتكون سرحانة- وبعدين تتاوب وتقولى "ياشيخ أتلهى"! .
كل مرة كنت بسمعها منها وماأردش عليها ، لأن الرد اللى كان بيبقى فى دماغى ماينفعش أقوله قدام آنسة محترمة ... بس مرّة سمعتها منها كأنى بسمعها لأول مرة !!! ... أزاى مافكرتش فيها قبل كدة !!! ... فعلا دا حل مشكلتى العاطفيّة ... أنى "أتلهى".
وبدأت اعمل مشروع صغير أشغل بيه نفسى بعد معاد شُغلى ... كنت بموّت نفسى فيه عليشان أنسى ... ولمّا المشروع كِبر قدمت استقالتى من الشركة علشان أتفرغّلُه ... ، كُبر قوى وبقالى بزنس خاص بيزيد كل يوم . وأول حاجة فكرت فيها أول ما أوضاعى المالية بقت ممتازة وحياتى استقرت أنى ارتبطت.
ارتبطت بالإنسانة اللى غيرت حياتى بكلمة! ... أيوة هى ... من غير ما أتردد لحظة كنت عرفت أن هى دى الإنسانة اللى هاتسعدنى بجد ... ودا اللى حصل فعلاً. بقيت كل ماأواجِه مشكلتة فى شغلى ... أرجع واحكيلها بتفاصيل التفاصيل ... فتسمع وهى بتهز راسها ، وتقوم تلاقيلى حل حسب رؤيتها. مشكلة القروض المتأخرة حلّها صَنيّة مسقعة باللّحمة ... ومشكلة تصاريح الفرع الجديد حلّها أكلة محشى والحلو تورتة آيس كريم!. زوجة مثالية مُحصّنة ضد النكد والمشاكِل لأنها ماتفهمهاش أصلاً ... ودايما بتحسسنى أن الدنيا بخير.....ولذيذة!.
ويوم ماطلعت صورتى فى الجرايد مع الوزير فى افتتاح أكبر مرحلة من استثماراتى ... جالى تليفون من اللى كانت حبيبتى بتقولى أنها طول الفترة اللى فترة اللى فاتت ماكنتش عارفة تعيش وأنا بعيد عنها ... وأنها مش بتنام وحاسة بعبثية الحياة ، ومش متفاعلة مع ماهيّة الأشياء ، وفاقدة رونق التجديد و..... قُلتِلها إنها لو كانت كمان بتتمنى أنه يبتلعها الثقب الأسود ، فعندى حل رائع لمشكلتها فى كلمة واحدة ... "أتلهى".
هزقتنى إنى بهِنها وهى اللى كانت فاكرة إنى باقى على حُبنا الكبير و........ عيطت وقفلت السكة ف وشى! . مش عارف ليه زِعلت ، أنا كنت بتكلم جَدّ جداً وحاسس بكل كلمة بتقولها ، وقلتلها بأمانة شديدة حلّ متجرب فى حالة تطابق اللى بتوصفها ، وهو اللى غيرلى حياتى يوم ما استقب عقلى من ودانى ... "أتلهى".



(3)

مش معقولة يكون بيعاكس ... لأنه – مش هاقول فى سِن والدى – راجل فى سِن جدّى ... جدّى رمسيس التانى ... ولِيه نفس هيبته وأحترامه كمان. بس كل مرة أجى هنا يوم الأجازة أقرا وأشرب حاجة – من باب تغيير الجو- ألاقيه مركّز معايا قوى ن ولما غيرت ترابزتى مرة ...غيّر هو كمان ترابيزته وجه قدامى. ولما يوم كنت متضايقة واستأذنت من الشغل وجيت هنا ... لقيته برضه موجود وقاعد قدام ترابيزتى ... سرحان فى الكرسى بتاعى!.
يعنى أبطّل أجى هنا ولا إيه؟ ... دا تقريباً آخر الأماكن المحترمة اللى بجِيها وحدى وأنا مطمّنة ومش شاية هَمّ معاكسة ولا عكننة من أى نوع . عموماً أنا ماليش دعوة ... كتابى ف إيدى ... سماعاتى ف ودانى ... و"شليموهى" ف بُقّى ... وماحدش لُيه عندى حاجة.....

- "بون جور" .... ممكن أقعد معاكى؟ ... لو هازعجِك ماتُحرَجِش تقولى "نو".
زُهِلت جداَ أنه بنفسه جِه يكلمنى ، لما وقف بانت هيبته واستقراطيتُه أكتر ... كرر الجملة اللى فاتت دى مرتين لأنى أول مرة ماكنتش لسة شِلت السماعات من ودانى ... ماقدرتش أردّ بس لقتنى بقوم اسحبله كرسى وأشاورله يتفضل وما أقعُدش غير لما يِقعد هو ....

- "أسيفو مودمزيل"....

صمم إى أقعد قَبلُه ... ياه ... لسة فى ناس كدة!...

- طبعا أنتى متضايقة منى علشان حاسة إنى محاصرك ومقتحمك بنظراتى ... عموماَ أنا قررت أكسر الصمت وأكلمك بس علشان أقولك "باردو" ... بعتذر عن وقاحتى.

- أبداً ... أبداً ... أزاى حضرتك تقول كدة ... أنا مافكرتش كدة خالص...

مع إنى مافكرتش غير فى كدة أصلاَ.

- لو كدة يبقى اسمحيلى بقى أعّرفك بنفسى أنا "....." دبلوماسى سابق ... على المعاش من زمان ... أرمل وأولادى كلهم متجوزين بَرّة مصر ... عايش لوحدى ... قضيت أغلب عمرى بسافر من بلد ... ولما المرحومة أتوفت وأولادى كل واحد استقر فى البلد اللى لقى فيها شريكة حياته فَضّلت إنى أجى هنا وأعيش هِنا ... أو بعمنى أدق أكوت هنا....
ضحك بعدها ضحكة زى بتاعت الولاة والملوك فى الأفلام ، وسِكتْ. ماعرفتش أردّ ... بس المفروض – حسب الآداب الدبلوماسية – إن دا دورى إنى أعّرف نفسى.

- أنا "......" مُترجمة فى شركة أنترناشونال ... والدى ووالدتى برضُه أتعرفوا على بعض برّة مصر ... كل واحد فيهم أتولد فى قارة غير التانية ، بس هُما الأتنين كان ليهم أصول مصرية فجُم هنا علشان يلاقوا قرايبهم ....... لكن ماوصلوش لحد ! ... الله يرحمهم ... ماعرفش قرايب ليّ غير جدى رمسيس التانى.

ضحك نفس ضحكتُه الملوكية وضحكت ضحكتى المكتومة بحُكم طبيعتى الخجولة.

- " سى لا فى"

- "وى"....

- أنا من أول يوم سافرت كنت مقرر إنى هارجع ، وكل يوم كنت بحلم باليوم اللى هاجى فيه مصر تانى . كأنى كل حياتى كانت حلم مستنى اصحى منه ، وفى الحلم دا كنت بحلم بالواقع اللى نفسى ارجعلُه ... ليلة ما كنت راجع ماقدرتش أنام ، وحلمت وأنا صاحى بكل اللى بحِنّلُه ومشتاقلُه. صوت أم كلثوم وعبد الوهاب ف ودانى عِلّى ... وف عينى اتكثفت شبورة كورنيش النيل فى الشتا الدافى زى صيف البلاد اللى عشت فيها السنين اللى فاتت ... كنت مستعد أمشى القاهرة شارع شارع واملّى عنيا من مبانيها اللى كنت بفتخر وأتعالى قدام اصحابى الخوجات أنها كسبِت باريس كأجمل مدينة من عواصم دول حوض المتوسط ... سنة مش فاكر كام !... مثقفين وسط البلد ... قهاوى الحسين والأحياء القديمة ...
جيت مالقتش حاجة خالص من كل دا ... جيت لقيت الفن بقى اسفاف وابتزال وخدش حياء ... كل جمال بقى تلوث وقبح ... لقيت القاهرة فازت فى نفس السنة اللى جيت فيها على مستوى العالم – مش دول المتوسط بس – بأعلى نسبة تلوث لمدينة ، وأبطأ مرور !.
لقيت أشباه المثقفين بيلمهم الأمن المركزى ... والقهاوى بقيت أوكار حشيش . كان قدامى اخيتارين ... يا أتجنن ، يا أكتأب... وأخترت أنى أتجنن...

ضحك وضحكت رغم أنها كوميديا سودا ، بس هو قرر يقطع الدراما قبل ما الدمعة اللى أتكونت فى عينى يزُقها الخوف اللى واقف وراها ... وافضَحُه لما أعيّط !
غالباً كنت صعبت عليه ... بس بكل قوة للسكوت أترجيته بعنيّا يكمّل ...

- ماكنش ينفع أرجع تانى أى بلد برّة رغم أن دا أنسب لواحد فى سنى وظروفى علشان الرعاية الصحية وغيرها...
المرة دى لو كنت سافرت كنت هاسافر من غير حلم! ... الحياة من غير حلم ولا أمل هى الجحيم ... وأنتى أكيد عارفة يا مودمزيل أن الفرق بين الجحيم وأى حتة تانى هو غياب الأمل ... شُفتك وأنتى بتقرى "الكوميديا الإلهيّة" لدانتى.

ابتسمت مستغربة ومعجبة بذاكرته وقوة مُلاحظته ... وثقافته اللى أكيد أنا جنبّها صفر على الشمال ، وردّ على ابتسامتى بابتسامة التواضع الخجلان...

- أقنعت نفسى إنى لسة مارجعتش ! ... أيوة ، مش هى دى مصر ... ومسيرى يوم هارجع مصر! ... وهافضل احلم بصر لحَدّ ما ارجعلها ... وعلشان أحبُك الكدبة بقيت أجى كل يوم هنا الكافيه الخوجاتى دا ... علشان لما أشوف كل اللى حواليّا مش مصريين والموسيقى اللى شغّالة وحتى "الويترز" أجانب ... أصدق إنى لسة برّة . مش بقولك أخترت أتجنن...

ضحك وابتسمت . بس مرة واحدة بَصّ لتحت وملامح وِشّه اتغيرت كإنه افتكر حاجة ضايقتُه

- حاجة كمان بتخلينى أقضى أغلب يومى هِنا . مش عايز أموت لوحدى ف شقتى ، ويكتشفوا بالصدفة - لما الصاحب البيت يبلّغ إنى متأخر فى دفع الإيجار وأنه هياخد الشقة ... ويجّوا يكسروا الباب - إنى ميّت وجثتى متحللة من زمان ... قريت الخبر دا مرات من غير عدد من ساعة مارجعت.

بسرعة رِجعت فى الكرسى لورا وَجّعت راسى وغمّضت عينى وأخدت نَفس عميق كأنى ....... كـأنى أى حاجة ... بس كان لازم ادّليه فرصة يمسح الدمعة اللى هربت من عينه من غير ما أجرح كبرياءه ... وكمان أمنع الدمعة اللى كانت هاتهرب من عينى معاها ... فضِلت مغمضة عينى ومستنياه كأشارة أنه استعاد ترتيب ملامحه.

- سبب إنى كنت متابعِك ومهتم ... إنى زىّ ... دايماً لوحدِك فى أيام الأجازات ... وبتقرى بكل اللغات ... ملامحك المصرية خلّتنى مسؤل عنّك ! ... اعتبرينى من قرايبك اللى ماتعرفيش منهم حَدّ ... أنتى قَدّ حفيدتى ... اسمحيلى أناديكى باسمِك.

المرة دى رِجعت فى الكرسى ورَجعت راسى وغمضت عينى وأنا مش مصدّقة ... هو دا الاحساس اللى كنت بدوّر عليه من زمان ! ... احساس الأمان ؟ ... الألفة ؟ ... ماعرفش ... بس هو !

- أنا جيت كنت صغيرة ... تقريباَ أتربيت هنا ... بابايا ومامتى كانوا مثاليين قوى ... قوى ... زيادة عن اللزوم ... وللأسف ربونى على المثالية دى ... المثالية قتلتهم ومستنياها تقتلنى ...

كأنه شافنى فعلياً مقتولة ... انزعج جداً وقاطعنى...

- "نو" ... "نو" ... "نو" ... ليه بتقولى كدة ... أنتى لسة صغيرة ... و... و...

وسكت !

- أنا مش بقول كدة عن يأس ، بالعكس أنا عايشة حياتى ومستمتعة بيها بس زى ما حضرتك اتصدمت فى البلد ، فنها وأماكنها وشوارعها وما إلى ذلك ... أنا بقى اتصدمت فى البنى أدمين ، روحهم وأحلامهم وصدقهم وما إلى ذلك . ماحدش بقى بيحب إلا لغرض بعيد تماماً عن الحب ، ولا حد بيصاحب إلا علشان يستفيد ... اتعلمت مش ببلاش أن الوِحدة خير من جلس السوء.

- يعنى أقوم واسيبك ؟

ضحك ضحكة جديدة ... طفولية وحنينة ... فيها شقاوة عايزة تضحّكنى بأى شكل ... ضحكت من قلبى وهزيت راسى وأنا بضحك بــ"لا".

- أنا اكتشفت حاجة رائعة وغريبة جداً ، الوِحدة فى حدّ ذاتها مش وِحشّة . ممكن الواحد يبقى وحيد مايحسش ... بس يبدأ يتعب لما يسأل نفسه كل شوية عن وِحدتُه ... والقبح اللى حوالينا مش مصيبة ... ادراكنا ليه هو اللى مصيبة ... وفى حالة أننا نتجاهله أو ننشغل عنه بحاجة ، فإحنا بنلغى وجوده بالنسبلنا ، يعنى بننقله للعدم من حياتنا .
لو كان حد قالى قبل ما يحصلّى ... ، أن مامتى هاتموت بسبب الأهمال ، وأن بابايا هايموت وراها من حُزنه عليها . وأن الشخص الوحيد اللى حبيته واخلصتلُه ، وعشت مصريتُه وشُفت فيها كل أهلى يطلع بيستغلنى علشان عايز يتخلّص من مصريتُه دى وطمعان فى جنسيتى التانية لو كنت أدبّست وأتجوزته . وإن الإنسانة اللى وثقت فيها كصديقة كنت بالنسبة لها سلم لمستوى اجتماعى أرقى ، ولما لقيت فيه صِدتّها ارتبطت بِيه وقاطعتنى لحسّن فى يوم أفكّر حَدّ بأصلها أو أعايرها...
لو كان حد قالى كل دا ولو على سبيل الدعابة ، أو لعبة "ماذا لو ..." كنت هاموت من مجرد الفكرة ... بس لقيت الحل أنى ما أفكرش فى كل الحاجات دى ... كأنها ما حصلتش ! ... ومافيش حاجة تثبت . مش خيانة للذكرى ولاهروب ... بس ممكن استبدل كل دا من قوالب الزمن بحاجات تانى مثالية جداً جداً ، من الواقع ؟ ... مش لازم لأن أغلب الواقع بقى مسموم ... بس بطلّها من تلاجة الكُتِب ثنائية الأبعاد واجسمّها فى حياتى ... بخليها واقع إلى أن يثبت العكس ، ولما يثبت بلخلخُه بعكسه وهكذا ... . مالقتش وصف للى بعمله دا غير فعل واحد موجود بس فى العامية المصرية ، هو اصلا كلمة فصحى ... بس الروعة بتاعت المعانى الكتير فى استخدامه العامى مالهاش زَىّ ... حتى مالقتلوش ترجمة تانية فى أى لغة تانية تِدّى نفس المعنى.

أخد وضع مسرحى وقالى

- إذا فلتنجدينى بِه يا إلهّة الحكمة الأغريقية ، وسأحيا جامعاً للغيوم من سماءك ... وساكباً للأمطار على غاباتك .

ضحكت وأخدت وضع مسرحى قدامه ... فضل المشهد ثابت لحظةغَيّر كل واحد فينا - بخياله - ديكورات المكان وهدومنا العصرية ، واستحضرنا همومنا القلبيّة ... اتنين من آلهة الحضارة اليونانية بيتدّوا حضارتهم الحالية وحياتهم الشخصية . وكلمة ماتقولهاش واحدة فى سنّى لواحد فى سنّه ... ومش لايقة على المشهد إطلاقاً ... بس المعنى بين عينه وعنيا أعلى وأعمق من الصوت اللى فى حروف كلمة " أتــــــلـــــهــى ".............

الثلاثاء، 13 يوليو 2010

أمــومــة بــالــتـبـنـى...


ما الذى تقدمه الأم لأبناءِها ؟ ...

الغِذاء ؟ ...
أنتِ تُطعمين نفسى و روحى ...
وتُعطين لجسدى نضارة وشفاء.

الاحتواء ؟ ...
أنتِ تحتوينى ، لا كما تحتوى الأم رضيعها ...
فتُسكِنَهُ بين صدرها وزراعيها المضمومتين ...
ولا كما تحمله طفلاً ...
وتتركه يلقى برأسه على مِنكَبِها ...
ثم تسنده بوجنتِها بعدما ينام ...
ولا كما تطوّقه شاباً يبحث عن وسادته القديمة ...
بل كما تحويه جنيناً ...
احتواء بلا فواصل زمنيّة ...
يتخلل كل الفراغات ، يتلامس مع كل الجسد ...
احتواء يحتوى معنى الأمان كاملاً ، خالصاً ، شاملاً ...
لا زائفاً ... ولا ناقصاً .

الحنان ؟ ...
تسكبين حنانك علىَّ ...
فاسكب أنا الدموع ...
دموع رد فعل الحنان التى يستحيل وصف مشاعرها ...
فرحة كئيبة .. حزن مغبوط .. ألم لذيذ ...
لا أعرف أمام حنانك إلا أن أبكى ...
فأنتِ كعالِم يعرف بدقة أن يُهئ الظروف ...
لذوبان الصُلب قطرة قطرة ...
أو تكثيف الغاز بنفس الرقّة .

التفّهُم ؟ ...
تفهمينى أكثر مما أفهم نفسى ...
تدركين نموى واحتياجاتى ...
تنتقلين معى بذكاءٍ عجيب ...
بين طفولتى ومراهقتى ونضوجى وكهولتى ...
بين انكسارى وتمردى وحيرتى وحريتى .
كل هذا النمو والاضمحلال يحدث ويتكرر فى أجزاء الثانية ! ...
ولا يقدر فيه غيرك أن يدركنى ويفهمنى .
أشعر معكِ إنى لا احتاج أن أشرح ...
ولا أخاف أبداً من سوء الفهم ...
ذاك الذى يسبب احباطاً يجرح ويؤلم أكثر من الجرح سبب الشرح ...
تفهمينى كما يفهم الوتر الأنامل ...
وكما تُتقن ريشة الألوان السباحة على اللوحات ...
تملكين فن الاصغاء ...
فن الأطراء ...
فن اسداء النصح ...
فن التوبيخ الصارم ...
فن الرد السريع ...
أو التأنّى والأبطاء ...
كل الأطباء النفسيين .. خبراء المشورة .. والشيوخ الملهمين ...
لا يملكون ذرّة مما تملكين من الحكمة والتفهّم .

أنتِ والعطر فقط مَنْ يملكان نفس امكانية الحضور .
أقل القليل منكما يملأ كل المكان ...
ينفذ بلا استئذان إلى حواس الإنسان ...
ليس لكما كؤوساً ولا جيوب ...
ولكن تَعُبّا من المشاعر ألوان...
وتتمايزين بأمكانية تحريكى ...
بمرونة بلا مثيل تُراقصينى ...
تحددين بدقة زوايا ميلّى .
تعرفين كيف تُنبتين لى أجنحة ...
وبعدما ترفعينى للسُحب ، بجُرأة النسور مع أفراخها تُلقينى ...
تلمسينى فأقشعِر ...
فتتركينى بالصمت لحظة ثم تعاودينى .

سألتُ فى استنكار عن عطاياك الأموميّة ...
فإذا بكِ أماً وأروع من أمٍ مثاليّة ...
ليتنى حقاً كنت أبنتك ...
من نفس جنسك وفصيلتك ...
ولكنّ جسدى الكثيف يجعلنى مخلوقة لاتملك صفاتك الإعجازيّة ...
يجعلنى إنسانة تستأنس بكِ ...
وتلتمس منكِ التبنّى والتربيّة ...
أجل .. يكفينى أن أكون أبنتك بالتبنى ...
بعهد الخيال والتَغنّى ...
أيتها ...
النغمات الموسيقية

الثلاثاء، 12 يناير 2010

خـنـاجـر

كُتِبَت تعليقا على مقالة منير عامر "أرجوك لاتلمس الخنجر الذى فى ظهرى" فى الأهرام يوم 16-11-2009
http://www.ahram.org.eg/Archive/2009/11/16/WRIT3.HTM


خــنــاجــر
+قد لايكون لكل بنى أدم الأحياء عيون تعمل بكفاءة ، أذان ، أو أطراف مشدودة الأعصاب ، لكنّ المؤكد أن لكل منهم قلب ورأس........وظهر مغروز فيه خنجر.

+الطريف والمؤسف أنه لاأحد يرى خنجره ، لأنه فى ظهره. والمضحك حتى البكاء ، أن الناس لايرون خناجر إلا من سبقوهم ! . أما الذين دوما فى المؤخرة فلا أحد يرى خناجرهم لأنه لاأحد خلفهم.

+القائد والمميز....وكل اصحاب الصف الأول حُكم عليهم أن يكون خنجرهم معروض لكل تابعيهم ، لأنهم دوما فى المقدمة.

+تتنوع الخناجر كما تتنوع ملابس الناس ومنازلهم وأغراضهم وثقافاتهم ، فهناك الخنجر الخشبى والنحاسى....الذهبى والفضى وأى نوع أخر من المعادن...هناك الخنجر ذو المقبض الصدِأ والآخر مقبضه من الأبانوس المرصع بالأحجار الكريمة. خنجر بسلاح حاد مسنون ، وأخر بقاطع عريض بليد. ماسى صغير رقيق ولكنه مشتعل كالنار ، وأخر مطاطى خفيف مرن... تشكيلة متنوعة بعدد أنواع البشر. لكن يوحدها أنها كلها خناجر مؤلمة فى الظهور.

+لاتعتمد درجة الألم التى يُحدثها الخنجر على قيمته المادية ، بل لاتعتمد بالقدر الأكبر على نوع الخنجر من الأساس. هناك عوامل أخرى أكثر أهمية، كاليد التى غرزته ، والزاوية التى غرز بها ، المكان الذى غرز فيه فى الظهر –قرب القلب يعتبر مكان مقتل مثلا- والأهم على الأطلاق نوع الجسم الذى غرز فيه والنشاط الذى يمارسه.

+الكل لايرى خنجره ، ولكن هناك اشخاص حساسون جدا لخناجرهم ، يقضون عمرهم كله يتألمون منها.... وربما ماتوا من معاناة الألم فقط حتى لو كانت اصاباتهم غير مميتة. آخرون على النقيض يحيون ويموتون دون أن يشعروا بخناجرهم... لكن هذا لاينفى وجودها، وربما بأفتقادهم لنعمة الألم يتجاهلون جروح خناجرهم حتى تتسبب فى وفاتهم أيضا. البعض يدفع حياته ثمنا لنزع خنجره فينزف حتى الموت ، والبعض يتعايش مع آلام خنجره فلا يفكر فى حل أو علاج.

+البحث عن علاج أو حل لذلك الخنجر هى قضية البشر الأولى ، حتى وإن لم يجاهروا كلهم ، الأغلبية تنقصها شجاعة الأعتراف بوجود خنجرها من الأساس ، تشعر بالرضا لأنها لاتراه فى المرآة كل يوم صباحا وهى تستعد للنزول ، مع أنها لاترى عقولها أو قلوبها لاتنفى وجودها كالخنجر.

+هناك من يستخدمون جروح خناجرهم لإثارة الشفقة والأستجداء . وهناك من يمنعهم كبرياءهم حتى من مجرد إظهار وجود الخنجر ، يخفونه مضغوطا فى ستراتهم الرسمية حتى لايؤذوا مرهفى الحس بمنظر الخنجر....... ويتحملون فى سبيل ذلك آلاما مضاعفة.

+أحيانا عدم معرفتنا بحجم خنجرنا الحقيقى وحقيقة وضعه ومدى تغلغله فى اجسادنا يعرضنا لخطرين ، خطر التهوين وخطر التهويل. التهوين يجعلنا نسلك كأننا بلا خنجر فنصدم أثناء استلقاءنا على ظهورنا لحظة تأمل أو فى وضع استجمام على شاطئ بذلك الألم الحاد المباغت.
والتهويل يجعلنا نخاف أن نجلس أن....نجرى....أن نلعب ، نقضى عمرنا ممزوجا بمشاعر الحرص والحذر.

+المقربون فقط –بل شديدو القربى على الأخص- هم من يعرفون كيف يتعاملون مع خناجرنا أكثر مننا نحن اصحابها. من طول المعاشرة والمتابعة يعرفون كيف يسعفون آلامنا .... فى حين لانعرف نحن أن نصل إليها اصلا. يحفظون عن ظهر قلب شكل خنجرنا وأبعاده ، فى حين لم نره نحن أبدا. يعرفون بخبرة عجيبة أين يضعون اصابعهم برفق فيُشيعون احساس الراحة ، ويعرفون –وربما كان هذا مثير للخوف- كيف يشعلون آلما جنونيا أو يصيبون المقتل.

+أخيرا.... خبرة خنجرى علمتنى...... ، أن أشفق على الكل لأن الكل اصحاب خناجر....ولا استثنى من الكل نفسى. وإن كان الخنجر واقع لايمكن انكاره ، إلا أنه قابل للتفاوض.
وليس آخرا.... الحياة بالحب -بالنسبة لشأن الخنجر– هى أن تتأكد أنك بشكل أو بآخر قادر على تخفيف آلام خناجر الأخرين إلى درجة أن تقبلها أو يقبلونها..... وربما بسببها يحبونك فيحبونها.... فتحب الخناجر ومعها خنجرك..... هذا إذا أردت.....



===========================================

أغنية بننجرح لمنير.....كانت فى ودانى وأنا بكتب دى.... و أحيان أخر كتيييييييييييييييييييييرة.

http://www.6r63h.com/listen-12157.shtml


============================

كلُّ أرضٍ تحت نعال الروح.. هاوية
كلُّ منيـّة في مصاف الرؤى.. خنجـر

غاده السمان